التاريخ الإسلامي بين سطوة المرويات ومنهج البحث العلمي

السبت 09/مايو/2026 - 06:17 م
طباعة التاريخ الإسلامي حسام الحداد
 
سؤال الهوية والتاريخ كان محور الحلقة الجديدة من بودكاست "جدليات" بعنوان: "هل تاريخنا حقيقي أم مبالغات؟ وكيف نقرأ التاريخ بعيداً عن الأساطير؟"، حيث استضاف فيها الإعلامي إبراهيم عيسى المفكر والباحث العراقي المرموق الدكتور خزعل الماجدي، المتخصص في تاريخ الحضارات وعلم الأديان. بُثت الحلقة عبر منصات مؤسسة "تكوين" في الثامن من مايو لعام 2026، وشكلت حواراً نقدياً معمقاً يهدف إلى تفكيك السرديات التاريخية التقليدية التي سيطرت على العقل العربي لقرون، والبحث في سبل تحويل التاريخ من نص "دعائي" غارق في التمجيد إلى مادة علمية خاضعة للفحص والتمحيص.
طرحت الحلقة إشكالية "صناعة التاريخ" في العصر الوسيط، حيث استعرض الدكتور الماجدي كيف تحول الدين من منظومة روحية إلى سلطة مهيمنة صبغت التاريخ بصبغة انحيازية، مما جعل المرويات الشفاهية تطغى على الحقائق المادية. كما وثقت الحلقة بيانات منهجية غاية في الأهمية، تمثلت في "خارطة الطريق" التي اقترحها الضيف لإعادة قراءة الماضي من خلال معالجات أثرية وعقلية ومنهجية رصينة، مع تحليل سوسيولوجي دقيق للعوائق التي تضعها المؤسسات الدينية والسياسية والجماهيرية أمام المؤرخ الحديث، مما يجعل من هذه الحلقة وثيقة فكرية هامة في مسار نقد العقل التاريخي العربي.

"تاريخ إسلامي" أم "تاريخ المسلمين"؟
يرى الدكتور خزعل الماجدي أن مصطلح "التاريخ الإسلامي" ليس مجرد توصيف ديني لاهوتي معزول، بل يجب فهمه ضمن السياق التاريخي الأوسع لـ "العصر الوسيط" الذي تميزت فيه الأديان التوحيدية الكبرى (اليهودية، المسيحية، والإسلام) بكونها المحرك الأساسي للأحداث. ويوضح أن هذا العصر شهد تحول الدين من كونه مجموعة من الشعائر الروحية إلى "آلية حضارية" شاملة فرضت منطقها على كافة مفاصل الحياة، حيث صبغ الدين بصبغته العناصر المادية والمعنوية للحضارة التي قد يصل عددها إلى 15 عنصراً. وبناءً على ذلك، فإن وصف التاريخ بأنه "إسلامي" هو إقرار بهيمنة المنظومة القيمية والدينية على الرؤية الكلية للحياة والحضارة في تلك الحقبة، تماماً كما يقال "التاريخ المسيحي" أو "التاريخ اليهودي" لذات الفترة.
وفي ذات السياق، يفرق الماجدي بين "تاريخ الديانة" و"تاريخ المتدينين"، مشيراً إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن كتابة التاريخ وقراءته في ظل هذه الهيمنة الدينية أصبحت تفتقر إلى الحياد والموضوعية. فالنظرة الدينية للتاريخ هي "نظرة منحازة" بطبعها، تميل إلى تبرير الأخطاء، والتغطية على الإخفاقات، وتقديم الأحداث في قالب دعائي خطاب يركز على "البطولات والأمجاد" عوضاً عن سرد الوقائع كما حدثت فعلاً. هذا الانحياز المسبق جعل التاريخ يُكتب بـ "الأهواء والمشاعر"، ويُقرأ لغرض التصديق والتبجيل لا لغرض التحليل والمناقشة، مما أدى إلى غياب المنهج العلمي وتكريس صورة "مضببة" أو "دعائية" لا تعكس الحقيقة التاريخية المجردة.

