تفكيك الفجوة المفاهيمية في استراتيجيات مكافحة التطرف
الثلاثاء 09/يونيو/2026 - 01:04 م
طباعة
حسام الحداد
لم تعد ظاهرة التطرف العنيف والنزاعات المسلحة في مطلع الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين مجرد تهديدات تقليدية محصورة بجغرافيا سياسية معينة، بل تحولت إلى ظواهر هجينة عابرة للحدود، تتغذى على السيولة الرقمية والطفرات التكنولوجية المستحدثة مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة المسيرة رخيصة التكلفة. هذا التحول الجذري في طبيعة "التهديدات غير المتماثلة" فرض على الفاعلين الدوليين والإقليميين إعادة صياغة استراتيجياتهم الأمنية والدفاعية لمواجهة أنماط راديكالية غير نمطية.
ومع ذلك، فإن هذا الحراك الدولي المعاصر يتبلور عبر مسارين متباعدين بنيوياً ومفاهيمياً؛ الأول عملياتي خشن تقوده تكتلات عسكرية كبرى مثل حلف شمال الأطلسي (NATO)، ويسعى إلى مأسسة "الردع العملياتي" عبر عسكرة الأقاليم الحيوية وتوسيع شبكات الأمن المترابطة وضخ الاستثمارات التكتيكية في حماية البنى التحتية الحيوية، كما يتجلى في تحركاته الأخيرة بمنطقة الخليج العربي. أما المسار الثاني، فتمثله مقاربة "الأنسنة القانونية والمعيارية" التي تقودها الأمم المتحدة عبر مفوضيتها السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، والتي تحاول كبح جماح التغول الأمني وقوننة المصطلحات الفضفاضة التي طالما استُغلت طوال عقود "الحرب العالمية على الإرهاب" لتقويض الحريات الأساسية وتجفيف منابع المجتمع المدني.
بين مطرقة الهواجس الأمنية للدول وسندان المثاليات الحقوقية للأمم المتحدة، يرتسم مأزق بنيوي يعيق نجاعة السياسات الدولية؛ إذ إن انفصال الردع العسكري عن الكوابح الحقوقية غالباً ما يحول الاستراتيجيات الخشنة إلى أدوات عكسية لتغذية المظلوميات ومضاعفة قدرة التنظيمات المتطرفة على التجنيد. من هنا، يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية تفكك جدلية التناقض والتكامل بين هذين المسارين، مستشرفاً آفاق دمج "الردع" بـ "الحق" لصياغة استراتيجية مركبة قادرة على كسر حلقة العنف المفرغ في البيئات الجيوسياسية المعقدة.
عسكرة الأقاليم وتوسيع الشراكات: نموذج الناتو في الخليج
يمثل التوجه الحديث لحلف شمال الأطلسي نحو تعزيز شراكاته الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي، وتحديداً عبر "المركز الإقليمي لبعثة الناتو ومبادرة إسطنبول للتعاون" في الكويت، تحولاً جوهرياً في العقيدة الأمنية الغربية. ويعكس هذا الحراك اعترافاً دولياً حاسماً بأن مواجهة التطرف العنيف والمهددات العابرة للحدود لم تعد معركة محلية تنكفئ داخل حدود جغرافية ضيقة، بل أصبحت تتطلب بناء شبكة أمنية متكاملة ومترابطة تتجاوز الأقاليم التقليدية لمواجهة مصادر التهديد في مهدها.
في إطار هذا التعاون، تُظهر البيانات المحدثة الصادرة عن حلف شمال الأطلسي (NATO) تركيزاً مكثفاً على تقديم برامج تدريبية واستشارية متقدمة لرفع كفاءة الأجهزة الأمنية والدفاعية المحلية؛ إذ يضع الحلف في مقدمة أولوياته رصد وتحييد "التهديدات غير المتماثلة" (Asymmetric Threats) التي باتت تؤرق الاستقرار الإقليمي، وعلى رأسها حروب الطائرات المسيرة غير النمطية، والقرصنة الرقمية، والهجمات السيبرانية الممنهجة التي تستهدف البنى التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة وصناعة القرار.
وامتداداً لتطوير العقيدة الدفاعية للشركاء، تسعى البرامج الأطلسية المستحدثة إلى صقل آليات الاستجابة السريعة لمواجهة أنماط الإرهاب الهجين والجيل الجديد من التهديدات. ويركز الناتو بشكل خاص على تأهيل الكوادر الإقليمية للتعامل مع العمليات الإرهابية المستحدثة التي باتت تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، البرمجيات الخبيثة، والتكنولوجيا التجارية رخيصة التكلفة وسهلة الحصول عليها، والتي تمنح التنظيمات المسلحة قدرات تخريبية غير متكافئة تفوق حجمها العددي.
