استراتيجية الإنهاك: الجماعات المسلحة تختبر حدود النفوذ الروسي في مالي
الإثنين 06/يوليو/2026 - 09:55 ص
طباعة
حسام الحداد
يواجه المجلس العسكري الحاكم في مالي تصعيدا أمنيا غير مسبوق، إثر سلسلة هجمات منسقة ومباغتة استهدفت مواقع عسكرية حيوية في الشمال والوسط، وصولا إلى مشارف العاصمة باماكو منذ مطلع يوليو الجاري. وتكشف هذه التطورات – التي نفذتها أطراف مسلحة متعددة – عن تحول جوهري في طبيعة الصراع، حيث انتقلت الجماعات المهاجمة من استراتيجية السيطرة الثابتة إلى تبني تكتيكات "حرب الاستنزاف" المرنة، مما يضع الوعود الأمنية للسلطات الانتقالية أمام اختبار ميداني شديد الصعوبة.
وتأتي هذه التطورات لتضع الشراكة الأمنية بين باماكو والقوات الروسية الداعمة لها في مواجهة تحديات استراتيجية معقدة؛ إذ تسعى الجماعات المسلحة إلى تشتيت قدرات الجيش والضغط على خطوط إمداده الحيوية. ومع اتساع رقعة الاشتباك وتداخل الحسابات الميدانية مع الضغوط اللوجستية التي بدأت تلامس مراكز الثقل السياسي، يبدو أن مالي مقبلة على مرحلة من "السيولة الأمنية" التي قد تعيد رسم خريطة النفوذ في منطقة الساحل بأكملها.
طبيعة المواجهة والموقف الميداني
توسعت رقعة العمليات العسكرية بشكل لافت خلال الـ 48 ساعة الماضية، حيث اتخذت الهجمات طابعا منسقا شمل نطاقا جغرافيا يمتد من أقصى الشمال في "اجليهوك" و"جاو" و"أنفيف"، وصولا إلى عمق الوسط المالي في "سيفاري"، وصولا إلى سجن "كينيوروبا" القريب من العاصمة باماكو. وبحسب التقارير الميدانية والبيانات الصادرة عن الجهات الفاعلة، يمثل هذا الهجوم أوسع انتشار أمني منذ أبريل الماضي، مما يشير إلى تحول تكتيكي جوهري لدى الجماعات المسلحة، التي تخلت عن استراتيجية السيطرة الثابتة على المدن لصالح "هجمات المباغتة المتزامنة" التي تهدف إلى إرباك مراكز الثقل العسكري وتشتيت القوات الحكومية.
وفي المقابل، جاءت الرواية الرسمية للجيش المالي، وفقا للبيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي للقوات المسلحة، لتؤكد قدرة الجيش على احتواء الموقف. وقد أعلنت المؤسسة العسكرية عن نجاح وحداتها في صد الهجمات، مشيرة إلى حصيلة ميدانية تضمنت مقتل 20 مسلحا في قطاع "سيفاري" و6 آخرين في "جاو"، مع اعتراف رسمي بوقوع إصابات في صفوف القوات الحكومية خلال الاشتباكات. تهدف هذه البيانات – وفقا لتحليلات أمنية إقليمية – إلى تثبيت صورة "الدولة المسيطرة" وطمأنة الرأي العام الداخلي بقدرة المنظومة الأمنية على الاستجابة للتهديدات المتزايدة.
وعلى الجانب الآخر، تتبنى الفصائل المسلحة خطابا مغايرا تماما يعتمد على إثبات الوجود الميداني. فقد أعلنت "جبهة تحرير أزواد" في بيانها المنشور عبر معرفاتها الرسمية سيطرتها التامة على مدينة "أنفيف" الاستراتيجية، بينما تبنت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، عمليات سيطرة على مواقع عسكرية متعددة في مناطق متفرقة. تهدف هذه الفصائل من خلال إعلاناتها المتزامنة إلى فرض واقع ميداني يربك الحسابات الحكومية، ويظهر المؤسسة العسكرية في حالة من الدفاع المستمر بدلا من المبادرة الهجومية.