المناهج الثلاثة المقترحة لإعادة قراءة التاريخ
تأتي المعالجة الآثارية (الأركيولوجية) كركيزة أولى في "خارطة الطريق" التي رسمها الماجدي، حيث يشدد على ضرورة تحويل علم الآثار من كونه علماً ثانوياً إلى مادة رئيسية في التحقق التاريخي. ويرى أن التاريخ الحقيقي هو الذي يُستنبط من "المادة الملموسة" التي تركها الإنسان، سواء كانت مبانٍ، أو آثاراً مادية بسيطة، أو نقوشاً وجداريات، وصولاً إلى عصر الوثائق والمراسلات المزامنة للحدث. تكمن أهمية هذا المنهج في كونه "يضبط" التاريخ ويحرره من سطوة المرويات الشفاهية التي دُوّنت بعد قرون من وقوعها، فالأثر المادي لا يخضع للهوى أو المبالغة التي قد تعتري ذاكرة الرواة، وهو ما يجعل تاريخ ما قبل الأديان التوحيدية -في نظره- أكثر دقة لاعتماده الصارم على المنهج العلمي واللقى الأثرية.
أما المعالجة المنهجية، فتستهدف تغيير "طريقة التفكير" في البحث التاريخي عبر الانتقال من "المنهج الاستنباطي" الأرسطي إلى "المنهج الاستقرائي" البيكوني. يوضح الماجدي أن المؤرخين القدامى وقعوا في "شرك أرسطو" الذي ينطلق من فكرة كبرى أو حكم مسبق (مثل مجد الإسلام أو ضلال الآخر)، ثم ينزل ليضغط على الحقائق الصغيرة ويطوعها لتثبيت تلك الفكرة، مما يؤدي إلى خنق الحقائق الواقعية وتغييب التفاصيل التي لا تخدم النص. وفي المقابل، يدعو الماجدي لتبني المنهج الاستقرائي الذي يبدأ من الحقائق الصغيرة والجزئيات المحايدة ليصعد بها نحو القوانين الكلية، مع ضرورة المقارنة بين الروايات المتعددة والاستعانة بالمناهج الحديثة كالبنيوية والتفكيكية والسيميائية لإضاءة النصوص المروية من زوايا علمية جديدة.
وتكتمل هذه المنظومة بـ المعالجة العقلية، وهي الأداة النقدية التي تعمل كـ "مصفاة" لاستبعاد كل ما يتنافى مع منطق الواقع وقوانين الطبيعة. يرى الماجدي أن العقل يجب أن يكون حاكماً على النص؛ فالسرديات التي تتحدث عن معجزات بشرية مثل بلوغ طول الإنسان ستين متراً، أو انتصارات عسكرية غير منطقية كأن يهزم مئة فرد جيشاً من مئة ألف، هي مبالغات يجب حذفها تلقائياً لأنها لا تملك سنداً واقعياً أو أثرياً. ولا يقتصر هذا النقد العقلي على الموروث القديم فحسب، بل يمتد ليشمل "السرديات الاستشراقية" التي قد تبالغ في التنكيل بالحقائق لأغراض سياسية، مؤكداً أن "الشك الديكارتي" هو حق العقل على الباحث، لضمان عدم الاستسلام للعواطف أو الانحيازات التي جعلت التاريخ يُقرأ "كي يُصدق" لا "كي يُناقش".

