بعد انحسار الدعم الإيراني.. فرصة تاريخية لواشنطن لكسر شوكة الحوثيين
الجمعة 05/يونيو/2026 - 12:08 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة بعد الحرب الأخيرة مع إيران، تتزايد التساؤلات حول مستقبل جماعة الحوثي ومدى قدرتها على الحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي في حال تراجع أو فقدان الدعم الإيراني الذي شكل لعقود أحد أهم مصادر قوتها، فالجماعة التي تمكنت من ترسيخ حضورها في المشهد اليمني مستفيدة من شبكة معقدة من الدعم العسكري والمالي واللوجستي، قد تجد نفسها أمام تحديات جديدة تفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن بدائل للحفاظ على قدراتها.
وفي هذا السياق، تناول الكاتب هنري روجرز في تحليل مطول نشرته مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية مستقبل الحوثيين في مرحلة ما بعد الدعم الإيراني، مسلطاً الضوء على نقاط القوة التي ساعدت الجماعة على الصمود طوال سنوات الحرب، وفي المقابل نقاط الضعف التي قد تتحول إلى عوامل ضغط حقيقية إذا تراجعت المساندة الإيرانية، كما ناقش التقرير الفرص التي قد تراها الولايات المتحدة وحلفاؤها لاستغلال هذا التحول بهدف تقليص نفوذ الحوثيين والحد من تهديداتهم للملاحة الدولية وأمن المنطقة.
الدعم الإيراني.. ركيزة أساسية في قوة الحوثيين
بحسب تحليل ناشونال إنترست، لعبت إيران دوراً محورياً في تعزيز قدرات الحوثيين من خلال توفير التدريب والتمويل والأسلحة المتطورة، إضافة إلى الدعم اللوجستي والعقائدي، وأسهمت هذه العلاقة في تحويل الجماعة إلى لاعب مؤثر في معادلات الأمن الإقليمي، خصوصاً في محيط البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ورغم ذلك، يشير التقرير إلى أن الحوثيين لم يعتمدوا بالكامل على الدعم الخارجي، إذ طوروا مصادر تمويل متعددة شملت فرض الجبايات والضرائب والاستفادة من موقع اليمن الاستراتيجي، إلى جانب أنشطة مالية وتجارية مكنتهم من بناء شبكة اقتصادية موازية ساعدتهم على الصمود في مواجهة الضغوط.
كما يلفت التقرير إلى أن الطبيعة الجغرافية لمناطق سيطرة الحوثيين في شمال اليمن، بما تحتويه من سلاسل جبلية ووديان وعرة، وفرت للجماعة حماية طبيعية وعززت قدرتها على مقاومة الحملات العسكرية المختلفة.
هشاشة التمويل وتراجع التسليح.. مخاطر فقدان الدعم الإيراني
يرى التقرير أن قوة الحوثيين الحالية ترتبط بدرجة كبيرة باستمرار تدفق الدعم الإيراني، خاصة فيما يتعلق بالأسلحة المتطورة والذخائر المستخدمة في العمليات العسكرية بعيدة المدى.
ويؤكد أن اليمن يعاني أوضاعاً اقتصادية صعبة نتيجة سنوات الحرب، ما يحد من قدرة الجماعة على تطوير منظومات تسليح متقدمة محلياً، لذلك فإن أي تراجع في الدعم الإيراني سيؤثر بشكل مباشر على قدرتها الهجومية، ويجعل الحصول على الأسلحة والذخائر أكثر صعوبة وكلفة.
كما يعتقد التقرير أن إيران نفسها قد تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية تدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص الإنفاق على حلفائها الإقليميين، وهو ما قد ينعكس على حجم الموارد المخصصة للحوثيين.
وفي هذا السياق، يشير التحليل إلى أن الجماعة قد تضطر إلى البحث عن بدائل لتمويل أنشطتها العسكرية، بما في ذلك توسيع الاعتماد على العملات المشفرة وشبكات التمويل غير التقليدية، وهي أدوات يصفها التقرير بأنها أكثر هشاشة وقابلية للاستهداف.
التمويل والعملات المشفرة.. نقطة ضعف محتملة
يخصص التقرير جانباً مهماً للحديث عن البنية المالية التي يعتمد عليها الحوثيون، موضحاً أن الجماعة طورت خلال السنوات الماضية شبكات مالية سرية تساعدها على الالتفاف على العقوبات الدولية.
ويشير إلى أن الحوثيين يعتمدون بصورة متزايدة على العملات المشفرة، وخاصة العملات المستقرة مثل "تيثر"، لتنفيذ التحويلات المالية وشراء المعدات وتأمين احتياجاتهم المختلفة.
ويرى الكاتب أن هذه الآلية قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا تعرضت لضغوط دولية أكبر، خصوصاً أن الجهات المصدرة لبعض العملات المستقرة معروفة ويمكن التعاون معها لتجميد أو ملاحقة الأصول المرتبطة بأنشطة غير مشروعة، الأمر الذي قد يحد من قدرة الجماعة على الحركة المالية في المستقبل.
كيف يمكن للولايات المتحدة استغلال هذه المتغيرات؟
وفقاً لتحليل ناشونال إنترست، فإن تراجع الدعم الإيراني يفتح فرصة أمام الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين لإضعاف نفوذ الحوثيين بصورة أكبر مما كان ممكناً خلال السنوات الماضية.
ويطرح التقرير عدة مسارات لتحقيق ذلك، أبرزها تعزيز التعاون الاستخباراتي مع الحلفاء الإقليميين، ودعم القوى المناهضة للحوثيين على الأرض، والعمل على تضييق الخناق على شبكات التمويل المرتبطة بالجماعة، خصوصاً تلك التي تعتمد على العملات المشفرة والتحويلات المالية غير الرسمية.
كما يشدد التقرير على أهمية تجنب الإضرار بالمدنيين والبنية التحتية، مع ربط أي دعم خارجي بالالتزام بالقوانين الدولية، بما يضمن عدم تحول الضغوط العسكرية إلى عامل يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية في اليمن.
مستقبل الحوثيين بين التكيف والضغوط الجديدة
يخلص تحليل مجلة ناشونال إنترست إلى أن الحوثيين قد يواجهون مرحلة أكثر صعوبة إذا فقدوا جزءاً مهماً من الدعم الإيراني الذي ساهم في تعزيز قدراتهم خلال السنوات الماضية، ومع ذلك يحذر التقرير من التقليل من قدرة الجماعة على التكيف مع المتغيرات، مستنداً إلى سجلها الطويل في تجاوز الأزمات وإعادة بناء أدواتها السياسية والعسكرية والمالية.
ويرى مراقبون أن مستقبل الحوثيين سيعتمد بدرجة كبيرة على مسار العلاقة مع إيران خلال المرحلة المقبلة، وعلى قدرة الجماعة على إيجاد بدائل للتمويل والتسليح، كما أن أي تراجع في الدعم الإيراني قد يضعف بعض قدراتها العسكرية، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء نفوذها، خاصة في ظل استمرار سيطرتها على مناطق واسعة من شمال اليمن وامتلاكها خبرة طويلة في إدارة الصراع والتكيف مع الضغوط الإقليمية والدولية.