يبرز هذا التضارب الحاد في البيانات هوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، مما يعكس صراعا موازيا على "الشرعية الأمنية" داخل مالي. ويرى مراقبون متخصصون في شؤون الساحل أن هذا التناقض ليس مجرد اختلاف في الأرقام، بل هو مؤشر على نجاح الجماعات المسلحة في تحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث تكتسب كل عملية – بغض النظر عن حجمها – دلالة سياسية تضعف الثقة في قدرة باماكو على فرض سيادتها الوطنية على كامل الأراضي، خاصة في ظل الاعتماد المكثف على الدعم الأمني الخارجي.
استراتيجية الإنهاك وتداعياتها
تجمع التقارير التحليلية الصادرة عن مراكز أبحاث الدفاع في الساحل على أن طبيعة الهجمات الأخيرة لا تعكس مجرد تصعيد ظرفي، بل تكشف عن تبني الجماعات المسلحة استراتيجية "استنزاف مدروسة". وعلى الرغم من غياب أي إعلان رسمي عن تحالف عملياتي أو تنسيق هيكلي بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد"، إلا أن التزامن الدقيق في ضرب الأهداف يشي بتناغم تكتيكي يهدف إلى وضع الجيش المالي وقوات الدعم الروسية أمام معضلة انتشار جغرافي مستحيل. هذا النمط العملياتي يجبر القيادة العسكرية في باماكو على توزيع مواردها المحدودة على جبهات واسعة، مما يفرغ أي تمركز عسكري من فاعليته الدفاعية ويجعله هدفا سهلا للمبادرة المسلحة.
وفي سياق تقييم التداعيات، تشير تقديرات الأوساط العسكرية الدولية إلى أن جوهر التهديد لا يتمثل في السيطرة الميدانية على بضع بلدات أو مواقع حدودية، بل في تقويض "المرونة الاستراتيجية" للمؤسسة العسكرية المالية. وبحسب مواقف معلنة لمصادر مقربة من مراكز دراسات استراتيجية إقليمية، فإن "الخطر الأكبر يكمن في استنزاف الموارد البشرية المرهقة، واستنفاد المخزون اللوجستي المحدود للجيش". هذا النزيف المستمر يقلص هامش المناورة أمام القيادة العسكرية، ويجعل من تأمين خطوط الإمداد الاستراتيجية مهمة مكلفة تفتقر إلى الاستدامة، خاصة في ظل اتساع رقعة الاشتباك التي ترهق سلاسل التوريد.
تتجلى آثار هذه الاستراتيجية بوضوح في محيط العاصمة باماكو، حيث بدأت الضغوط اللوجستية تتحول إلى واقع ملموس يهدد استقرار مراكز الثقل السياسي. فمن خلال فرض ما يشبه "الحصار الجزئي" على طرق الإمداد الرئيسية القادمة من الشمال والوسط، نجحت الجماعات المسلحة في خلق اختناقات حادة أثرت مباشرة على سلاسل توريد السلع الأساسية ومصادر الطاقة. هذا الحصار غير المباشر لا يهدف فقط إلى خنق العاصمة اقتصاديا، بل يسعى إلى إرسال رسالة سياسية مفادها أن السلطة المركزية فقدت القدرة على تأمين الممرات الحيوية، مما يعزز مناخ الشك في كفاءة الترتيبات الأمنية الحالية.
