السلفية الرقمية وجيل "z".. اختراق "الخوارزميات" وصناعة التطرف الناعم
الثلاثاء 12/مايو/2026 - 11:56 ص
طباعة
حسام الحداد
يمثل التحول البنيوي في الخطاب السلفي المعاصر إعادة صياغة شاملة للهوية الجمعية، حيث استبدل "المنبر الخشبي" بوسائل التواصل الرقمية مثل "الريلز" و"الثريدات"، محولاً الوعظ التقليدي إلى "نمط حياة" (Lifestyle) يستهدف الجيل "الزي" (Gen Z). لقد نجح "الإنفلونسر السلفي" في كسر الصورة النمطية للداعية المتجهم، ودمج الأيديولوجيا بتفاصيل العصر مثل ريادة الأعمال والرياضة والعلاقات، مما مكنه من تحقيق هيمنة ناعمة على الوعي اليومي للشباب.
تتجلى الخطورة الاستراتيجية لهذا الاختراق الرقمي في تأسيس "مجال عام موازٍ" يعزز "العزلة الشعورية" عن الدولة ومؤسساتها المدنية، حيث يتم تفتيت المرجعية الشرعية الصلبة لصالح "لقيمات معرفية" مبتسرة تغذي روح الاستعلاء الإيماني وتفتح الباب أمام تنامي "التطرف الناعم". هذا المسار لا يهدف إلى التحرر، بل يسعى لإتقان العيش داخل منظومة مغلقة تديرها "حارسات العقيدة" من خلف الشاشات، محولةً البيوت إلى خلايا عمل فكرية تضمن نقاء الهوية السلفية في مواجهة المجتمع، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً لبنية الدولة الوطنية وتآكلاً حقيقياً لنسيج المواطنة.
سلفية "اللايف ستايل":
لم يعد الخطاب السلفي المعاصر حبيس المنابر التقليدية أو المتون الفقهية المجلدة، بل شهد تحولاً جذرياً نحو الرقمنة ليواكب لغة الجيل "الزي" (Gen Z) واحتياجاته اليومية. استطاع "الداعية الرقمي" الجديد كسر الصورة النمطية للعالم المتجهم، مستبدلاً إياها بصورة "المؤثر" (Influencer) الذي يدمج الأيديولوجيا بتفاصيل الحياة العصرية. هذا الانتقال من الوعظ المباشر إلى "نمط الحياة" (Lifestyle) يمثل إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى الهيمنة على الوعي الجمعي للشباب عبر منصات "التيك توك" و"الريلز"، مما يجعل الفكر السلفي حاضراً في "الجيم"، وريادة الأعمال، وحتى في أدق تفاصيل العلاقات الإنسانية.
وفي ظل ثقافة السرعة الرقمية، تم تفتيت المرجعية الشرعية الصلبة لصالح "لقيمات معرفية" سريعة تُقدم عبر "الثريدات" والمقاطع القصيرة. هذا التحول أدى إلى استبدال الدراسة المتأنية للمتون الفقهية بنتائج نهائية "جاهزة" ومبتسرة، تُسقط السياقات التاريخية والمنهجية للاستنباط الشرعي. تكمن الخطورة هنا في خلق شعور زائف لدى المتابع بامتلاك "المعرفة المطلقة" والحقيقة الوحيدة، وهو ما يغذي روح الاستعلاء الإيماني ويفتح الباب أمام تنامي التطرف الفكري. إن هذا النمط من المعرفة المبتسرة يحول الدين إلى مجموعة من "التريندات" السلوكية، مما يسهل عملية غسل الأدمغة وتوجيه الكتل الشبابية نحو مسارات انغلاقية معادية للتعددية والمواطنة.
كما تجاوز هذا التيار الدور الدعوي ليؤسس "مجالاً عاماً موازياً" عبر مجموعات "تليجرام" و"فيسبوك"، حيث تُقدم حلولاً متكاملة لـ "البيزنس" والعلاج النفسي بصبغة سلفية خالصة. تعمل هذه المنصات كغرف علاج نفسي جمعي ترفض الأطر العلمية والمدنية، مستبدلة إياها بمرجعيات "الأمومة الروحية" و"الاستشارة الإلكترونية" التي تديرها الأخوات والداعيات. هذا التمكين الاقتصادي والنفسي المستتر يخلق حالة من "الاعتماد الكامل" على الشبكة السلفية، حيث تجد المرأة والشاب السلفي كل احتياجاتهم المادية والروحية داخل "الغيتو الرقمي". إن هذا الانفصال عن مؤسسات الدولة الرسمية واللجوء إلى اقتصاديات ومسارات نفسية موازية يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي والمجتمعي، حيث تتآكل الروابط المدنية لصالح ولاءات أيديولوجية ضيقة قادرة على تحويل "العزلة الشعورية" إلى حراك منظم في لحظات الاستقطاب.
