من دمشق إلى باماكو.. كيف ألهم نموذج هيئة تحرير الشام جهاديي الساحل الأفريقي
الأحد 31/مايو/2026 - 10:02 ص
طباعة
حسام الحداد
في ديسمبر 2024، سقطت دمشق في يد مجموعة مسلحة كان يُصنّفها المجتمع الدولي رسمياً منظمةً إرهابية. بيد أن هيئة تحرير الشام، التي قادت الهجوم الخاطف على عاصمة الأسد، لم تكتفِ بانتزاع السلطة، بل سلكت مساراً غير مسبوق: التحول من جماعة جهادية مُلاحَقة إلى شريك أمني دولي معترف به، في أقل من اثني عشر شهراً. واليوم، على بُعد آلاف الكيلومترات غرباً، تُمسك جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة بخناق عاصمة مالي، وتُدير مؤسسات حوكمة موازية في شمال البلاد، وترسم خطاً استراتيجياً يكاد يُطابق ما سلكته هيئة تحرير الشام في سوريا. فهل يصدّر الشرق الأوسط نموذجاً جديداً للسيطرة الجهادية؟
هيئة تحرير الشام — انقلاب في منطق مكافحة الإرهاب
على مدى عقد ونيف، ظلّت هيئة تحرير الشام — التي تأسست بوصفها الفرع السوري لتنظيم القاعدة قبل أن تُعلن انفصالها عنه عام 2016 — في مواجهة دولية مفتوحة. فرضت عليها واشنطن عقوبات، وأدرجتها الأمم المتحدة على لوائح الإرهاب، وتداولت حكومات غربية ملفات اغتيال قياداتها. ثم جاء ديسمبر 2024 ليُقلب المشهد رأساً على عقب.
بعد سيطرة الهيئة على دمشق وإسقاط نظام الأسد، دخل قادتها — وعلى رأسهم أبو محمد الجولاني الذي بات يُقدّم نفسه باسم أحمد الشرع — في مفاوضات مكثفة مع الديبلوماسيين الغربيين. وفي يوليو 2025، أقدمت واشنطن على خطوة استثنائية: رفع الهيئة رسمياً عن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، مبررةً ذلك بـ"واقعيات الميدان". وفي أعقاب ذلك مباشرة، تبعتها المملكة المتحدة في أكتوبر 2025، فكندا في ديسمبر من العام ذاته، وختم مجلس الأمن الدولي المسار في فبراير 2026 بشطب الهيئة عن لوائحه. وانضمت سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة داعش عضواً تسعينَ.
"خلال عام واحد، انتقلت هيئة تحرير الشام من منظمة إرهابية مطاردة إلى شريك أمني دولي — في واحدة من أسرع عمليات إعادة التأهيل السياسي في تاريخ مكافحة الإرهاب المعاصر."
غير أن هذا التحوّل لم يمرّ من دون ثمن ولا جدل. كشف تقرير تحليلي صادر عن The Syrian Observer أن الفترة الأولى من تعاون الإدارة الانتقالية مع التحالف الدولي شهدت أزمتين حادتين: الأولى في أواخر 2025، حين فتح أحد عناصر قوات الإدارة الانتقالية النار على وفد دبلوماسي للتحالف، ما أسفر عن مقتل عدد من الجنود الأمريكيين. وقدّمت السلطات الأمر باعتباره عملاً فردياً من متعاطف مع داعش — وهو تفسير قبله التحالف واصل بموجبه تعاونه. أما الأزمة الثانية فكانت في مطلع 2026، إذ تمكّن آلاف المعتقلين المنتمين إلى داعش من الفرار في خضمّ اشتباكات داخلية، ما أثار تساؤلات جدية حول متانة الضبط الأمني.
وعلى الصعيد المؤسسي، ألغت الإدارة الانتقالية محكمة مكافحة الإرهاب، وأحالت قضاياها إلى المحاكم الجنائية العادية التي لا تتضمن قانوناً مستقلاً للإرهاب في ظل قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949. ويقرأ المنتقدون هذه الخطوة بوصفها مسعىً لتطبيع أشكال العنف التي ارتبطت تاريخياً بالهيئة، فيما يصفها مؤيدوها بأنها إصلاح قانوني مشروع لمرحلة انتقالية. في كل الأحوال، يُشغل عناصر الهيئة المخضرمون اليوم مناصب قضائية وعسكرية وأمنية رفيعة في الدولة الجديدة، مما يُضبّب الخطّ الفاصل بين الماضي الجهادي والحاضر الحكومي.
مالي — عندما يُصدّر الشرق الأوسط نموذجه
على بُعد ما يزيد على خمسة آلاف كيلومتر غرب دمشق، تشهد مالي مشهداً يستدعي المقارنة. جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) — الذراع الأفريقي لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل — تُصعّد عملياتها بأسلوب يُثير قلقاً بالغاً في أوساط مراكز الأبحاث الغربية.
في 25 أبريل 2026، شنّت الجماعة ما وصفه المحللون بأنه أضخم هجوم منسق في تاريخ مالي منذ 2012، مستهدفةً قواعد عسكرية متفرقة في أنحاء البلاد، وضاربةً في محيط العاصمة باماكو، ومستولية على بلدات استراتيجية في الشمال. وقبل ذلك، كانت الجماعة قد فرضت منذ سبتمبر 2025 حصاراً على طرق الإمداد الرئيسية التي تربط باماكو بالدول المجاورة، مستهدفةً واردات الوقود والغذاء في ضربة مدروسة للشريان الاقتصادي للعاصمة.
