الجبهة اللبنانية على فوهة بركان.. الهدنة الهشة وتحديات الانفجار الكبير
السبت 09/مايو/2026 - 05:28 م
طباعة
حسام الحداد
دخلت الجبهة اللبنانية، اليوم السبت 9 مايو 2026، منعطفاً هو الأخطر والقرار الأقسى منذ إعلان "هدنة أبريل" قبل ثلاثة أسابيع؛ فبينما كان العالم يترقب تحويل وقف إطلاق النار الهش إلى مسار دبلوماسي مستدام، انزلقت الميادين نحو "حرب استنزاف" مفتوحة حطمت كافة الضوابط السابقة. لم يعد الصراع محكوماً بـ "قواعد اشتباك" جغرافية أو عسكرية محددة، بل تحول إلى صراع إرادات يسعى فيه كل طرف إلى فرض واقع أمني جديد بالدم والنار؛ إسرائيل عبر استراتيجية "الرؤوس المقطوعة" وتدمير البيئة الحاضنة، وحزب الله عبر "الإغراق الصاروخي" وشل العمق الإسرائيلي، ما يجعل التهدئة مجرد فاصل زمني بين غارتين.
إن المشهد الميداني الراهن يعكس تآكلاً كاملاً لضمانات اتفاق 17 أبريل، حيث باتت لغة الميدان هي المحرك الوحيد للسياسة. ومع توسع رقعة الاستهدافات لتشمل العمق اللبناني والمراكز الإدارية والعسكرية الاستراتيجية في شمال إسرائيل، يبدو أن المنطقة قد تجاوزت مرحلة "التحرش العسكري" لتدخل في طور التمهيد لانفجار شامل. هذا التقرير يسلط الضوء على تفاصيل الساعات الـ24 الماضية، ويحلل عسكرياً ضربات "قوة الرضوان"، ويقيم الوضع السياسي لمدى صمود الهدنة التي باتت توصف بأنها "ميتة سريرياً" في غرف العناية الدولية.
المشهد الميداني.. تصعيد يتجاوز "قواعد الاشتباك"
شهدت الساعات الأربع والعشرون الماضية تحولاً دراماتيكياً في حدة العمليات العسكرية، حيث نفذ سلاح الجو الإسرائيلي موجة غارات هي الأعنف منذ بدء سريان الهدنة الهشة، طالت أكثر من 85 هدفاً حيوياً. وتركزت هذه الضربات في عمق الجنوب اللبناني وسهل البقاع، مستهدفةً ما وصفه الجيش الإسرائيلي بـ "الأصول الاستراتيجية"، والتي شملت منصات إطلاق صواريخ دقيقة ومخازن لوجستية ومنشآت محصنة تحت الأرض. اللافت في هذا التصعيد هو الانتقال من الاستهداف الجراحي إلى سياسة "الأرض المحروقة" في بعض القطاعات، تزامناً مع إصدار أوامر إخلاء قسرية فورية لسكان 9 قرى في قضاء صور، منها العباسية وبرج رحال والزرارية، وهي خطوة يفسرها المراقبون عسكرياً بأنها تمهيد لعملية "تطهير" ناري واسعة أو محاولة لإنشاء منطقة عازلة تسبق أي تحرك بري محتمل.
في المقابل، استعاد حزب الله زمام المبادرة الميدانية بتنفيذ "هجوم مركب" هو الأوسع نطاقاً، حيث سجلت غرف العمليات 26 عملية عسكرية مكثفة في يوم واحد. اعتمدت استراتيجية الحزب على "الإغراق الصاروخي" المتزامن مع هجمات بأسراب من المسيّرات الانقضاضية المتطورة التي نجحت في تجاوز منظومات الدفاع الجوي (القبة الحديدية وومقلاع داوود) في عدة نقاط. وقد تركز الرد على أهداف ذات ثقل استراتيجي ورمزي، أبرزها قاعدة "شراغا" التابعة للواء غولاني شمال عكا، وقاعدة "ميرون" للمراقبة الجوية، مما عكس رغبة الحزب في إثبات استمرارية قدراته القيادية والميدانية رغم الضربات التي طالت كوادره، وتوجيه رسالة مفادها أن العمق الإسرائيلي سيظل تحت النار المباشرة طالما استمر التصعيد الجوي.