تنامي التطرف تحت غطاء "الوكالة الرقمية"
تتجلى خطورة هذا التحول الرقمي في كونه لا يهدف إلى الانعتاق أو التحرر بمفهومه الحداثي، بل يسعى بشكل حثيث إلى ما يمكن تسميته "إتقان العيش داخل المنظومة المحافظة" عبر أدوات عصرية. تبرز هنا ظاهرة "السلفية النسوية الضمنية" كقوة ناعمة ومؤثرة تدير تفاصيل حياة آلاف الأسر من خلف الشاشات، حيث توظف النساء مفهوم "الوكالة" (Agency) ليس للتمرد على الإطار السلفي، بل لترسيخ قيم الانغلاق داخل المجتمع. هذا النوع من "التنظيم الصامت" يمنح المرأة السلفية نفوذاً غير مرئي، يجعلها حارس الحدود الحقيقي الذي يضمن نقاء الهوية الأيديولوجية في مواجهة رياح التحديث، مما يجعل تأثيرها أعمق وأخطر من الخطاب الذكوري التقليدي.
وتعمل هذه الشبكات النسائية الرقمية على تحويل البيت من مجرد حيز سكني إلى "خلية عمل فكرية" متكاملة تضمن استدامة التيار السلفي حتى في لحظات انكساره السياسي. فمن خلال منصات مثل "تليجرام" و"فيسبوك"، تمارس الداعيات والمشرفات دور "الخبير السوسيولوجي" الذي يضع بروتوكولات دقيقة للسلوك اليومي، بدءاً من تربية الأبناء وصولاً إلى إدارة العلاقات الزوجية بصبغة "شرعية" قاطعة. هذا الانغلاق المبرمج يؤدي إلى تفريغ الشحنات النفسية والاجتماعية داخل "الغيتو الرقمي"، مما يغني هؤلاء النساء عن الاندماج في المجال العام المشترك ويخلق حالة من "العزلة الشعورية" التي تآكل نسيج المواطنة.
وفي نهاية المطاف، يؤسس هذا النشاط لما يمكن وصفه بـ "التطرف الناعم" الذي يتغلغل في الوجدان الطفولي والأسري بعيداً عن الرقابة الأمنية أو المؤسسية التقليدية. إن خطورة "الأخوات" تكمن في قدرتهن على شرعنة التبعية وتجميل ممارسات الانغلاق تحت غطاء "الخصوصية الثقافية" والتمكين المعرفي. هذا النفوذ الممتد إلى "غرف النوم والمطابخ" يبني حصوناً فكرية منيعة ضد قيم التسامح والتعددية، مما يحول الشبكة النسائية السلفية إلى تنظيم عصي على التفكيك، يمتلك القدرة على توجيه كتل بشرية ضخمة بناءً على ولاءات أيديولوجية ضيقة، وهو ما يمثل تهديداً استراتيجياً طويل الأمد لهوية الدولة واستقرارها المجتمعي.
الأثر المجتمعي ومخاطر الأمن القومي
يتجاوز أثر التحول الرقمي في الخطاب السلفي مجرد كونه تطوراً في أدوات الدعوة، ليصل إلى كونه تهديداً وجودياً لبنية المجتمع والدولة الوطنية عبر مسارات معقدة وغير مرئية. إن انتقال الثقل التأثيري إلى الفضاءات الرقمية المغلقة، وبخاصة تلك التي تديرها "الأخوات"، يضعنا أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع الفكر المتطرف، حيث يتم استبدال الصدام الخشن بتغلغل ناعم داخل النسيج الأسري والاجتماعي. هذا التحول يؤدي إلى إعادة رسم خارطة الولاءات، بحيث تصبح الهوية الفرعية للتيار وقواعده "الرقمية" هي المرجع الأعلى للفرد، مما يهدد استقرار الدولة المدنية وهويتها الوسطية ويخلق جراحاً غائرة في نسيج المواطنة.
تآكل نسيج المواطنة
تساهم المنصات الإلكترونية السلفية في خلق ما يمكن وصفه بـ "الغيتوهات" (Ghetto) الافتراضية، وهي مساحات اجتماعية معزولة تعزز من حالة "العزلة الشعورية" عن المجتمع المدني وقوانينه. في هذه الأوساط، يتم ترسيخ مفاهيم "الولاء والبراء" بصيغة رقمية حديثة، حيث يصبح الولاء لقواعد "الجروب" والداعية المؤثر مقدماً على الولاء للدولة ومؤسساتها. هذا الانفصال التدريجي يؤدي إلى تشكل "مجتمع موازٍ" يمتلك منظومته القيمية الخاصة، ويرفض الاندماج في الفضاء العام المشترك، بل وينظر بـ "ارتياب" لكل ما هو خارج حدود هذا التيار. إن هذا الفرز المجتمعي يقوض السلم المجتمعي، ويجعل من فكرة "المواطنة" مجرد إطار قانوني فارغ من معناه، بينما تظل الروابط الحقيقية محصورة في "العصبية الأيديولوجية" داخل تلك الدوائر المغلقة.