وفي ظل هذا المشهد، يتوقع الخبراء في تقارير دورية حول أمن الساحل، أن تؤدي استدامة هذه الاستراتيجية إلى إعادة تشكيل موازين القوى الميدانية بشكل جذري. فبينما يراهن النظام الحاكم في باماكو على الردع العسكري التقليدي والغطاء الجوي، تسعى الجماعات المسلحة إلى إطالة أمد المواجهة لجعل تكلفة الحفاظ على "الأمن الهش" باهظة وغير محتملة للمؤسسة العسكرية. ومع استمرار اضطراب حركة الإمدادات وتصاعد الضغوط على مراكز الإمداد الطاقوي، يظل السؤال الاستراتيجي المطروح هو: إلى أي مدى يمكن للجيش المالي الصمود في حرب استنزاف تضرب صلب قدراته اللوجستية والاقتصادية في آن واحد؟
الأثر المحلي والإقليمي
على الصعيد المحلي، يواجه المجلس العسكري الانتقالي في باماكو ما يصفه مراقبون في تقارير دورية بـ"التحدي الوجودي" لشرعيته السياسية؛ حيث أدت الهجمات الأخيرة إلى كسر "الحاجز الأمني" الذي كان يحمي العاصمة من تداعيات النزاع في الشمال والوسط. إن اقتراب العمليات العسكرية من باماكو، وتحديدا استهداف مواقع قريبة من مراكز الثقل الإداري، يضعف بشكل مباشر الوعود الأمنية التي اتخذتها السلطات الحالية كركيزة لبقائها في السلطة. وبحسب تقارير صادرة عن مؤسسات رصد النزاعات في غرب إفريقيا، فإن فشل المؤسسة العسكرية في منع هذا التوغل يغذي حالة من الاحتقان الشعبي، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الجيش، رغم تحالفاته الأمنية الجديدة، على الحفاظ على "الأمن الحيوي" للنظام.
إقليميا، أثارت هذه التطورات حالة من التأهب في عواصم دول الجوار (مثل النيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو)، حيث تتزايد المخاوف من "عدوى الانفلات الأمني" التي قد تتجاوز الحدود المشتركة. وتشير تقديرات خبراء الأمن في منطقة الساحل إلى أن نجاح استراتيجية "تشتيت القوى" في مالي قد يغري جماعات مسلحة عابرة للحدود بتبني التكتيكات ذاتها في مناطق أخرى؛ وهو ما يهدد بانهيار منظومة الأمن الإقليمي الهشة أصلا. وتؤكد مصادر دبلوماسية مطلعة على ملف الساحل أن دول الجوار بدأت في تكثيف التنسيق الأمني الاستباقي، تحسبا لموجات نزوح سكاني أو عمليات تسلل قد تنتج عن هذا التدهور في الداخل المالي.
وفي أبعاد أوسع، أعادت هذه التطورات خلط أوراق النفوذ الدولي في المنطقة، مما يجعل من مالي بؤرة لعدم استقرار عابر للحدود يهدد المصالح الاستراتيجية للقوى الفاعلة. فبينما تسعى القوى الدولية المعنية بأمن الساحل إلى تقييم فاعلية المقاربات الأمنية الجديدة، تبرز مالي كنموذج صارخ لتحديات "حروب الجيل الرابع" التي تفتت قدرة الدول على السيطرة. وتخلص تحليلات مؤسسات السياسة الخارجية إلى أن استمرار حالة عدم الاستقرار هذه قد يدفع الأطراف الدولية إلى تبني استراتيجيات احتواء بديلة، مما يعمق من تعقيد المشهد الجيوسياسي ويحول الساحل إلى مسرح متجدد للتنافس الأمني واللوجستي.
سياق تاريخي
تأتي هذه الموجة التصعيدية كفصل جديد في تحول استراتيجي جذري شهدته مالي على مدار العامين الماضيين، عقب إنهاء الوجود العسكري الفرنسي وقوات حفظ السلام الدولية (مينوسما). وبحسب تقارير مراكز الأبحاث الدولية المعنية بالأمن في غرب إفريقيا، فإن السلطات الانتقالية في باماكو سعت إلى ملء الفراغ الأمني عبر بناء شراكة استراتيجية بديلة مع موسكو، معتمدة على عقود دفاعية مباشرة. هذا التحول لم يغير طبيعة التوازنات الميدانية فحسب، بل أعاد تشكيل هوية الصراع، حيث تحولت مالي من ميدان للتعاون الأمني الدولي المشترك إلى ساحة لاختبار فاعلية المقاربات الأمنية الروسية في مواجهة حركات التمرد المحلية.
