"السيطرة الذكية".. خطة إيران لفرض واقع جديد على مضيق هرمز
السبت 06/يونيو/2026 - 11:31 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، عاد مضيق هرمز إلى واجهة الصراع باعتباره أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، والمسؤول عن مرور نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية.
وبينما تتواصل المواجهة العسكرية والسياسية بين الطرفين، تسعى طهران إلى توسيع نفوذها في المضيق عبر آليات جديدة تمنحها قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة الدولية.
ويرى تحليل نشره فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع الإيراني بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن هذه الخطوة تمثل محاولة إيرانية لفرض وقائع جديدة على الأرض واستخدامها كورقة ضغط في المفاوضات الجارية مع واشنطن، الأمر الذي يستدعي بحسب التقرير تحركاً سريعاً من الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين والدوليين.
مشروع إيراني جديد للسيطرة على الملاحة
يشير التقرير إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى التنافس على إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، وفي هذا السياق أطلقت إيران ما يعرف بقانون إدارة السلامة العامة (PGSA)، الذي تم إقراره رسمياً في 20 مايو، ويهدف إلى فرض منظومة رقابية جديدة على السفن العابرة للمضيق.
وبموجب هذه الآلية تلزم السفن بالحصول على تصاريح مسبقة والخضوع لإجراءات تفتيش أمنية وبيئية وتقديم ضمانات مالية ودفع رسوم تأمين عبر منصة رقمية إيرانية، إضافة إلى الالتزام بمسارات ملاحية محددة، وتمتد المنطقة التي تسعى طهران إلى إخضاعها لهذه الإجراءات إلى مساحة واسعة تشمل أجزاء من المياه القريبة من الإمارات وسلطنة عمان.
ويرى نديمي أن هذه الخطوة تمثل النسخة الأكثر تطوراً من مفهوم "السيطرة الذكية" الذي تبنته إيران خلال السنوات الماضية، والذي كان يركز سابقاً على التفتيش الانتقائي وتعطيل بعض السفن دون الوصول إلى مرحلة الإغلاق الكامل للمضيق.
أهداف داخلية وخارجية وراء الخطة الإيرانية
بحسب تحليل معهد واشنطن ترتبط هذه السياسة بمجموعة من الدوافع الداخلية والخارجية، فعلى المستوى الداخلي قد تسعى القيادة الإيرانية إلى توظيف الملف البحري لتعزيز التماسك الداخلي في ظل الضغوط الاقتصادية والأزمات السياسية المتزايدة.
أما خارجياً فتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، حيث تحاول إيران وفقاً للتقرير، ترسيخ واقع جديد يمنحها نفوذاً إضافياً على طاولة التفاوض، كما تسعى إلى تكريس دورها كجهة قادرة على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية وإدارة أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
وفي المقابل واجهت الخطة الإيرانية رفضاً سريعاً من دول الخليج، فقد اعتبرت الإمارات الإجراءات الإيرانية انتهاكاً لسيادتها، بينما نسقت الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر مواقف مشتركة داخل المنظمة البحرية الدولية لحث شركات الشحن على عدم الامتثال لهذه الترتيبات.
كما اتخذت الولايات المتحدة خطوات اقتصادية مباشرة، إذ صنفت وزارة الخزانة الأمريكية الجهة المشرفة على المشروع باعتبارها كياناً مرتبطاً بالحرس الثوري الإيراني، محذرة المؤسسات المالية وشركات التأمين من التعامل معها تحت طائلة العقوبات.
الجدل القانوني حول مضيق هرمز
يؤكد التقرير أن المزاعم الإيرانية بشأن قانونية هذه الإجراءات لا تستند إلى أساس قانوني دولي راسخ، فمضيق هرمز يُصنف بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار كمضيق دولي يتمتع فيه الجميع بحق "المرور العابر"، وهو حق لا يجوز تعطيله أو تعليقه حتى خلال فترات النزاع.
