اعتراف الكنيسة بقداسة مطران الخرطوم يفتح ملف الأقباط في السودان

الإثنين 25/مايو/2026 - 10:53 ص
طباعة اعتراف الكنيسة بقداسة روبيرالفارس
 
 

بعد اعتراف المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية رسميًا بقداسته  عاد اسم الأنبا صرابامون ليتصدر المشهد الكنسي والروحي، باعتباره واحدًا من أبرز الشخصيات التي صنعت تاريخ الكنيسة القبطية في السودان، وترك نموذجًا فريدًا للأسقف الراعي الزاهد والخادم الوطني الذي عاش للفقراء والبسطاء، حتى صار في ذاكرة الشعب “أبًا للسودانيين والمصريين معًا”.

وقد أعلن المجمع المقدس برئاسة البابا تواضروس الثاني الاعتراف الرسمي بقداسته خلال الجلسة السنوية للمجمع يوم 22 مايو 2026، تقديرًا لسيرته الروحية العطرة وخدمته التاريخية في السودان. 
ولد الأنبا صرابامون باسم “يوحنا” يوم 7 يناير 1860 بمدينة إسنا، ونشأ في أسرة بسيطة محبة للكنيسة. ومنذ طفولته ظهرت عليه ميول روحية واضحة، إذ اتجه إلى حياة العبادة والزهد مبكرًا، قبل أن يلتحق بدير دير الأنبا أنطونيوس حيث ترهب باسم “الراهب صرابامون”. وهناك عُرف بالتقشف والصلاة وخدمة الرهبان والفقراء. 

وفي مطلع القرن العشرين، اختارته الكنيسة للخدمة في السودان، في مرحلة كانت فيها الجالية القبطية تشهد نموًا ملحوظًا مع توافد المصريين إلى السودان عقب إعادة تنظيم الإدارة المصرية ـ البريطانية هناك. ورُسم أسقفًا ثم مطرانًا على الخرطوم وأم درمان والسودان، ليبدأ رحلة رعوية استثنائية امتدت لعقود.

ولم تكن خدمة الأنبا صرابامون مقتصرة على الجانب الكنسي فقط، بل امتدت إلى التعليم والعمل الاجتماعي والرعاية الإنسانية. فقد أسس الكنائس والمدارس، واهتم بتعليم أبناء الجالية القبطية والسودانيين، وفتح أبواب الكنيسة للفقراء والمحتاجين دون تفرقة دينية أو عرقية، حتى اكتسب احترام المجتمع السوداني كله. كما عُرف بعلاقاته الطيبة مع القيادات الوطنية والدينية في السودان، وكان مثالًا لرجل الدين الوطني الحكيم. 
وعاش الأنبا صرابامون حياة شديدة البساطة، إذ كان يرفض المظاهر ويعيش بروح الرهبنة رغم مكانته الكنسية الكبيرة. وقد ارتبط اسمه بأعمال الرحمة ومساعدة المحتاجين، حتى إن كثيرين تداولوا قصصًا عن محبته للفقراء واهتمامه الشخصي بالبسطاء والمرضى. ولهذا ظل حضوره حيًا في الوجدان القبطي والسوداني حتى بعد نياحته عام 1935. 
ويكتسب الاعتراف بقداسته أهمية خاصة لأنه يعيد تسليط الضوء على تاريخ الأقباط في السودان
تاريخ حي 
،يرجع الوجود القبطي في السودان إلى قرون مبكرة جدًا من التاريخ المسيحي، إذ ترتبط الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالسودان بروابط دينية وحضارية تعود إلى القرن الرابع الميلادي، عندما بدأت المسيحية تنتشر في بلاد النوبة الواقعة شمال السودان الحالي. وقد لعبت كنيسة الإسكندرية دورًا محوريًا في نشر المسيحية بين النوبيين، عبر إرسال الأساقفة والكهنة والرهبان إلى تلك المناطق. 