"ما نشهده في مالي ليس مجرد صراع محلي — بل هو محاولة لتعميم نموذج انهيار الدولة الذي شهده العالم في ديسمبر 2024."
ما يلفت النظر ليس حجم العمليات العسكرية وحده، بل نمط الحوكمة الموازية الذي تبنيه الجماعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. فوفق تقارير ميدانية نقلتها منصة Ujasusi للتحليل الأمني، تُدير نصرة الإسلام مؤسسات شبه-حكومية تُعنى بالفصل في النزاعات على الأراضي والمياه بين المزارعين المستقرين والرحّل، ومعالجة ملفات الجريمة المحلية. والمثير للاهتمام أن تقارير ميدانية تُشير إلى أن الجماعة خففت بعض اشتراطاتها الأيديولوجية الصارمة استجابةً لضغوط المجتمعات المحلية، بما في ذلك التسهيل على الأقليات المسيحية — وهو انعطاف تكتيكي نحو براغماتية الحوكمة.
يستحضر هذا النهج نقاشاً أكاديمياً جرى الاطلاع عليه في السياق السوري: فهيئة تحرير الشام ذاتها قضت سنوات طويلة في إدلب تبني مؤسسات الحوكمة المحلية، وتُقدّم الخدمات، وتُرسّخ شرعية الأمر الواقع، قبل أن تنطلق نحو دمشق. وفق تحليل أصدره معهد هدسون الأمريكي، كلا الجماعتين سلكتا مسار "الفاعل البديل": تحديد إخفاقات الدولة، وملء فراغها، وبناء ولاء المجتمعات المحلية كمقدمة للتمدد العسكري أو السياسي.
سؤال الاستراتيجية — هل يمكن احتواء "التعدية الجهادية"؟
بما أن هيئة تحرير الشام نجحت في الانتقال من التصنيف الإرهابي إلى الشراكة الأمنية، فإن السؤال الذي يؤرق مراكز الأبحاث الأمريكية والأوروبية اليوم هو: هل يُشكّل هذا النموذج مساراً قابلاً للتعميم؟ وهل يعتقد قادة نصرة الإسلام ذلك فعلاً؟
المعطيات المتاحة تدعو إلى التحفظ. قائد نصرة الإسلام يحيى أبو الهمام أعلن في مقابلات عدة أن الجماعة لا تسعى لتكرار حرفي للمسار السوري، مستحضراً اختلاف السياقين. بيد أن المحللين في مركز ستيمسون وهدسون يلفتون إلى أن الجماعة تستلهم من HTS الاستراتيجية الكبرى لا التفاصيل التكتيكية: ضبط الخطاب العلني، والتمييز بين العنف الانتقائي ضد الدولة والعنف العشوائي ضد المدنيين، وبناء شبكات من الشرعية المحلية. والأهم من ذلك، وجّهت نصرة الإسلام في اليوم الثاني من هجماتها بياناً صريحاً للقوات الروسية المتمركزة في مالي، دعتها فيه إلى التزام الحياد، واعدةً بعدم استهدافها — في انعكاس واضح للمنطق الدبلوماسي الذي انتهجته هيئة تحرير الشام تجاه القوى الإقليمية.
في المقابل، يرى المسؤولون الأمريكيون أن الظرف الأفريقي أقل قابلية للمحاكاة: فمالي لا تمتلك المعارضة المدنية المنظمة التي وفرت لـHTS غطاءً سياسياً في سوريا، والجيوش الأفريقية ليست في حالة الإنهاك الذي كانت عليه قوات الأسد، فضلاً عن أن نصرة الإسلام لا تزال مُدرجة صراحةً على لوائح الإرهاب الأمريكية وصنفتها إدارة AFRICOM تهديداً مباشراً للوطن الأمريكي.
معضلة التصنيف في عالم ما بعد النموذج التقليدي
ما تكشفه القراءة المتأنية لمسارَي هيئة تحرير الشام في سوريا ونصرة الإسلام في مالي هو أن المنظومة الدولية لمكافحة الإرهاب تواجه معضلة مفاهيمية حقيقية: التصنيفات القانونية للإرهاب وُضعت لمواجهة فاعلين من غير الدول يستهدفون مدنيين دون امتلاك طموح حكومي. أما حين تُطوّر جماعة مسلحة قدراتٍ على الحوكمة، وتحجب العنف العشوائي، وتبني شرعية محلية، وتُقدّم نفسها بديلاً للدولة الفاشلة — فإن أدوات التصنيف التقليدية تبدأ في الترنح.
يُلخّص هذا الواقع محللون في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بالقول إن "هجوم الحوكمة" يفرض على صانعي السياسات الغربيين خياراً مُزعجاً: بين التعامل مع جماعات تجمع بين الجهاد والإدارة — على غرار ما جرى مع HTS — أو الإصرار على العزل حتى تنضج ظروف الاحتواء، على غرار المقاربة الأفريقية الراهنة. كلا الخيارين ينطوي على مخاطر، وكلاهما يُقرّ ضمنياً بأن خريطة الإسلام السياسي المسلح باتت أكثر تعقيداً مما تستوعبه لوائح الإرهاب الدولية.