نقد المركزية التاريخية والتركيز على "الراشدين"
يرى الدكتور خزعل الماجدي أن هناك خللاً بنيوياً في توزيع الاهتمام التاريخي، حيث يُمارَس نوع من "التكثيف التاريخي" المفرط على فترة الخلفاء الراشدين، التي لا تتجاوز في عمرها الزمني أربعين عاماً، مقابل تهميش وتغييب لما يقرب من أربعة عشر قرناً من تاريخ المسلمين اللاحق. وينتقد الماجدي هذا الانكفاء، معتبراً أن حصر التاريخ في هذه الدائرة الضيقة يُعد نوعاً من "التشويه" المتعمد؛ فبينما ينشغل العقل العربي والمسلم بصراعات السقيفة وتفاصيل العقود الأربعة الأولى، يظل جاهلاً بالتحولات الضخمة التي شهدتها الدول الأموية، والعباسية، والفاطمية، وصولاً إلى العصر الحديث. هذا الانتقاء يمنع تشكل رؤية بانورامية شاملة تعامل كل مرحلة زمنية بما تستحقه من معالجة علمية دون تضخيم جزء على حساب الأجزاء الأخرى.
ويذهب الماجدي إلى أن هذا التركيز ليس مجرد صدفة بحثية، بل هو "تركيز غير بريء" يخدم أجندات متباينة؛ فالمؤسسات الدينية والمذهبية تستدعي هذه الفترة باستمرار لإبقاء جذوة الخلافات القديمة مشتعلة، بينما تحاول سرديات أخرى "تعليب" هذه المرحلة وتصويرها كـ "عصر ذهبي" مثالي مطلق منزه عن الخطأ البشري. هذا التقديس يمنع المؤرخ من تطبيق أدوات النقد والمراجعة على أحداث تلك الفترة، ويجعله يغض الطرف عن أخطاء سياسية أو عسكرية واضحة بذريعة "المثالية المسبقة". إن استمرار هذا النهج -برأي الماجدي- يحرم الأجيال من فهم تطور الدولة كمؤسسة بشرية خاضعة للخطأ والصواب، ويجعلنا أسرى لمرحلة زمنية قصيرة جداً يُراد لها أن تكون هي الحاكم الوحيد على مستقبل مدته آلاف السنين.

الاستشراق: بين "المغامرة" و"الأكاديمية"
يقدم الدكتور خزعل الماجدي تفكيكاً دقيقاً لظاهرة الاستشراق، رافضاً التعميم الذي يوصم كل الجهود الغربية بالعداء. يوضح أن "الاستشراق المبكر" ارتبط في بداياته بحركة الرحالة، والمغامرين، والتجار، والجهات الدينية المسيحية، حيث لم تكن النزاهة العلمية هي المحرك الأساسي دائماً، بل خضعت الكتابات لأجندات سياسية وأيديولوجية ومذهبية. ويرى الماجدي أن تلك المرحلة اتسمت بنوع من "النهش" في التاريخ الإسلامي أو محاولة فهمه من منظور استعلائي، وهو ما خلق فجوة كبيرة وتصورات مشوهة لدى القارئ الغربي والشرقي على حد سواء، خاصة في ظل حالة "الخمول الحضاري" التي كانت تعيشها المنطقة آنذاك.
في المقابل، يسلط الماجدي الضوء على ما يسميه "العصر الذهبي للاستشراق الأكاديمي"، الممتد تقريباً بين القرنين الثامن عشر والعشرين. في هذه المرحلة، تحول الاستشراق إلى علم رصين يدرّس في كبريات الجامعات العالمية، وظهر جيل من الأساتذة الأكاديميين الذين قدموا خدمات جليلة للتراث العربي والإسلامي من خلال تحقيق المخطوطات المفقودة وتنظيم المعارف العلمية. ويستشهد بأسماء مثل "جوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب"، و"زيغريد هونكه" في "شمس الله تشرق على الغرب"، معتبراً أن هؤلاء أنصفوا الحضارة الإسلامية وأبرزوا فضلها على النهضة الأوروبية، محذراً في الوقت ذاته من "الاستشراق الاعتذاري" الذي قد يبالغ في التمجيد كرد فعل على خطايا أسلافه، مما يستوجب فحص هذه الجهود بميزان العلم والحياد.
أما الصنف الثالث والأخطر في نظرة الماجدي، فهو "الاستشراق الجديد" الذي برزت ملامحه بوضوح بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. يرى الماجدي أن هذا التيار يمثل ارتدادة نحو "الاستشراق السياسي" المدبب، حيث عاد لاستدعاء الصور النمطية السلبية وتوظيفها لخدمة صراعات معاصرة. هذا التوجه يعمد إلى تعميم صورة "الإرهاب" على المنطقة وثقافتها وتاريخها، مستغلاً جهل الجماهير أو أفعال المتطرفين لصناعة سردية عدائية جديدة. ويخلص الماجدي إلى أن هذا الاستشراق الجديد، المشحون باللؤم والكراهية، يشكل عائقاً أمام الحوار الحضاري، إذ لا يهدف للفهم الأكاديمي بقدر ما يهدف لتبرير سياسات الهيمنة أو تصوير المنطقة كبؤرة دائمة للصراع والخطر.