تفريخ جيل "التطرف الناعم"
تمثل سيطرة "الأخوات" على عمليات التنشئة والتعليم المنزلي داخل الدوائر السلفية المسار الأكثر خطورة على الأمن القومي، حيث يتم تحويل الأسرة إلى محضن لتوليد أجيال تحمل رؤية أحادية ورفضاً مطلقاً للتعددية. إن هذا التأثير الممتد إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، من غرف النوم إلى قصص ما قبل النوم، يبني "حصوناً فكرية" غير مرئية في وجدان الأطفال ضد قيم التسامح والحداثة والمواطنة. ويعد هذا الخطاب أخطر بكثير من الخطاب الذكوري التقليدي الصادم؛ لكونه يتسم بالنعومة والاستدامة والقدرة على التغلغل العميق في الشخصية منذ الصغر. وبذلك، تصبح "الأم السلفية" هي حائط الصد المنيع ضد أي محاولات للدولة أو المؤسسات التنويرية لتحديث الخطاب الديني، مما يضمن بقاء الفكر المتطرف حياً ومتوارثاً عبر الأجيال.
الاقتصاد المستتر كصندوق أسود وثغرة أمنية
تعد الشبكات التكافلية والاقتصادية التي تديرها المجموعات السلفية النسائية بعيداً عن رقابة الدولة بمثابة "صندوق أسود" يمثل ثغرة أمنية واقتصادية هائلة. فهذه المجموعات تخلق دورة اقتصادية كاملة تعتمد على "الثقة الإيمانية"، وتدير أموالاً ضخمة تحت مسميات الصدقات والجمعيات والتجارة المنزلية المستترة. القدرة على "التمويل الذاتي" تمنح هذا التيار استقلالية مادية تعزز صموده في مواجهة أي تضييق سياسي، كما تمنح القائمات على هذه الشبكات سلطة "المنع والمنح" ونفوذاً هائلاً داخل المناطق الشعبية والريفية. وتكمن الخطورة الاستراتيجية في إمكانية تحويل هذه الكتل البشرية المرتبطة اقتصادياً بالتيار إلى أداة ضغط أو حشد في لحظات الاستقطاب السياسي، مما يجعله تنظيماً اقتصادياً-اجتماعياً موازياً يهدد سيادة الدولة على مواردها وتنظيمها المالي.
تقويض مكتسبات الدولة المدنية
يمارس التيار السلفي الرقمي ضغطاً اجتماعياً هائلاً (Peer Pressure) يهدف إلى إعادة صياغة هوية المجتمع المصري وفق رؤية متشددة، مستخدماً أدوات "الوصم" والترهيب الأخلاقي ضد النساء خارج التيار. يتم الهجوم على مفهوم حقوق المرأة والمساواة المدنية بدعوى الدفاع عن "الخصوصية الثقافية" والالتزام الشرعي، مما يسحب المجتمع إلى الوراء ويقوض المكتسبات الدستورية والقانونية التي حققتها الدولة. إن هذا الحراك يسعى لشرعنة التبعية وتجميل ممارسات مثل الزواج المبكر وتعدد الزوجات كـ "نمط حياة" مثالي، مما يخلق مناخاً اجتماعياً معادياً للتنوير، ويضع عوائق أمام جهود الدولة في تمكين المرأة ومشاركتها السياسية، محولاً المجتمع إلى بيئة حاضنة للفكر الانغلاقي الذي يرفض العقد الاجتماعي الحديث.
في النهاية يجب ان نعترف بأن "السلفية الرقمية" ليست مجرد "تريند" عابر، بل هي إعادة تموضع استراتيجي لضمان بقاء التيار في لحظات انكساره السياسي، وتكمن خطورتها في صمتها وتغلغلها الناعم في مفاصل الحياة اليومية، مما يجعل المواجهة الأمنية التقليدية وحدها غير كافية. يتطلب الأمر رؤية شاملة تعيد بناء الثقة في المجال العام المشترك، وتفكك هذه "الجزر المنعزلة" رقمياً ومعرفياً، قبل أن تتحول هذه "الديوانات الإلكترونية" إلى مراكز قيادة فعلية توجه دفة المجتمع بعيداً عن هوية الدولة الوسطية ومكتسباتها المدنية.