من منظور واقعي في العلاقات الدولية، يرى المحللون في هذا التوسع والتغلغل الأطلسي خطوة حيوية وضرورية لسد الفراغات الأمنية الناشئة في منطقة الخليج، والتي تُعد الشريان الأساسي لإمدادات الطاقة العالمية وعصب الاقتصاد الدولي. ووفقاً لهذه المقاربة، فإن تعزيز القدرات الردعية للدول الشريكة يسهم في خلق بيئة إقليمية مستقرة قادرة على امتصاص الصدمات الأمنية وتأمين الممرات البحرية والتجارية ضد أي اختراقات مفاجئة من فاعلين من غير الدول.
في المقابل، يواجه هذا النموذج نقدًا بنيويًا يرى في التركيز على المنظومات الدفاعية التكتيكية وتدريب القوات الخاصة معالجةً لـ "العَرَض لا المرض"؛ إذ تغفل الاستراتيجية الأطلسية الجذور العميقة للتطرف مثل غياب التنمية والأزمات السياسية المحلية. علاوة على ذلك، فإن مفرزات هذا التوجه تكمن في "أمننة" (Securitization) العلاقات الإقليمية وتحويلها إلى قضايا عسكرية بحتة، مما قد يمنح شرعية دولية لمقاربات محلية خشنة تسهم في خلط الأوراق، وتفشل في التمييز بين الإرهاب الفعلي والمعارضة السياسية السلمية.
مأزق التعريف الفضفاض: مقاربة الأمم المتحدة والأنسنة الحقوقية
يمثل الموقف الحقوقي الأممي المعاصر تحولاً بارزاً ومحاولة جادة لكبح جماح التغول الأمني المفرط، والذي استشرى عالمياً وأسس لثقافة الاستثناء طوال عقود أعقبت إطلاق ما سُمي بـ "الحرب العالمية على الإرهاب". وفي هذا السياق المأزوم، جاء التحذير الصارم للمقرّر الخاص المعني بحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، بن شاول، عبر تقرير رسمي صادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR)، ليدق ناقوس الخطر حول ضرورة المراجعة الشاملة والجذرية لكافة التدابير الإدارية والقانونية الدولية المتبعة تحت لافتة منع التطرف العنيف.
لقد حمل التقرير الأممي في طياته دعوة عاجلة وملحة وجهها إلى جميع الدول الأعضاء، حثهم فيها على تقديم مرئياتهم ومقترحاتهم القانونية بهدف صياغة محددات تشريعية صارمة؛ وتأتي في مقدمة هذه الأولويات ضرورة صياغة تعريفات دقيقة، منضبطة، وجامعة مانعة لمصطلحي "الإرهاب" و"التطرف العنيف"، لإنهاء حالة السيولة المفاهيمية التي سمحت لسنوات بتأويل النصوص القانونية وتطويعها وفقاً للمصالح السياسية الضيقة لكل دولة.
الهدف المحوري الآخر الذي ركزت عليه الدعوة الأممية يكمن في إرساء ضمانات قانونية دولية تحول دون استغلال القوانين الأمنية الفضفاضة كذريعة لتصفية الحسابات السياسية وتجفيف منابع المجتمع المدني؛ إذ يرى التقرير أن التوسع غير المنضبط في الإجراءات الاحترازية والملاحقات القضائية بات يشكل تهديداً وجودياً ومباشراً لتقويض الحريات الأساسية، مثل حرية التعبير، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات، وهي الحقوق التي تشكل النواة الصلبة لمنظومة حقوق الإنسان العالمية.
من الناحية التحليلية والنقدية، تضع هذه المقاربة الأممية يدها ببراعة على الجرح الأكثر عمقاً ونزفاً في السياسات الأمنية الدولية، حيث يُعد "غياب تعريف دولي موحد ومتفق عليه للإرهاب" بمثابة ثغرة قانونية متعمدة ومقسودة ومستغلة من قبل بعض الأنظمة الحاكمة؛ فعندما تُترك مصطلحات هلامية مثل "التطرف" أو "تكدير الأمن السلمي" دون كوابح قضائية واضحة ومحددة، فإنها تتحول تلقائياً إلى أدوات سلطوية مشرعنة لتجريم العمل الحقوقي، وملاحقة الصحافة الاستقصائية، وقمع أي مطالبات سياسية أو إصلاحية مشروعة.
بالمقابل، تواجه هذه المقاربة الأممية نقداً هيكلياً يتركز حول "مثاليتها المفرطة وقصور أدواتها الردعية والتنفيذية" في عالم واقعي تحكمه القوة؛ فبينما يطالب المقرّر الأممي بن شاول بـ "أنسنة" استراتيجيات المكافحة، تظل المفوضية السامية والآليات الخاصة التابعة لها مفتقرة إلى أي سلطة إلزامية أو آليات عقابية فاعلة في مواجهة الدول؛ وهي الدول التي تجد دائماً في إعلان "حالة الطوارئ" و"مقتضيات الأمن القومي" غطاءً سياسياً وسيادياً كافياً للتحلل من التزاماتها ومواثيقها الحقوقية الدولية دون رادع.