وفي القرن السادس الميلادي أصبحت المسيحية الدين الرسمي للممالك النوبية الثلاث الكبرى: نوباتيا والمقرة وعلوة، وكانت هذه الممالك على صلة وثيقة ببطريركية الإسكندرية، حتى إن مطارنة النوبة كانوا يُرسمون غالبًا بواسطة بابا الإسكندرية. وقد تأثرت الكنائس النوبية بالطقوس القبطية واللغة القبطية والفنون الكنسية المصرية، وظهرت في السودان آثار لكنائس وأديرة ونقوش مسيحية تؤكد عمق هذا الارتباط التاريخي.

وبعد  تراجع الممالك المسيحية تدريجيًا بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، لم تنقطع الصلات بين الأقباط والسودان، بل استمرت بصورة متفرقة من خلال التجارة والهجرة والعلاقات الثقافية. إلا أن الوجود القبطي الحديث في السودان بدأ يتشكل بصورة أوضح خلال القرن التاسع عشر، خاصة بعد الحكم التركي المصري للسودان سنة 1821، حين انتقلت مجموعات من الأقباط المصريين للعمل في الإدارة والتجارة والحرف المختلفة. 
وقد ازداد عدد الأقباط في السودان بصورة ملحوظة بعد القضاء على الدولة المهدية وقيام الحكم الثنائي المصري البريطاني سنة 1898، إذ شهدت الخرطوم وأم درمان وعطبرة ومدني وبورتسودان هجرات قبطية واسعة من صعيد مصر، خاصة من محافظات قنا وأسيوط وسوهاج. وتشير بعض الدراسات إلى أن أولى الهجرات المنظمة إلى مدينة شندي جاءت من منطقة نقادة بقنا حوالي عام 1880 للعمل في التجارة وصناعة النسيج. 
وخلال تلك المرحلة، لعب الأقباط دورًا مهمًا في بناء مؤسسات السودان الحديثة، وأسهموا في مجالات التعليم والتجارة والإدارة والطباعة والمحاسبة. كما أسسوا أول مدرسة أهلية للبنات في السودان سنة 1902، وأنشأوا المكتبة القبطية في الخرطوم عام 1908، والتي أصبحت مركزًا ثقافيًا بارزًا يضم الكتب والمخطوطات وتقام فيه الندوات والأنشطة الثقافية. 

أما كنسيًا، فقد شهدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في السودان نهضة كبيرة مع إرسال الأنبا صرابامون مطرانًا على السودان في بدايات القرن العشرين، حيث أعاد تنظيم الخدمة الكنسية، وأنشأ الكنائس والمدارس والجمعيات القبطية، حتى أصبح يُنظر إليه باعتباره المؤسس الحقيقي للنهضة القبطية الحديثة في السودان. ثم تطورت الخدمة لاحقًا إلى عدة إيبارشيات، من أبرزها إيبارشية الخرطوم والجنوب، وإيبارشية أم درمان والشمال.

كما شارك الأقباط في الحياة الوطنية والسياسية السودانية، وبرزت شخصيات قبطية في البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة، وظل الأقباط يُعرفون في السودان بنشاطهم الاقتصادي والثقافي وعلاقاتهم المتوازنة مع المجتمع السوداني بمختلف مكوناته. وتشير تقارير ودراسات حديثة إلى أن الأقباط ظلوا أكبر طائفة مسيحية في السودان حتى العقود الأخيرة، رغم الهجرات الكبيرة التي تعرضوا لها بسبب الأزمات السياسية والحروب. 

وتتميز تجربة الأقباط في السودان بأنها قامت في أغلب مراحلها على التعايش والاندماج المجتمعي، إذ حافظوا على هويتهم الدينية والكنسية، وفي الوقت نفسه أصبحوا جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني السوداني، وأسهموا في الحياة الاقتصادية والثقافية والتعليمية للبلاد عبر أكثر من قرن ونصف.

شارك