جنوب لبنان.. هدنة "على الورق" وحرب استنزاف تفرض أمراً واقعاً
الأحد 10/مايو/2026 - 12:35 م
طباعة
حسام الحداد
على وقع صفير المسيرات الذي لا يهدأ في سماء الجنوب، تعيش الجبهة اللبنانية اليوم حالة من "اللاحرب واللاسلم"، حيث تآكلت مفاعيل "هدنة منتصف أبريل" قبل أن يجف حبرها السياسي. فما كان يُنتظر منه أن يكون كبحاً لجماح المواجهة الشاملة، استحال إلى غطاء لنمط جديد من الصراع الاستنزافي، تجاوزت فيه إسرائيل حدود الجغرافيا التقليدية لتصل بضرباتها الجراحية إلى مشارف العاصمة بيروت. هذا المشهد الميداني الملتهب يعكس صراعاً محتدماً على "قواعد الاشتباك"، حيث تسعى تل أبيب لفرض واقع أمني جديد ينهي حقبة ما قبل أبريل، بينما يستميت الطرف اللبناني لرفض أي إملاءات جغرافية تُنتزع منه تحت وطأة الغارات، مما يجعل من الهدنة مجرد ستارة دخان لمواجهة أكثر تعقيداً وعمقاً.
ومع دخول الاتفاق أسبوعه الرابع، يبرز التحدي الأكبر في "الميدان الصامت" الذي تحول إلى ورشة عمل عسكرية لفرض "أمر واقع" يتجاوز التفاهمات الدبلوماسية. إن الإصرار الإسرائيلي على القضم الجغرافي وإنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات، لم يعد مجرد تهديد إعلامي، بل بات نهجاً ميدانياً تترجمه آليات التحرك البري والقصف المركز الذي يستهدف إفراغ القرى الحدودية من مقومات الحياة. في المقابل، يطل "حزب الله" عبر استراتيجية "الردع المرن"، محاولاً موازنة كفة القوة بمسيرات انقضاضية تضرب مفاصل الأمن الإسرائيلي، ليرسم الطرفان معاً ملامح مرحلة انتقالية خطرة، تبدو فيها المفاوضات السياسية مجرد صدى لأصوات الانفجارات التي تعيد ترسيم حدود النفوذ والسيادة بالحديد والنار.
المسيرات تحسم الموقف
لم تكن غارات المسيرات الأخيرة مجرد خروقات تقنية للهدنة، بل مثّلت تحولاً استراتيجياً في بنك الأهداف الإسرائيلي الذي بدأ يتجاوز "قواعد الاشتباك" التقليدية. ففي استهداف نوعي على الطريق السريع بمنطقة السعديات -التي تربط بيروت بالجنوب- بعثت إسرائيل برسالة دموية مفادها أن حرية الحركة على الشرايين الحيوية للبنان باتت تحت المجهر. هذا القصف، الذي طال مركبات مدنية وعسكرية مفترضة في وضح النهار، يعكس سياسة "الاغتيال الوقائي" التي تنتهجها تل أبيب، ضاربةً بعرض الحائط بنود اتفاق أبريل التي نصت على وقف العمليات الهجومية، مما يضع مفهوم "الحصانة الأمنية" للتحركات خلف الخطوط الأمامية في مهب الريح.
في قلب الجنوب، وتحديداً في قضاء النبطية، تجلت الكلفة الإنسانية الباهظة لهذه الهدنة الهشة؛ حيث وثقت وزارة الصحة اللبنانية مأساة مروعة تمثلت في مقتل لاجئ سوري وابنته الطفلة جراء استهداف مباشر من طائرة مسيرة لدراجتهما النارية. هذا الحادث لم يمر كرقماً في سجل الضحايا، بل فجر موجة من التنديد الرسمي اللبناني الذي وصف الواقعة بأنها "جريمة حرب" واستباحة متعمدة لحياة المدنيين. تكمن خطورة هذا النوع من العمليات في كونه يزعزع ثقة السكان في العودة إلى قراهم، ويحول القرى الجنوبية إلى مناطق "صيد مفتوح" للمسيرات التي لا تفرق في غاراتها الخاطفة بين هدف عسكري وعابر سبيل.
على الجانب الآخر، لم تكن الجبهة اللبنانية ساكنة، حيث تبنى "حزب الله" استراتيجية عسكرية أطلق عليها "الدفاع النشط" لردع التوغلات والخروقات المستمرة. وفي رد فعل ميداني سريع، نفذ الحزب هجمات دقيقة بواسطة "مسيرات انقضاضية" استهدفت تجمعات لجنود الاحتلال ومواقع استخباراتية في مستوطنة "مسكاف عام" الحدودية. التقارير العبرية التي اعترفت بإصابات حرجة في صفوف جنودها تؤكد أن الحزب يسعى لتثبيت معادلة (العين بالعين)، مشدداً على أن أي خرق للسيادة اللبنانية سيقابله استهداف مباشر للعمق العسكري الإسرائيلي، وهو ما يحول الهدنة إلى "حرب استنزاف تكنولوجية" تستخدم فيها المسيرات كأداة رئيسية لحسم الموقف الميداني بعيداً عن المواجهة البرية الشاملة.