ورغم أن الدول المشاطئة للمضيق تمتلك صلاحيات تتعلق بتنظيم الملاحة وتعزيز السلامة البحرية، فإن هذه الصلاحيات لا تشمل فرض رسوم أو تراخيص مسبقة أو إجراءات تمييزية بحق السفن العابرة، كما يرفض التقرير الادعاءات الإيرانية بشأن وجود ملكية أو إدارة مشتركة للمضيق مع سلطنة عمان، معتبراً أنها تفتقر إلى أي سند قانوني دولي.
ويخلص التحليل إلى أن المشروع الإيراني يتجاوز بكثير حدود التنظيم الملاحي المشروع، ويشكل محاولة لفرض رقابة انتقائية على حركة التجارة الدولية عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
تحديات التنفيذ والضغوط المتزايدة على طهران
رغم شروع إيران في تطبيق بعض إجراءاتها بشكل محدود، فإن التقرير يشير إلى أن حجم الامتثال لا يزال محدوداً مقارنة بمستويات الملاحة الطبيعية التي كان يشهدها المضيق قبل اندلاع الأزمة.
كما تواجه طهران تحديات كبيرة على الصعيد العسكري، إذ تعرض جزء مهم من قدراتها البحرية التقليدية لأضرار وخسائر، بينما تتعرض مواقع الدعم والبنية التحتية المرتبطة بالعمليات البحرية لضغوط متواصلة.
اقتصادياً، يرى التقرير أن الحصار الأمريكي والقيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية أدت إلى تراجع حاد في الإيرادات النفطية وارتفاع الضغوط على قطاع الطاقة، كما ساهمت الأزمة في زيادة تكاليف التأمين والشحن بشكل كبير، ما أثر على حركة التجارة عبر المضيق وأوجد مخاطر إضافية على الاقتصاد الإيراني.
ويحذر التحليل من أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يدفع الأسواق العالمية إلى البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وهو ما قد ينعكس سلباً على إيران نفسها باعتبارها أحد أبرز المستفيدين من حركة التجارة والطاقة في المنطقة.
خيارات واشنطن لمواجهة الخطة الإيرانية
يقترح التقرير مجموعة من الإجراءات التي يمكن للولايات المتحدة وحلفائها اتباعها لمواجهة هذه السياسة، وتشمل تعزيز الوجود البحري الدولي في المنطقة لحماية حرية الملاحة، وتكثيف الضغوط الدبلوماسية لتأكيد الالتزام بالقواعد البحرية الدولية، إضافة إلى توسيع نطاق العقوبات ضد الجهات المتعاونة مع النظام الإيراني الجديد.
كما يدعو إلى استمرار الضغط الاقتصادي على طهران وربط أي تسهيلات أو مساعدات مستقبلية بالتراجع الكامل عن الإجراءات المتعلقة بالمضيق، مع الحفاظ على التنسيق الوثيق مع سلطنة عمان ودول الخليج والمنظمة البحرية الدولية لضمان استمرار إدارة الممر الملاحي وفق القواعد الدولية المعمول بها.
ويرى المراقبون أن التحرك الإيراني في مضيق هرمز يعكس محاولة لاستثمار الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمضيق في تعزيز النفوذ السياسي والتفاوضي لطهران خلال مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، إلا أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرهوناً بقدرة إيران على تحمل الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة، فضلاً عن مدى قبول المجتمع الدولي بأي ترتيبات جديدة تتعارض مع مبادئ حرية الملاحة.
كما يعتقد المراقبون أن استمرار الرفض الدولي والإقليمي لهذه الإجراءات، إلى جانب التحديات الاقتصادية التي تواجهها إيران، قد يجعل من الصعب تحويل هذه الخطط إلى واقع دائم، خاصة في ظل تمسك القوى البحرية الكبرى بالقواعد المنظمة للممرات المائية الدولية.