جدلية التناقض والتكامل بين الناتو والأمم المتحدة
تكشف المقارنة التحليلية المعمقة بين الحراك العملياتي لحلف شمال الأطلسي (NATO) في منطقة الخليج، والتقرير الحقوقي الصادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR)، عن شرخ مفاهيمي حاد وفجوة بنيوية واضحة في الفكر الاستراتيجي الدولي؛ إذ يتضح أن المنظومة الدولية تدير ملف مكافحة التطرف بعقلية مجزأة، تتنازعها هواجس فرض الأمن الميداني السريع من جهة، والالتزام بالمعايير الأخلاقية والقانونية لحماية المجتمعات من جهة أخرى.
يتجلى التناقض الأول بين المقاربتين في طبيعة الأهداف الأساسية المراد تحقيقها؛ فحينما تركز استراتيجية الناتو على الأبعاد الأمنية والعسكرية البحتة الرامية إلى تحييد التهديدات العسكرية المباشرة وتحقيق الردع التكتيكي ضد الفاعلين المسلحين، تتجه مقاربة الأمم المتحدة نحو أفق معياري وإنساني يضع حماية الفرد وتحصين المجال العام للمجتمع المدني ضد تغول السلطات الأمنية وإساءة استخدام القوانين كأولوية قصوى لا يمكن التنازل عنها.
وينعكس هذا الافتراق المفاهيمي بشكل مباشر على الوسائل والأدوات المعتمدة من كلا الطرفين؛ إذ تعتمد المقاربة الأطلسية في مكافحة الإرهاب على أدوات القوة الخشنة والناعمة المرتبطة بالعسكرة، مثل تكثيف التدريب الميداني، وتوسيع شبكات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوظيف التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة، بينما تنحاز المقاربة الأممية بوضوح إلى الأدوات السلمية والقانونية عبر التركيز على صياغة التشريعات العادلة، وتفعيل الرقابة الحقوقية، وتدقيق التعريفات القانونية لمنع التأويل التعسفي.
من الناحية التحليلية، يواجه كلا المسارين مآخذ نقدية تضعف من أثرهما الشامل؛ فالمنظور الأمني للناتو يُؤخذ عليه ميله نحو "عسكرة الموارد" والتركيز على العَرَض العسكري مع إغفال الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تولد الفكر المتطرف ابتداءً. وفي المقابل، تعاني المقاربة الحقوقية للأمم المتحدة من عيب هيكلي يتمثل في افتقارها إلى الفعالية والمشروعية التنفيذية الإلزامية، مما يجعلها تبدو "مثالية مجردة" وعاجزة عن فرض معاييرها على الدول في حالات الأزمات الأمنية الحادة أو التهديدات الوجودية.
تأسيسًا على ما تقدم، تتبلور ملامح "معادلة الأمن والحقوق" لتبين أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المقاربة الأمنية بحد ذاتها، بل في انفصالها التام عن المعايير الحقوقية؛ إن الاستراتيجيات الأمنية الصارمة التي تنتهك حقوق الإنسان وتتجاوز الحريات أثناء ملاحقة الإرهاب تتحول، من حيث لا تدري، إلى "أداة تجنيد غير مباشرة" لصالح التنظيمات المتطرفة، والتي تتغذى استراتيجياً على مشاعر المظلومية، الإقصاء، والاضطهاد الناتجة عن التعسف القانوني، مما يعيد إنتاج دائرة العنف بدلاً من إغلاقها.
نحو استراتيجية مركبة
تُظهر القراءة النقدية للسياسات الدولية الحالية أن الاعتماد الفردي على "الردع الخشن" (نموذج الناتو) يُنتج استقراراً مؤقتاً وهشاً، في حين أن الاعتماد الحصري على "التأطير الحقوقي المجرد" (نموذج الأمم المتحدة) يترك الدول مكشوفة أمام تنظيمات مسلحة سريعة التطور ولا تعترف بالقانون الدولي أساساً.
إن المخرج الاستراتيجي يتطلب صياغة "استراتيجيات أمنية مركبة"؛ حيث يتم دمج برامج الناتو للتهديدات المستحدثة ضمن أطر تشريعية وطنية صارمة تتبنى معايير مفوضية حقوق الإنسان لتعريف الإرهاب. دون هذا التوازن، ستبقى الجهود الدولية تدور في حلقة مفرغة: أمنٌ يعمق المظالم، ومظالمٌ تنتج تطرفاً جديداً.
