من "جيش المهدي" إلى "سرايا السلام".. الصدر يطوي صفحة العسكرة

الأربعاء 27/مايو/2026 - 01:38 م
طباعة من جيش المهدي إلى علي رجب
 
في خطوة وصفت بأنها التحول الأكثر دراماتيكية في خارطة القوى المسلحة في العراق منذ سنوات، أعلن زعيم التيار الشيعي الوطني، مقتدى الصدر، اليوم الأربعاء، قرارا استراتيجيا بفك الارتباط التنظيمي الكامل لـ "سرايا السلام" الجناح العسكري للتيار، عن التنظيم السياسي للتيار الصدري. 
وجاء هذا الإعلان في بيان رسمي أكد فيه الصدر أن القرار يأتي "انطلاقا من المصلحة العامة وتحاشيا للمخاطر المحدقة بالوطن"، موجها بدمج كافة التشكيلات والألوية التابعة للسرايا في مؤسسات الدولة العسكرية الرسمية، لتصبح تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة.

هيكلة جديدة وتفكيك المظاهر المسلحة
لم يتوقف بيان الصدر عند فك الارتباط التنظيمي، بل أتبعه بخارطة طريق واضحة لتفكيك البنية "شبه العسكرية" للسرايا؛ حيث أمر بتحويل كافة الجهات المدنية والخدمية التي كانت ملحقة بالسرايا إلى مشروع "البنيان المرصوص" الخدمي التابع للتيار.
 كما شدد على ضرورة "تجريد" المنتمين السابقين من أي مظاهر مسلحة، بما في ذلك إغلاق المقرات الرسمية للسرايا في المحافظات، ومنع استخدام السلاح أو الزي العسكري أو العناوين والشعارات المرتبطة بالسرايا في أي نشاط مدني أو سياسي.

وتأتي هذه التوجيهات لتضع حدا لنظام "الازدواجية" الذي اتسمت به علاقة السرايا بالدولة؛ حيث ظلت لسنوات تشكل ألوية ضمن الحشد الشعبي (الألوية 313، 314، 315) وتخضع قانونيا لهيكلية هيئة الحشد، بينما كانت واقعيا تتلقى أوامرها وتوجيهاتها الميدانية والسياسية مباشرة من مكتب السيد مقتدى الصدر.

جدلية الولاء: من "جيش المهدي" إلى "سرايا السلام"
تعيد هذه الخطوة للأذهان المسيرة الطويلة والمعقدة للتشكيلات العسكرية التابعة للصدر، التي بدأت مع "جيش المهدي" عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وتشير تقارير بحثية صادرة عن معاهد مرموقة مثل "معهد كارنيجي" وجامعة "ستانفورد"، إلى أن تاريخ هذه التشكيلات كان دوما موضع جدل إقليمي ودولي. 
وبعد سنوات من النزاع الطائفي (2006-2007) التي تلوثت فيها سمعة "جيش المهدي" باتهامات حول الانخراط في فرق الموت والعنف الطائفي، جاء تأسيس "سرايا السلام" في يونيو 2014 كإعادة إحياء وتغيير في الهوية والوظيفة.

تأسست "سرايا السلام"
تأسست "سرايا السلام" حينها بتنسيق مع الحكومة العراقية عقب اجتياح تنظيم "داعش" لمساحات واسعة من العراق، وبرر الصدر تأسيسها بـ"حماية المقدسات"، مؤكدا آنذاك: "مهمتنا هي الدفاع عن المقدسات فقط لا عن حزب أو جهة أو حكومة".
 ورغم هذا التوصيف الدفاعي، انخرطت السرايا في معارك كبرى لتحرير سامراء وتكريت والموصل.
 ومع ذلك، بقيت الولاءات داخل السرايا موضوعا خلافيا، حيث أطلق الصدر على مدار العقد الماضي عشرات الأوامر الفردية التي كانت تجعل السرايا تتصرف خارج إطار الأوامر العسكرية الرسمية للقائد العام للقوات المسلحة؛ كأوامر الهيكلة في 2018، وتأمين "طريق الموت"، وحتى التهديد بفتح باب التطوع لتحرير القدس عام 2017.

رسالة إلى "الحشد الشعبي" وحصر السلاح
تجاوز بيان الصدر الأربعاء نطاق تياره الخاص، ليوجه رسالة سياسية شديدة اللهجة إلى كافة فصائل "الحشد الشعبي" الأخرى، فقد جدد الصدر دعوته بضرورة الانفصال عن الأوامر "الحزبية والطائفية"، مطالبا هذه الفصائل بتسليم سلاحها إلى الدولة. 
وتعد هذه الدعوة امتدادا لنصيحة كان الصدر قد قدمها منذ سنوات، لكن توقيتها الآن – في ظل ظروف إقليمية حساسة – يعطيها دلالة سيادية قوية، حيث يهدف الصدر من خلالها إلى "تقوية المؤسسات العسكرية الرسمية" وحصر السلاح بيد القانون بشكل فعلي وليس نظري.

وينظر إلى هذا التحرك على أنه محاولة من الصدر لترسيخ مفهوم "التيار الشيعي الوطني"، وهو المسار الذي يحاول الصدر من خلاله تحويل تياره من حركة ذات جناح عسكري مؤثر إلى قوة سياسية واجتماعية مدنية، تبتعد عن التخندقات الطائفية وتندمج في مشروع الدولة العراقية المركزية.

هل يطوى الملف العسكري نهائيا؟
على الرغم من ترحيب أوساط سياسية حكومية بهذه الخطوة، يطرح مراقبون تساؤلات حول مدى "التزام" القواعد الشعبية والقيادات الميدانية للسرايا بهذا القرار، خاصة وأن العلاقة بين الصدر وأنصاره في السرايا كانت قائمة لعقود على "الولاء المطلق" الذي يتجاوز الأطر القانونية للدولة.

تاريخيا، شهد عام 2008 لحظة مفصلية مشابهة، حين أمر الصدر بتجميد "جيش المهدي" بعد معارك طاحنة مع القوات الحكومية في البصرة، وهو القرار الذي أدى لانقسام التشكيل إلى "مجموعات خاصة" مارست العمل العسكري بشكل مستقل. 
ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي لقرار الصدر اليوم يكمن في مدى قدرته على "ضبط" السلاح الذي كان يأتمر بأمره، ومنعه من الانتقال إلى ولاءات بديلة أو الانخراط في صراعات خارج إطار الدولة، خاصة مع وجود كيانات عسكرية أخرى لا تزال تتمسك بخطابها المسلح وتعتبر قرار الصدر "تكتيكا سياسيا" وليس "استراتيجية نزع سلاح".

ختاما، يعكس بيان الصدر إدراكا متزايدا لدى القيادة الصدرية بأن "الشرعية العسكرية" لم تعد كافية للبقاء في المشهد العراقي، وأن "الشرعية السياسية" المستمدة من تقوية مؤسسات الدولة هي الرهان الوحيد للمستقبل.
 وبشكر الصدر لأفراد سراياه ودعوتهم للالتزام بالضوابط الجديدة، فإنه يحاول إغلاق فصل عسكري طويل من تاريخ التيار، والانتقال إلى فصل جديد يضع "سرايا السلام" في متحف التاريخ، ويضع السلاح في مخازن الدولة العراقية، تاركا وراءه تساؤلات مفتوحة حول مدى استجابة "الحشد الشعبي" ككل لهذا المسار التصحيحي الذي قد يعيد تعريف شكل الدولة العراقية في المرحلة القادمة.

شارك