العقدة الكبرى:
تحت غطاء الدخان الكثيف الذي تخلّفه الغارات اليومية، يتكشف المخطط الإسرائيلي الأكثر خطورة، وهو فرض "منطقة أمنية" داخل الأراضي اللبنانية كأمر واقع يتجاوز تفاهمات الهدنة. وتكشف المعطيات الميدانية وتصريحات القادة العسكريين في تل أبيب عن إصرار حاسم على التمسك بشريط حدودي يتراوح عمقه بين 8 إلى 10 كيلومترات. هذا التوجه لا يمثل مجرد إعادة تموضع عسكري مؤقت، بل هو محاولة لترسيخ "واقع جغرافي جديد" يقتطع أجزاءً سيادية من الجنوب اللبناني، بهدف خلق حاجز مادي يمنع وصول قوات النخبة التابعة لحزب الله إلى الخط الأزرق، ويحول دون تنفيذ أي عمليات اقتحام بري مستقبلاً تجاه الجليل الأعلى.
يتجاوز هذا الحزام الأمني فكرة إبعاد المقاتلين، ليصل إلى هدف تقني وعسكري معقد وهو "تصفير التهديد" المباشر للمستوطنات الشمالية. فمن خلال السيطرة على هذا العمق الجغرافي، تسعى إسرائيل إلى إخراج المستوطنات من دائرة استهداف الأسلحة المضادة للدروع (مثل صواريخ كورنيت) والمدفعية الخفيفة وقذائف الهاون، وهي الأسلحة التي أثبتت فعاليتها في شل الحياة في الشمال خلال الأشهر الماضية. إن إقامة هذا الحزام، المدجج بأجهزة استشعار متطورة وأبراج مراقبة ذكية، يهدف إلى تحويل القرى الحدودية اللبنانية إلى مناطق عازلة "خالية من السلاح والسكّان"، مما يمنح الجيش الإسرائيلي أفضلية الرؤية والاشتباك المبكر قبل وصول أي تهديد لخط الحدود.
على الصعيد الدبلوماسي، يُنظر إلى هذا الوجود البري كـ "رهينة جغرافية" وورقة رابحة بيد المفاوض الإسرائيلي في المحادثات التي يقودها الوسيط الأمريكي لترسيم الحدود البرية. تسعى تل أبيب من خلال "الاحتلال المقنّع" لهذه المنطقة إلى مقايضة انسحابها منها بتنازلات سياسية وأمنية كبرى من الدولة اللبنانية، تضمن تفكيك البنية التحتية لحزب الله جنوب نهر الليطاني. إنها محاولة لإعادة إنتاج تجربة "الشريط الحدودي" الذي كان قائماً قبل عام 2000، ولكن برؤية تكنولوجية عصرية تهدف إلى فرض سيادة أمنية إسرائيلية عابرة للحدود، مما يضع السيادة اللبنانية أمام اختبار هو الأصعب منذ عقود في ظل عجز دولي عن كبح هذا التمدد.
هدنة أم "استراحة محارب"؟
يرى المحللون العسكريون أن مصطلح "الهدنة" في السياق اللبناني الحالي ليس سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها عملية "إعادة ضبط" عنيفة لقواعد الاشتباك. فما نشهده اليوم ليس مجرد خروقات عشوائية أو هفوات ميدانية، بل هو صراع إرادات يسعى فيه كل طرف لفرض رؤيته لما بعد الحرب عبر فوهات المدافع. إنها مرحلة "ترسيم النفوذ بالبارود"، حيث تحاول إسرائيل انتزاع مكاسب جغرافية وأمنية عجزت عن تحقيقها بالدبلوماسية، بينما يسعى حزب الله لإثبات أن منظومته القتالية لا تزال تملك القدرة على الردع رغم الضربات القاسية، مما يحول "وقف إطلاق النار" من مشروع استقرار إلى "استراحة محارب" يتم فيها تحسين المواقع بانتظار الجولة القادمة.
على المقلب اللبناني، تعيش الحكومة في بيروت حالة من الشلل الاستراتيجي والضغوط الدولية والمحلية الهائلة. فبينما يطالب المجتمع الدولي ببسط سيادة الجيش اللبناني حصراً في الجنوب تنفيذاً للقرارات الدولية، تجد السلطة الرسمية نفسها عالقة في معادلة مستحيلة؛ فهي من جهة عاجزة عن لجم الخروقات الإسرائيلية التي تستبيح الأجواء والسيادة اللبنانية بصفة يومية، ومن جهة أخرى مضطرة للتعامل مع واقع "حق الرد" الذي يحتفظ به حزب الله كذراع عسكرية موازية. هذا التذبذب يضع الدولة اللبنانية في موقف المحرج، حيث تظهر كطرف يراقب تآكل سيادته دون القدرة على فرض جدول أعماله الخاص أو حماية مواطنيه من غارات المسيرات.
