مقتل مدنيين في "تونكا" بمالي: اتهامات للجيش الروسي وقوات "فيلق أفريقيا"

الجمعة 12/يونيو/2026 - 08:17 م
طباعة مقتل مدنيين في تونكا علي رجب
 
في تصعيد جديد ومروع يعكس هشاشة الوضع الأمني في شمال مالي، شهدت منطقة "تونكا" التابعة لإقليم تمبكتو مجزرة دموية، حيث اتُهمت قوات من الجيش الوطني المالي، مدعومة بعناصر من "فيلق أفريقيا" الروسي، بتنفيذ عملية عسكرية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 12 مدنياً. 
الحادثة، التي هزت أرجاء المنطقة، تأتي في ظل توتر أمني متسارع وحرب مكشوفة بين المجلس العسكري الحاكم في باماكو والجماعات المسلحة المتطرفة.

تفاصيل فاجعة "إيتشيل"
بحسب شهادات حصرية أدلت بها مصادر محلية، من بينها قيادات مجتمعية وسكان محليون، بدأت المأساة صباح الخميس 11 يونيو 2026، في ذلك اليوم، الذي صادف موعد السوق الأسبوعي في قرية "إيتشيل" بمقاطعة تونكا، فوجئ الباعة والمتسوقون بنزول جنود ماليين يرافقهم مقاتلون روس من "فيلق أفريقيا".

وقالت تيلا أغ زيني، الأمينة العامة لمنظمة "سي دي-دي بي إيه" (الجماعة المعنية بالدفاع عن حقوق شعب أزواد/شمال مالي)، في تصريحات لإذاعة فرنسا الدولية، إن القوة العسكرية عمدت فور وصولها إلى محاصرة السوق بالكامل. وبدلاً من إجراء عمليات تفتيش روتينية، تحول الموقف إلى عملية إعدامات ميدانية شملت عدداً من التجار.
 وأكدت "أغ زيني" أن الجنود لم يكتفوا بالقتل، بل قاموا بنهب الأكشاك والاستيلاء على مركبتين محملتين بالبضائع، بالإضافة إلى عدد من الدراجات النارية، قبل أن يضرموا النار في ما تبقى من ممتلكات في الموقع، وسط غياب تام لأي اشتباك مسلح أو مقاومة.

وتشير التقديرات الميدانية إلى أن حصيلة القتلى قد تصل إلى 15 ضحية، بينما وثقت المنظمات الحقوقية المحلية 12 حالة مؤكدة، بينهم امرأة واحدة، في مشهد يعكس حالة من الفوضى العسكرية التي تفتقر لأدنى معايير حماية المدنيين.

بؤرة صراع مشتعلة
تعد منطقة "تونكا" واحدة من أكثر المناطق سخونة في شمال مالي، حيث تنشط "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة بشكل مكثف. وقد شهدت الأشهر الماضية عمليات اغتيال انتقامية نفذتها الجماعة ضد مدنيين اتهمتهم بالتعاون مع الجيش أو إظهار الولاء له. 
فمنذ نوفمبر 2025، تم إعدام ثلاثة أشخاص: معلم قرآن، وقائد منظمة شبابية، وشاب اشتهر عبر تطبيق "تيك توك"، مما خلق حالة من الرعب المطبق بين السكان الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الجماعات الجهادية وسندان العمليات العسكرية الحكومية.

وفي المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من هيئة الأركان العامة للجيش المالي حول "مجزرة إيتشيل".
 واكتفت المؤسسة العسكرية في آخر بياناتها بالحديث عن عمليات جوية في "بليديغا" بمنطقة سيغو، حيث زعمت "تحييد نحو عشرة إرهابيين" يوم الأربعاء 10 يونيو، في محاولة فيما يبدو لتوجيه الأنظار بعيداً عن أحداث الشمال.

حرب المكافآت: نذر تصعيد خطير
في تطور يعكس عمق الصراع الشخصي والسياسي، أعلنت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" عن عرض مكافأة مالية ضخمة قدرها مليونا يورو مقابل الحصول على معلومات تقود إلى تحديد موقع رئيس مالي، العقيد أسيمي غويتا، الذي يتولى السلطة منذ انقلابي 2020 و2021. ولم تتوقف الجماعة عند هذا الحد، بل رصدت مكافآت مماثلة للإرشاد عن مسؤولين عسكريين بارزين، بينهم العقيد لاسينا ديالو والجنرال مالك ديكو.

هذا التحرك من الجماعة جاء كرد فعل مباشر على إعلان حكومة باماكو عن مكافأة مماثلة مقابل معلومات تؤدي إلى زعيم الجماعة، إياد أغ غالي، وقياديين آخرين في صفوفها. هذه المعلومات، التي وثقتها مجموعة "سايت إنتليجنس جروب"، تكشف عن وصول حالة "عدم اليقين" في مالي إلى مرحلة الصراع المفتوح على الرؤوس، حيث أصبحت القيادات في الطرفين هدفاً استراتيجياً للتصفية.

مستقبل غامض
تأتي هذه الأحداث في وقت تزايدت فيه احتمالات حدوث مكاسب كبيرة للجماعات المسلحة في الصحراء الشاسعة، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع المالي في هجمات نُسبت للقاعدة في أبريل الماضي.
 ومع استمرار العمليات العسكرية ضد المدنيين في مناطق مثل "تونكا"، تتفاقم المخاوف الدولية من انهيار الاستقرار الاجتماعي في مالي، حيث باتت الدولة تقاتل على جبهات متعددة، بينما يدفع المدنيون - كعادتهم - الثمن الأغلى في نزاع لا يبدو أن له نهاية قريبة.

إن صمت السلطات في باماكو تجاه ما يحدث في الشمال يثير تساؤلات حقيقية حول استراتيجية "فيلق أفريقيا" ومدى قدرة القيادة المالية على السيطرة على حلفائها الروس، وهو ما يترك المنطقة أمام مستقبل مجهول، يغلفه القتل الممنهج والانتقام المتبادل.

شارك