وتشير تحليلات الدوريات الأمنية المتخصصة في قضايا الساحل إلى أن الجماعات المسلحة -بمختلف توجهاتها الأيديولوجية- قد رأت في مرحلة "الانتقال الأمني" فرصة ذهبية لإعادة التموضع. فمع رحيل القوات الدولية، فقدت باماكو الكثير من القدرات الاستخباراتية والتقنية التي كانت تستخدم للرصد والاشتباك الاستباقي، مما أتاح لهذه الجماعات مساحات واسعة لإعادة بناء خطوط إمدادها وتدريب مقاتليها. ووفقا لتقديرات خبراء ميدانيين، فإن الجماعات المسلحة لم تعد تكتفي بالدفاع عن معاقلها التقليدية، بل باتت تستغل الانشغال المؤسسي بالتحولات السياسية لاستدراج الجيش المالي نحو معارك استنزاف تستهدف إثبات عجز النموذج الأمني الجديد عن توفير الأمن المطلوب.
وعليه، يمكن فهم التوقيت الحالي للهجمات بوصفه اختبارا مباشرا لمتانة "عقيدة الأمن الوطنية" التي تبناها المجلس العسكري في باماكو. وتذهب المصادر التحليلية إلى أن الصراع في مالي تجاوز مرحلة المطالب السياسية التقليدية، ليصبح معركة حول "نموذج السيادة"؛ فبينما تحاول الدولة فرض سيطرتها عبر شراكتها الجديدة، تحاول القوى المتمردة تقديم "نموذج نفوذ مواز" يعتمد على استغلال الضعف اللوجستي للدولة والتغلغل الاجتماعي في المناطق النائية. هذا السياق التاريخي المشحون بالتعقيدات يجعل من الأزمة الحالية ليست مجرد نزاع عسكري طارئ، بل انعكاسا لصراع أوسع على مستقبل الحكم في منطقة الساحل ككل.
آفاق المرحلة المقبلة
تتسم المشهدية الراهنة في مالي بحالة من "السيولة الأمنية" التي تضع كافة التقديرات الاستراتيجية تحت طائلة المراجعة؛ فوفقا للتقارير التحليلية الصادرة عن مراكز أبحاث الأمن في الساحل، انتقل الصراع فعليا من طور المواجهات التقليدية التي تستهدف السيطرة على الأرض، إلى مرحلة "حروب الاستنزاف الممتدة". هذا التحول النوعي يشير إلى أن الجماعات المسلحة، عبر اعتمادها على العمليات الخاطفة والمباغتة، تهدف إلى إبطال مفعول التفاوت في القوة النارية بينها وبين الجيش المالي، محولة الميدان إلى مساحة استنزاف لا تنتهي للموارد البشرية واللوجستية للدولة.
وتشير التقديرات الصادرة عن الخبراء العسكريين المتابعين للشأن المالي إلى أن الضغوط الميدانية على المجلس العسكري مرشحة للتصاعد بشكل مضطرد، ما لم تحدث باماكو اختراقا استراتيجيا في عقيدتها الدفاعية. إن الاعتماد الكلي على الإسناد الجوي وقوات التدخل السريع، مع إهمال القدرات الدفاعية في المناطق الثابتة، خلق "ثغرات أمنية" تستغلها الجماعات المسلحة ببراعة لإحداث صدمات ميدانية مستمرة. وبحسب مواقف معلنة لمصادر استراتيجية إقليمية، فإن استمرار هذا النهج قد يدفع البلاد نحو "دوامة من عدم الاستقرار المزمن"، حيث تغدو الدولة عاجزة عن فرض سيطرتها، وتصبح المناطق خارج المدن الكبرى ساحات مفتوحة لنفوذ المتمردين.
وفي ضوء ذلك، تذهب القراءات السياسية والأمنية إلى أن استعادة التوازن تتطلب تبني تكتيكات دفاعية غير تقليدية تخرج عن نمط الانتشار العسكري التقليدي؛ إذ يتعين على المؤسسة العسكرية تعزيز القدرات الاستخباراتية الميدانية والاعتماد على قوى الانتشار السريع التي تتسم بالمرونة العالية بدلا من المواقع الثابتة التي أثبتت هشاشتها. إن مستقبل الاستقرار في مالي مرهون بقدرة السلطات على التكيف مع متطلبات حرب العصابات المعاصرة، وإلا فإن احتمالية بقاء الصراع في حالة "اللاسم" الميداني ستظل قائمة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويجعل من استدامة الدولة مهمة تواجه تحديات وجودية متزايدة في الأمد المتوسط.