إسرائيلياً، يبدو أن حكومة نتنياهو قد استبدلت العمليات العسكرية الكبرى بما يمكن تسميته "استراتيجية التنقيط"، وهي تكتيك يقوم على تنفيذ ضربات جراحية منتقاة بدقة لإحباط أي محاولة لحزب الله لإعادة التمركز أو ترميم بنية قيادته في المناطق الحدودية. هذا الأسلوب يتيح لتل أبيب استغلال التفوق الجوي والغطاء الاستخباري المفتوح لضرب أي "هدف وشيك" دون الانزلاق الرسمي إلى إعلان انهيار الهدنة الشاملة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى استنزاف قدرات الحزب البشرية واللوجستية ببطء، وفرض بيئة أمنية طاردة لأي نشاط عسكري جنوب نهر الليطاني، مع الحفاظ على "وتيرة ضغط" مرتفعة تجبر المفاوض اللبناني على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الحدود والمراقبة.
السيناريوهات القادمة
يبقى شبح المواجهة المفتوحة يظلل المشهد اللبناني كأكثر السيناريوهات قتامة، حيث يجمع المحللون على أن الهدنة الحالية تتحرك في "حقل ألغام" بشري وسياسي. إن أي غارة إسرائيلية قد تخطئ هدفها لتوقع مجزرة بحق المدنيين، أو تستهدف مركزاً حيوياً يتجاوز "الضاحية الجنوبية" ليصل إلى عمق بيروت الإدارية، ستدفع حزب الله بالضرورة لتفعيل ردود غير تقليدية تكسر قواعد الاشتباك الراهنة. في هذه الحالة، ستجد المنطقة نفسها أمام "تدحرج كرة الثلج"، حيث يتحول الدفاع النشط إلى هجوم شامل، مما يطيح بالوساطات الدولية ويفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة النطاق لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
يتمثل السيناريو الثاني في محاولة إسرائيل تحويل الوجود البري في الجنوب من وضع "عسكري مؤقت" إلى "واقع سياسي دائم" عبر تثبيت المنطقة العازلة. هذا المسار يعتمد على نجاح تل أبيب في الحفاظ على الهدنة "اسميًا" أمام المجتمع الدولي، مع مواصلة قضم الأراضي ميدانياً بعمق 10 كيلومترات. إلا أن هذا الطموح يصطدم بجدار من الرفض اللبناني القاطع، رسمياً وشعبياً، حيث يُنظر إلى هذا الحزام كاحتلال موصوف ينسف الهدنة من أساسها. هذا الانسداد قد يؤدي إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تجعل من البقاء الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية كلفة بشرية وعسكرية باهظة، وتحول المنطقة الحدودية إلى ساحة اشتباك يومي لا تهدأ.
المسار الثالث والأكثر ترجيحاً في الأمد المنظور هو استمرار "التصعيد المدروس" كأداة ضغط على الطاولة السياسية المقررة في واشنطن. تسعى جميع الأطراف في هذا السيناريو إلى تحويل إنجازاتها الميدانية وضرباتها النوعية إلى أوراق قوة في التفاوض حول ترسيم الحدود والترتيبات الأمنية. إنها مفاوضات "تحت النار"، حيث تُستخدم المسيرات والقذائف كرسائل سياسية مشفرة تهدف إلى انتزاع تنازلات اللحظة الأخيرة. وفي الخلاصة، فإن هذه الهدنة ليست نهاية للصراع، بل هي انتقال استراتيجي لنمط "الحرب الجراحية" الذكية، حيث لم تعد الخرائط تُرسم بالاتفاقيات الورقية فحسب، بل بالمسيرات والخنادق التي ترسم ملامح نفوذ جديدة في قلب الشرق الأوسط.
في نهاية المطاف، يبدو أن جنوب لبنان قد دخل نفقاً مظلماً من "الحروب الذكية" التي لا تعترف بحدود الاتفاقات الورقية بقدر ما تعترف بحدود القدرة على الصمود الميداني. إن الهدنة الحالية، برغم هشاشتها، تمثل المختبر الأول لنمط صراع مستقبلي تعتمد فيه القوى الكبرى على المسيرات والمناطق العازلة كبديل عن الحروب الكلاسيكية المكلفة، وهو ما يضع لبنان أمام اختبار سيادي غير مسبوق؛ فإما أن تنجح الدبلوماسية الدولية في لجم الطموحات الجغرافية الإسرائيلية وإعادة تثبيت حدود القرار 1701، وإما أن يتحول الجنوب إلى "جرح مفتوح" يستنزف مقدرات الدولة اللبنانية لسنوات قادمة، في ظل خارطة طريق إقليمية تُكتب تفاصيلها بدماء المدنيين وحطام المسيرات فوق تلال الجليل وقرى الجنوب.