عوائق النهضة: لماذا يخشى المؤرخ الحديث؟
يقدم الدكتور خزعل الماجدي تحليلاً سوسيولوجياً (اجتماعياً) عميقاً لحالة الشلل التي تصيب حركة كتابة التاريخ في العالم العربي، مرجعاً إياها إلى وجود "تحالف ثلاثي" غير معلن يفرض حصاراً خانقاً على المؤرخ والباحث الأكاديمي. الركن الأول في هذا التحالف هو المؤسسة الدينية التقليدية، التي ترى في أي محاولة لنقد المرويات التاريخية أو إخضاعها لمبضع المنهج العلمي تهديداً مباشراً لما تسميه "الثوابت". هذه المؤسسة تمتلك سلطة معنوية هائلة تمكنها من وصم الباحث بالهرطقة أو محاربة الدين بمجرد اقترابه من مناطق "المسكوت عنه" في التاريخ الوسيط، مما يجعل البحث العلمي عملية محفوفة بالمخاطر الأمنية والاجتماعية.
أما الركن الثاني، فهو "سلطة الجماهير" أو المجتمع الذي تمت صناعة وعيه عبر عقود من خلال "التاريخ الدعائي" والبطولات الملحمية. يوضح الماجدي أن الشعوب العربية اعتادت على قراءة تاريخها كسلسلة من الأمجاد المنزهة عن الخطأ، وهي بالتالي "ترفض صدمة الحقيقة" وتخشى من انهيار السرديات التي تشكل هويتها العاطفية. هذا المجتمع يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة قمعية تهاجم أي مؤرخ جريء يتحدث عن الأخطاء أو الخطايا التاريخية، حيث يشعر الفرد بأن نقد الشخصيات التاريخية هو إهانة شخصية له، مما يضطر الباحثين إلى "المراوغة" أو السكوت طلباً للسلامة وتجنباً للصدام مع الشارع.
ويكتمل هذا الحصار بـ السلطة السياسية، التي تمثل الركن الثالث، حيث يرى الماجدي أن الأنظمة السياسية في المنطقة غالباً ما تتخذ من المؤسسة الدينية "ظهيراً" أو غطاءً لشرعيتها. وبناءً على هذا التحالف المصلحي، تنحاز السلطة إلى جانب التقليد ضد التجديد، فتغيب الحماية القانونية والسياسية للباحث الأكاديمي. إن الخوف من فقدان الوظيفة، أو الملاحقة القضائية، أو حتى التكفير والقتل، هو ما أدى -حسب الماجدي- إلى "إجهاض المشاريع النهضوية" العربية؛ فبدون وجود "فرشة علمية" صادقة وجريئة لتاريخنا، لا يمكن بناء مستقبل نهضوي حقيقي، مما يبقينا ندور في حلقة مفرغة من تقديس الماضي والخوف من مواجهته.
في الختام، تمثل هذه الحلقة "بياناً معرفياً" يدعو لانتزاع التاريخ من قبضة الوعظ الديني والعاطفة القومية وإعادته إلى مشرحة العلم والتحليل الأكاديمي. إن ما قدمه الدكتور خزعل الماجدي ليس مجرد نقد للماضي، بل هو دعوة لإنقاذ المستقبل؛ فمن لا يملك تاريخاً حقيقياً ومُصححاً لن يجد أرضية صلبة لبناء نهضة مستدامة. لقد وضع الماجدي أصبعه على الداء المتمثل في "الخوف من الحقيقة"، مؤكداً أن العظمة الحقيقية للأمم لا تكمن في تزوير البطولات، بل في الجرأة على الاعتراف بالأخطاء والتعلم منها. إن التصالح مع "بشرية" التاريخ، بعيداً عن صوره النمطية المثالية، هو الخطوة الأولى والضرورية لكسر قيود التخلف الحضاري والالتحاق بركب المسيرة الإنسانية العالمية التي لا تتوقف عن التطور والمراجعة.

شارك