شرق الكونغو ينزف من جديد.. مذبحة بحق المسيحيين تكشف توحش الجماعات الإرهابية
الثلاثاء 09/يونيو/2026 - 11:27 ص
طباعة
روبير الفارس
في مشهد يتكرر بصورة مأساوية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، استيقظت قرية صغيرة قرب مدينة بيني على واحدة من أكثر الهجمات دموية خلال الأشهر الأخيرة، بعدما اقتحم مسلحون منتمون إلى جماعة "القوات الديمقراطية المتحالفة" (ADF) البلدة ليلاً، مخلفين وراءهم عشرات الضحايا من المدنيين المسيحيين، بينهم راعي كنيسة وزوجته.
الهجوم الذي وقع في قرية "مباو" أعاد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة بشأن تنامي نشاط الجماعات الإرهابية في إقليم كيفو الشمالية، رغم الانتشار العسكري الواسع للقوات الحكومية الكونغولية والقوات الأوغندية المشتركة، إضافة إلى وجود بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام.
مسلسل دموي
لم تكن هذه المجزرة حادثاً منفرداً، بل جاءت بعد أيام قليلة فقط من هجوم آخر استهدف قرية مجاورة وأسفر عن مقتل عدد من المدنيين. ويشير تكرار الهجمات في المنطقة نفسها إلى أن الجماعات المسلحة ما زالت تمتلك القدرة على التحرك والتنفيذ دون مواجهة حاسمة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول فعالية الإجراءات الأمنية الحالية.
وبحسب سكان محليين وقيادات كنسية، يعيش المسيحيون في عدد من قرى شرق الكونغو حالة دائمة من الخوف، مع استمرار استهداف التجمعات السكانية ودور العبادة والقرى النائية.
جماعة "القوات الديمقراطية المتحالفة"
تُعد جماعة "القوات الديمقراطية المتحالفة" من أخطر التنظيمات المسلحة الناشطة في شرق الكونغو. تأسست في تسعينيات القرن الماضي داخل أوغندا قبل أن تنتقل إلى المناطق الحدودية الكونغولية، وتحولت مع مرور الوقت إلى جماعة متشددة متهمة بارتكاب مئات الهجمات ضد المدنيين.
وخلال السنوات الأخيرة أعلن تنظيم داعش ارتباطه بالجماعة، وأصبحت تُعرف أحياناً باسم "ولاية وسط أفريقيا"، ما دفع الولايات المتحدة وعدداً من الدول إلى تصنيفها تنظيماً إرهابياً.
خارطة الإرهاب في الكونغو
ولا تقتصر معاناة الكونغو على نشاط جماعة ADF فقط، إذ تنشط في شرق البلاد عشرات الميليشيات والجماعات المسلحة التي تستفيد من ضعف الدولة والصراعات العرقية والتنافس على الموارد الطبيعية.
ومن أبرز هذه الجماعات حركة "إم 23" المتمردة، وميليشيات محلية متعددة تعرف باسم "ماي ماي"، إلى جانب جماعات أجنبية مسلحة اتخذت من المناطق الحدودية ملاذاً لها.
ويرى مراقبون أن تشابك المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة جعل شرق الكونغو واحداً من أكثر مناطق أفريقيا اضطراباً خلال العقود الأخيرة.
الكنائس في مرمى العنف
الهجوم الأخير يسلط الضوء مجدداً على معاناة الكنائس المسيحية في شرق البلاد، حيث تحولت بعض القرى إلى ساحات مفتوحة للعنف، بينما يواصل رجال الدين والهيئات الكنسية تقديم الخدمات الإنسانية والرعوية في ظروف بالغة الخطورة.
ويؤكد قادة مسيحيون أن ما يحدث لا يمثل مجرد أزمة أمنية عابرة، بل تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي والاستقرار الإنساني في المنطقة، مطالبين بتحرك دولي أكثر فاعلية لحماية المدنيين ووضع حد لدائرة العنف المستمرة.
أزمة منسية
ورغم سقوط آلاف الضحايا خلال السنوات الماضية، لا تحظى مأساة شرق الكونغو بالاهتمام الدولي الذي تحظى به أزمات أخرى حول العالم. وبينما تتكرر المجازر وتتصاعد عمليات الخطف والنزوح، يبقى السؤال مطروحاً: إلى متى سيظل المدنيون، ومن بينهم المسيحيون، يدفعون ثمن حرب طويلة تبدو بلا نهاية؟
المجزرة الأخيرة ليست مجرد رقم جديد في سجل الضحايا، بل تذكير مؤلم بأن الإرهاب ما زال قادراً على ضرب القرى الآمنة، وأن شرق الكونغو لا يزال يعيش واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والأمنية تعقيداً في العالم.
