وفاة أحد المراجع الأربعة الكبار في النجف: من هو الشيخ محمد إسحاق الفياض؟

الخميس 04/يونيو/2026 - 09:54 ص
طباعة وفاة أحد المراجع علي رجب
 
أعلن رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، يوم الخميس، الحداد الرسمي في عموم البلاد لمدة ثلاثة أيام، حداداً على وفاة المرجع الديني الأعلى، آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض، الذي وافته المنية صباح اليوم عن عمر ناهز 96 عاماً في أحد مستشفيات العاصمة بغداد، إثر وعكة صحية حادة استدعت نقله لتلقي الرعاية الطبية المركزة.

بيان النعي والحداد
وأعرب رئيس الحكومة في بيان رسمي عن عميق تعازيه لمقام المرجعية الدينية العليا، وللشعب العراقي، وللمسلمين في أنحاء العالم. وجاء في البيان: "بفقد هذا العالم الجليل، فقدت ساحة البحث والاجتهاد والعلوم الإسلامية عَلماً من أعلام الفقه، ومرجعاً ترك بصمة واضحة على مستوى الفكر والتدريس". وأكد الزيدي أن الراحل كان له إسهام بارز في إعلاء شأن الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فضلاً عن جهوده المشهودة في التقريب بين أطياف المسلمين ونُصرة القضايا العادلة.

مسيرة علمية بدأت من جبال أفغانستان
ولد المرجع الراحل الشيخ محمد إسحاق الفياض عام 1930م في قرية "صوبة" بمحافظة غزني الأفغانية، لأسرة كادحة من قبيلة "هزاره". أظهر منذ طفولته نبوغاً وذكاءً لفت الأنظار، مما دفع والده إلى إرساله لطلب العلم. بدأت رحلته العلمية الشاقة من أفغانستان إلى مدينة مشهد في إيران، ثم قم، وصولاً إلى الأحواز، ومنها استقر به المقام في مدينة النجف الأشرف، التي أصبحت "كعبة العلم" التي صقلت شخصيته الفقهية.

في النجف، خاض الفياض رحلة علمية صعبة وصارمة، حيث تتلمذ على يد كبار علماء الحوزة، حتى استطاع وهو في سن العشرين أن يحضر دروس "البحث الخارج" – أعلى درجات التحصيل العلمي – عند زعيم الطائفة المرجع الأعلى الراحل السيد أبو القاسم الخوئي.

رفيق درب المرجع الخوئي
امتدت علاقة الفياض بأستاذه المرجع الخوئي لنحو 35 عاماً، حيث كان من أقرب المقربين إليه وعضواً بارزاً في "لجنة الاستفتاء" النخبوية، التي تولت صياغة الفتاوى الدينية للأسئلة اليومية الواردة للمرجع الأعلى. هذا القرب والذكاء جعله محط ثقة المراجع الكبار، وهو ما مهد الطريق لبروزه كواحد من أبرز أركان المرجعية في العصر الحديث.

رؤية تجديدية وفكر منفتح
لم يكتفِ المرجع الفياض بالتراث الفقهي التقليدي، بل عُرف بآراء تجديدية واكبت قضايا العصر، حيث امتلك رؤية جريئة تجيز للمرأة تولي كافة المناصب في الحكومة المدنية، مؤكداً أن الحجاب تكليف شرعي لا يُفرض بالإكراه.

وطرح رؤية مرنة، معتبراً أن الحكومة المدنية التي لا تخالف الإسلام هي النموذج الأنسب للبلدان ذات البنية الاجتماعية المعقدة مثل العراق، كما شدد دائماً على ضرورة بقاء الحوزة مستقلة مالياً وسياسياً عن الأنظمة والحكومات.

الإرث العلمي والموقف السياسي
عقب عام 2003، اتخذ الشيخ الفياض موقفاً داعماً لبناء الدولة ومشاركة الشعب في الانتخابات، إلا أنه ظل ناقداً لاذعاً للفساد السياسي والخلل في إدارة الدولة، ملتزماً بمسافة واحدة من جميع الكتل السياسية، مؤكداً على أن دور رجل الدين هو التوجيه الأخلاقي وليس التدخل في التفاصيل الحزبية.

ترك الفياض خلفه إرثاً ضخماً يتجاوز 40 مؤلفاً، منها "محاضرات في أصول الفقه" (10 مجلدات) و"تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى" و"أحكام البنوك". برحيل هذا "الطود الأشم"، تطوي الحوزة العلمية في النجف الأشرف صفحة من تاريخها المعاصر، مخلفةً وراءها مدرسة فكرية ستظل نبراساً للأجيال القادمة.

شارك