دلالات دعوة بطريرك الكلدان الجديد بالعراق لزيارة طهران
الإثنين 01/يونيو/2026 - 10:37 ص
طباعة
روبيرالفارس
يمكن قراءة دعوة السفير الإيراني لدى العراق محمد كاظم آل صادق للبطريرك بولس الثالث نونا بطريرك الكلدان الجديد في العراق لزيارة إيران باعتبارها أكثر من مجرد خطوة بروتوكولية أو تهنئة بتنصيبه بطريركًا جديدًا للكنيسة الكلدانية، بل تأتي في سياق سياسي وإقليمي شديد الحساسية تسعى فيه طهران إلى إبراز صورة «التعايش الديني» داخل الجمهورية الإسلامية في مواجهة الانتقادات الغربية والدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات الدينية.
فخلال اللقاء الذي عقد في مقر البطريركية الكلدانية ببغداد، لم تقتصر الرسائل الإيرانية على التهنئة، بل حرص السفير على الربط بين «الأمن والاستقرار» في المنطقة وبين ما وصفه بجهود «محور المقاومة» وتضحيات قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، كما جدد التأكيد على دعم إيران للمكوّن الكلداني ودعاه رسميًا لزيارة إيران واللقاء بالمسيحيين هناك.
وتحمل هذه الدعوة دلالات متعددة، أبرزها محاولة النظام الإيراني توظيف الحضور المسيحي التاريخي في إيران كأداة قوة ناعمة في معركته الإعلامية والدبلوماسية. فطهران تسعى باستمرار إلى تقديم نموذج يبرز وجود كنائس وممثلين للمسيحيين في البرلمان الإيراني، وتستخدم ذلك للرد على الاتهامات المتعلقة بقمع الحريات الدينية والسياسية. وخلال اللقاء نفسه، شدد ممثل الآشوريين والكلدان في البرلمان الإيراني على ما وصفه بـ«الوضع المواتي» للأقليات الدينية وتمثيلها الرسمي داخل مؤسسات الدولة، وهي رسالة تبدو موجهة بالدرجة الأولى إلى الخارج أكثر من الداخل.
كما تأتي الدعوة في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا متزايدة بسبب ملفات حقوق الإنسان، والاعتقالات السياسية، والإعدامات، فضلاً عن التوترات الإقليمية المستمرة. ولذلك فإن إظهار علاقات ودية مع شخصيات كنسية بارزة في العراق والشرق الأوسط يمنح النظام الإيراني فرصة لتسويق صورة مختلفة عن نفسه باعتباره راعيًا للتعددية الدينية وحاميًا للأقليات المسيحية في المنطقة.
ومن الناحية الإقليمية، تدرك طهران أن الكنيسة الكلدانية تمثل أحد أبرز المكونات المسيحية في العراق، وأن البطريرك الجديد يحظى بحضور كنسي ودولي واسع. لذلك فإن استقباله في إيران أو بناء علاقة وثيقة معه يمكن أن يمنح الدبلوماسية الإيرانية نافذة إضافية للتواصل مع المؤسسات الكنسية الشرقية والغربية، خصوصًا في ظل سعي إيران إلى كسر عزلتها السياسية وتحسين صورتها الدولية.
لكن في المقابل، يرى منتقدو النظام الإيراني أن هذا الخطاب الرسمي حول حماية الأقليات الدينية لا يعكس بالضرورة واقعًا كاملاً، إذ يميز الدستور الإيراني بين الأقليات الدينية المعترف بها وبين الجماعات أو التيارات الأخرى التي تتعرض لقيود وملاحقات، كما أن حرية النشاط الديني تبقى خاضعة لاعتبارات أمنية وسياسية صارمة.
لذلك تبدو دعوة البطريرك بولس الثالث نونا جزءًا من استراتيجية إيرانية أوسع تقوم على توظيف حضور الأقليات المسيحية التاريخية في البلاد لإبراز صورة الدولة المتسامحة دينيًا، وتقديم نموذج بديل للرواية الغربية التي تنتقد سجل طهران في ملفات الحريات وحقوق الإنسان، خصوصًا في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد بالنسبة للنظام الإيراني.
