صراع البحر الأحمر بين أمريكا والحوثيين.. هل استفادت إيران؟

السبت 16/مايو/2026 - 12:39 م
طباعة صراع البحر الأحمر فاطمة عبدالغني
 
بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وجماعة الحوثيين في 6 مايو 2025، لا تزال تداعيات المواجهة في البحر الأحمر حاضرة بقوة، سواء على مستوى أمن الملاحة الدولية أو في حسابات القوى الإقليمية وعلى رأسها إيران.
وفي تقرير تحليلي نشره مركز ستيمسون، اعتبر المركز أن التدخل الأمريكي ضد الحوثيين لم يحقق أهدافه المعلنة بالكامل، بل انتهى إلى تفاهم محدود قلص سقف المطالب الأمريكية ومنح الحوثيين مساحة لتقديم أنفسهم باعتبارهم صامدين أمام واشنطن.

أهداف أمريكية تقلصت مع نهاية العملية

بدأت العملية الأمريكية المسماة "الفارس الخشن" بهدف استعادة حرية الملاحة في البحر الأحمر وإنهاء هجمات الحوثيين على السفن التجارية، لكن مع انتهاء العملية انحصر الالتزام العملي في وقف استهداف السفن الأمريكية فقط، بينما بقيت بقية حركة الملاحة عرضة لتهديدات الحوثيين.
وبحسب التقرير، يعكس هذا التحول نمطا متكررًا في التدخلات الأمريكية، حيث تبدأ واشنطن بأهداف واسعة ثم تنتهي بتفاهمات محدودة أقل من سقفها الأولي، كما حدث في ملفات إقليمية أخرى.
وقد ظهر ذلك بوضوح عندما لم تتحرك واشنطن بعد استهداف الحوثيين سفنًا تجارية غير أمريكية في يوليو 2025، ما عزز الانطباع بأن المهمة تحولت من حماية الملاحة الدولية إلى حماية المصالح الأمريكية المباشرة فقط.

الحوثيون يستثمرون الهدنة سياسيًا وإعلاميًا

استغل الحوثيون اتفاق وقف إطلاق النار لتعزيز خطابهم السياسي والإعلامي، حيث قدموا الهدنة باعتبارها دليلًا على فشل الولايات المتحدة في كسر الجماعة عسكريًا.
واحتفت وسائل الإعلام التابعة لما يسمى "محور المقاومة" بهذه النتيجة، واعتبرت أن الحوثيين نجحوا في فرض معادلة جديدة في البحر الأحمر، بينما روجت الجماعة لرواية مفادها أن واشنطن اضطرت إلى التراجع بعد فشل الضغوط العسكرية.
ويرى التقرير أن هذه الصورة منحت الحوثيين مكاسب معنوية، رغم الخسائر التي تكبدوها نتيجة الضربات العسكرية والعقوبات اللاحقة.

تراجع الحوثيين عسكريًا دون تغيير سياسي

ورغم الخطاب الإعلامي المنتصر، يشير مركز ستيمسون إلى أن الحوثيين تعرضوا لضغوط متزايدة خلال 2025 و2026، بفعل الغارات الإسرائيلية على مواقع حيوية مثل الحديدة ورأس عيسى، إلى جانب تشديد العقوبات التي أعاقت وصول المواد المستخدمة في تطوير الأسلحة.
لكن هذا التراجع العملياتي لم يتحول إلى تغيير سياسي أو عسكري على الأرض، بسبب انقسام الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وضعف التنسيق داخل التحالف المناهض للحوثيين.
كما اعتبر التقرير أن التدخل الأمريكي ثم الانسحاب السريع بعث برسالة واضحة مفادها أن واشنطن غير مستعدة للانخراط في معالجة جذور الصراع اليمني، ما عزز فعليًا بقاء الوضع القائم.

إيران تراقب وتختبر النموذج نفسه في هرمز

يرى التقرير أن إيران تتابع تجربة البحر الأحمر باعتبارها نموذجًا يمكن الاستفادة منه في مضيق هرمز، فطهران رغم تعرضها لضربات قاسية استهدفت بنية تحتية ومواقع مرتبطة ببرنامجها النووي وقيادات بارزة، واصلت فرض ضغوطها على الملاحة في المضيق.
ووفق التقرير، تستخدم إيران أدوات متعددة لفرض نفوذها، من بينها الضغط الانتقائي على حركة العبور وفرض رسوم مرور، في إطار استراتيجية تهدف إلى إدارة المضيق كورقة ضغط جيوسياسية.
كما يلفت التقرير إلى أن لغة التفاوض الأمريكية بشأن هرمز بدأت تشهد تحولًا تدريجيًا، من أهداف كبرى مرتبطة بالملف النووي إلى التركيز على إعادة فتح المضيق، في مشهد يراه المركز مشابهًا لما حدث في البحر الأحمر.

التدخلات المحدودة قد تعزز الأنظمة المستهدفة

من أبرز النتائج التي خلص إليها التقرير أن التدخلات العسكرية المحدودة، عندما لا ترتبط بمسار سياسي واضح قد تنتهي إلى نتائج عكسية، إذ تمنح الأنظمة أو الجماعات المستهدفة فرصة لإعادة ترتيب صفوفها وتعزيز قبضتها الداخلية.
وفي الحالة اليمنية، يشير التقرير إلى أن الحوثيين بعد الهدنة كثفوا حملات القمع الداخلي، واستهدفوا المعارضين ووسعوا دائرة الاتهامات بالتجسس والعمالة، ما عزز قبضتهم الأمنية بدل إضعافها.
ويحذر التقرير من أن السيناريو نفسه قد يتكرر في إيران إذا انتهت الضغوط الحالية إلى تفاهم محدود دون معالجة أعمق لبنية النظام وأدوات نفوذه الإقليمية.
ويرى المراقبون أن تجربة البحر الأحمر كشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية في التعامل مع جماعات أو أنظمة تعتمد على بنية أيديولوجية وتنظيمية مرنة، قادرة على امتصاص الضربات وإعادة التموضع سريعًا.
كما يشيرون إلى أن غياب رؤية سياسية شاملة في اليمن، والاكتفاء بعمليات عسكرية قصيرة الأجل، منح الحوثيين فرصة لتعزيز موقعهم الداخلي والإقليمي. 
وبالنسبة لإيران، فإن قراءة هذه التجربة قد تدفعها إلى تبني سياسة استنزاف طويلة المدى، تراهن فيها على تراجع الإرادة السياسية الأمريكية قبل استنزاف قدراتها المؤسسية، ما يجعل مضيق هرمز مرشحًا لتكرار كثير من تعقيدات البحر الأحمر.

شارك