أدى هذا التبادل العنيف للنيران إلى تغيير جذري في واقع "الجبهة الداخلية" على ضفتي الحدود؛ ففي الجانب الإسرائيلي، تسبب الهجوم في شلل تام للحياة العامة في مدن كبرى مثل حيفا وعكا، حيث هرع قرابة مليون مستوطن إلى الملاجئ مع دوي صافرات الإنذار المتواصل، مما شكل ضغطاً سياسياً هائلاً على الحكومة الإسرائيلية. أما في الجانب اللبناني، فقد أحدثت إنذارات الإخلاء موجة نزوح جديدة ومضطربة، مما فاقم الأزمة الإنسانية في وقت كانت فيه العائلات تحاول تلمس طريق العودة تحت ظلال الهدنة. هذا المشهد يكرس واقعاً ميدانياً جديداً تجاوز فعلياً "قواعد الاشتباك" التقليدية، ليصبح الموقف أقرب إلى حرب مفتوحة تُدار تحت ستار "اتفاق وقف إطلاق نار" لم يعد موجوداً إلا في التصريحات الدبلوماسية.
ضربات "الرضوان" ومحاولة قطع "رأس الحربة"
تتبنى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حالياً استراتيجية "قطع رأس الحربة" كأولوية قصوى لمواجهة التهديدات الوجودية على حدودها الشمالية، حيث يمثل استهداف قادة الصف الأول في "قوة الرضوان" العمود الفقري لهذه السياسة. وقد توجت هذه العمليات بالضربة الاستخباراتية والأمنية القاسية التي أدت إلى اغتيال القائد الميداني الأبرز "مالك بلوط" في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت مطلع مايو الجاري. ويشير أسلوب التنفيذ — الذي تباينت القراءات حوله بين استخدام صواريخ موجهة بدقة من بارجة حربية أو عملية اغتيال جراحية عبر مسيّرات انتحارية — إلى اختراق أمني عالي المستوى وارتفاع في وتيرة التنسيق الاستخباري (السيبراني والبشري)، بهدف شل ذراع الحزب الضاربة وإحداث إرباك بنيوي في وحدة النخبة التي تُعد المسؤول الأول عن العمليات الهجومية العابرة للحدود.
من الناحية التكتيكية، تهدف إسرائيل من خلال تصفية "قادة الميدان" وصناع القرار التكتيكي إلى ضرب منظومة "القيادة والسيطرة" (C2) في مقتل، لضمان تعطيل أي خطط هجومية برية قد تستهدف الجليل الأعلى. تسعى تل أبيب عبر هذه الاغتيالات إلى خلق فراغ قيادي في نقاط التماس الساخنة مثل (البياضة ورشاف)، وهي المناطق التي تعتمد فيها قوة الرضوان على "الاصطياد التكتيكي" للآليات المدرعة. فمن خلال غياب القادة الميدانيين ذوي الخبرة في إدارة الكمائن المركبة، تأمل إسرائيل في تقليص قدرة الحزب على تنفيذ هجمات مضادة منسقة ضد تجمعات الدبابات أو الجرافات العسكرية من طراز D9، وبالتالي تأمين حرية حركة أكبر لقواتها البرية وتخفيف ضغط "الاشتباك من مسافة صفر" الذي تبرع فيه قوات النخبة.
رغم فداحة الخسائر البشرية في هرم القيادة، إلا أن "النتيجة العسكرية" على الأرض حتى تاريخ 9 مايو 2026 تشير إلى واقع مغاير للتوقعات الإسرائيلية؛ حيث أظهرت العمليات الأخيرة ضد دبابات "الميركافا" وجرافات التحصين قدرة فائقة للحزب على التأقلم السريع. إذ كشفت المعارك أن الهيكلية العسكرية للمقاومة لا تزال تعمل بكفاءة عبر نظام "اللامركزية القتالية"، حيث تمنح المجموعات الميدانية والوحدات الصاروخية استقلالية واسعة في تنفيذ "الخطط المعدة مسبقاً" دون الحاجة لقرار مركزي مباشر لكل عملية. هذا الصمود الميداني يثبت أن الحزب نجح في مأسسة العمل العسكري بحيث لا يتوقف بانتهاء دور الأفراد، مما يجعل من استراتيجية الاغتيالات الإسرائيلية وسيلة لإبطاء الهجمات لا إيقافها، ويضع قدرة "الرضوان" على الترميم الذاتي في مواجهة مباشرة مع التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية.
