خطر "الخلافة الأفريقية".. هل تتحول قارة أفريقيا إلى "أفغانستان جديدة" تهدد أمريكا؟

الخميس 14/مايو/2026 - 06:54 م
طباعة خطر الخلافة الأفريقية.. علي رجب
 
في قلب مدينة سرت الليبية، التي كانت يوما ما المعقل الأكثر رعبا لتنظيم "داعش" خارج حدود العراق وسوريا، رصدت عدسات الكاميرات مشهدا كان يبدو مستحيلا قبل سنوات قليلة قوات ليبية من فصائل كانت متناحرة بالأمس، تتدرب جنبا إلى جنب بإشراف أمريكي ودولي ضمن مناورات "فلينتلوك 2026".
 هذا المشهد ليس مجرد تدريب عسكري على إنقاذ الرهائن، بل هو تجسيد لنموذج الشراكة الذي تتبناه القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) وقدرته على تحويل الفراغات الأمنية إلى فرص للاستقرار.

نجاحات "سرت" مقابل انهيارات "الساحل"
بحسب تقرير حديث للمجلس الأطلسي الأمريكي، فإن التجربة الليبية في سرت تقدم "وصفة نجاح" نادرة في قارة تعاني من سيولة أمنية حادة. فبينما ينجح الدبلوماسيون والعسكريون الأمريكيون في توحيد صفوف الليبيين لمواجهة الإرهاب، تعيش منطقة الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر) واقعا مغايرا تماما.

منذ انسحاب القوات الفرنسية والغربية من مالي عام 2022، ملأت الجماعات المرتبطة بتنظيم "القاعدة" و"داعش" الفراغ، وباتت تهدد العواصم الأفريقية ومصادر الرزق. والرسالة هنا واضحة: عندما تتراجع الولايات المتحدة، لا يحل السلام، بل يحل الجهاديون والنفوذ الروسي والصيني.

لماذا أصبح الإرهاب الأفريقي "مشكلة أمريكية"؟
لم تعد الجماعات الإرهابية في أفريقيا مجرد تهديدات محلية، بل تحولت إلى مراكز عملياتية عابرة للحدود تساهم في تمويل وتنسيق الهجمات دوليا. 

ويشير التقرير إلى عدة نقاط تجعل من القارة الأفريقية أولوية للأمن القومي الأمريكي، في مقدمتها الملاذات الآمنة حيث تقترب الجماعات الإسلامية من إعادة إنشاء "نسخة أفريقية" من الخلافة، قد تعمل كحاضنة لهجمات ضد المصالح الأمريكية والغربية، على غرار أفغانستان ما قبل 11 سبتمبر.

كما يعد تنظيم "داعش" في الصومال من أنجح الفروع في توليد الإيرادات عبر الابتزاز والقرصنة، حيث يجمع ملايين الدولارات سنويا لتمويل فروع التنظيم عالميا.

أيضا يستغل "فيلق أفريقيا" الروسي (بديل فاغنر) حالة عدم الاستقرار لتوسيع نفوذ موسكو، بينما تسيطر الصين على مفاصل اقتصادية وحيوية في قارة تمتلك 30% من احتياطيات المعادن الحيوية في العالم.

المعادن الحيوية: الأمن كبوابة للاقتصاد
لا تقتصر الحاجة للالتزام الأمريكي على مكافحة الرصاص والبارود؛ فاستقرار أفريقيا هو مفتاح "الاستقلالية الاستراتيجية" لواشنطن، إن المعادن الحيوية اللازمة للصناعات الدفاعية والتكنولوجية المتطورة تقع في مناطق هشة أمنيا. 

وبدون بيئة آمنة، ستظل هذه الموارد تحت هيمنة جهات معادية أو في قبضة الفساد، مما يعطل مشاريع مثل "فولت" و"فورج" التي تهدف لتنويع سلاسل التوريد بعيدا عن الصين.

فجوة الموارد والحلول المطلوبة
على الرغم من سلامة استراتيجية "أفريكوم" القائمة على تمكين الشركاء، إلا أن التنفيذ يعاني من نقص مزمن في الموارد. 

ويطالب الخبراء بضرورة معالجة عدة ثغرات استراتيجية، في مقدمتها الاستخبارات والمراقبة (ISR) بعد خسارة القاعدة الجوية 201 في النيجر، تحتاج واشنطن لنشر أنظمة طائرات مسيرة طويلة المدى لسد فجوة المعلومات في منطقة الساحل.

والدبلوماسية رفيعة المستوى حيث لا يمكن ترك ملفات أفريقيا لكبار الموظفين فقط، بل يتطلب الأمر تدخلا على مستوى وزراء الدفاع والخارجية لاستعادة حقوق الوصول والتحليق.

وتعيين السفراء، فغياب السفراء المعتمدين في دول رئيسية يعيق المفاوضات بشأن قواعد القوات والتعاون الأمني والتجاري.

وقت الوضوح الاستراتيجي
يوقول التقرير إن ما يحدث في سرت اليوم يثبت أن الانخراط الأمريكي الصبور يمكن أن يحقق المعجزات، لكن استمرار تجاهل القارة أو التعامل معها كأولوية ثانوية سيؤدي إلى كارثة إرهابية قادمة لا محالة.

و يضيف يجب على الولايات المتحدة أن تدرك أن استثمار تريليون ونصف تريليون دولار في ميزانية الدفاع لعام 2027 يجب أن يخصص جزءا عادلا منه للقارة السمراء، ليس كمنحة، بل كدرع وقاية للوطن الأمريكي وسلاسل إمداده الحيوية.

لقد ولى زمن الحلول الجزئية؛ فأفريقيا اليوم هي الساحة الحقيقية لمنافسة القوى العظمى ومستنقع الإرهاب الذي قد يبتلع الجميع إذا لم يتم تجفيفه بالالتزام والقيادة.

شارك