تقييم وضع الهدنة.. "ميتة سريرياً"
من الناحيتين السياسية والعسكرية، باتت الهدنة المعلنة في 17 أبريل الماضي تعيش حالة من "الموت السريري"، حيث تحول الاتفاق إلى مجرد غطاء شكلي لعمليات عسكرية تتوسع يومياً. وتتجلى هذه الحالة في صياغة الطرفين لـ "شرعية الخرق"؛ فإسرائيل تتبنى استراتيجية "الإجهاض الاستباقي"، مبررةً غاراتها الجوية المكثفة بأنها ضرورة أمنية لإحباط تهديدات فورية وإعادة تموضع منصات الصواريخ، في حين يرفض حزب الله الرضوخ لهذا الواقع، معتبراً عملياته العسكرية "رداً مشروعاً" وقائماً على مبدأ الردع لحماية ما تبقى من سيادة لبنانية وحماية المدنيين. هذا التشابك في التبريرات أدى إلى سقوط "قواعد الاشتباك" التقليدية، مما جعل مفهوم الهدنة "حبراً على ورق" لا يقوى على صمود أمام دوي الانفجارات المتلاحقة.
على المسار السياسي، يصطدم الحراك الدبلوماسي الذي يقوده الرئيس اللبناني جوزيف عون مدعوماً بمبادرات دولية بجدار صلب من الشروط المتناقضة التي تجعل الحل السلمي بعيد المنال. ففي الوقت الذي تصر فيه الحكومة الإسرائيلية على فرض "واقع أمني جديد" يتضمن إنشاء شريط حدودي خالٍ تماماً من السكان والسلاح بالقوة العسكرية، يرفض حزب الله الانخراط في أي مفاوضات مباشرة أو تقديم تنازلات تتعلق بتموضعه جنوب الليطاني، معتبراً أن وجوده هو الضمانة الوحيدة لمنع الاحتلال. هذا الانسداد أدى إلى تحول الوسطاء الدوليين إلى "مراقبين" لعجزهم عن سد الفجوة بين إصرار تل أبيب على "الأمن المطلق" وتمسك الحزب بـ "معادلة المقاومة"، مما ترك الميدان وحده ليرسم حدود التفاوض القادم بالدم والنار.
تجاوز الواقع الإنساني المأساوي كل الخطوط الحمر، مما يجعل من الصعب جداً العودة بالزمن إلى ما قبل اندلاع هذه الجولة من الصراع؛ فنزوح أكثر من مليون لبناني من القرى الحدودية والجنوبية، ترافق مع سياسة تدمير ممنهج للبنية التحتية والمنازل جعلت من هذه القرى مناطق غير قابلة للحياة في المدى القريب. هذا التغيير الديموغرافي والجغرافي القسري خلق ضغطاً هائلاً على الدولة اللبنانية، وبات يمثل عائقاً أمام أي تسوية لا تضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً وشاملاً من كافة النقاط المتنازع عليها مع ضمانات دولية لإعادة الإعمار. إن حجم الدمار الراهن يعني أن أي "هدنة" لا تعالج الجرح الإنساني والسيادي بعمق ستكون مجرد استراحة محارب قصيرة تسبق الانفجار الأكبر، وهو ما يضع المنطقة بأسرها أمام سيناريوهات مفتوحة تتجاوز حدود الجبهة اللبنانية.
في المحصلة، لا يزال الطرفان يمارسان سياسة السير على "حافة الهاوية" برهانٍ عالٍ؛ فإسرائيل توظف تفوقها الجوي والاستخباري لزعزعة الهيكل القيادي للحزب وإفراغ القرى الحدودية، بينما يراهن حزب الله على قدرته في استنزاف الجبهة الداخلية الإسرائيلية ومنع الاستقرار في الشمال مهما بلغت التضحيات القيادية. إن التقديرات الميدانية حتى مساء اليوم تشير إلى أن الجبهة اللبنانية تتجه بخطى حثيثة نحو "الانفجار الكبير"، ما لم يتدخل وسيط دولي بثقل الولايات المتحدة وفرنسا لفرض صيغة تنفيذية ملزمة للقرار 1701 بآليات رقابة ميدانية صارمة. ومع غياب هذا التدفق الدبلوماسي الفعال، يبقى الميدان هو السيد، وتبقى الهدنة مجرد "استراحة محارب" قصيرة يجمع فيها كل طرف أنفاسه قبل جولة قد لا تبقي على أي فرصة للعودة إلى الوراء.
