قادة الكنائس في جنازة المرشد الإيراني... مشاركة قلبية أم إجبار سياسي؟

الإثنين 06/يوليو/2026 - 10:23 ص
طباعة قادة الكنائس  في روبيرالفارس
 



في مشهد حمل دلالات دينية وسياسية معًا، ظهر عدد من قادة الكنائس التاريخية في إيران، بينهم ممثلو الكنائس الآشورية والكلدانية والأرمنية، خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في طهران، إلى جانب كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين وممثلي الأقليات الدينية المعترف بها رسميًا. وقد حرصت وسائل الإعلام الإيرانية على إبراز هذه المشاركة باعتبارها دليلًا على "الوحدة الوطنية" والتفاف مختلف مكونات المجتمع الإيراني حول الدولة. 
لكن هذا المشهد يثير تساؤلًا مشروعًا: هل جاءت مشاركة القيادات المسيحية بإرادتها، أم أنها كانت نتيجة ضغوط سياسية أو بروتوكولية؟

 حضور يتكرر 

ليست هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها ممثلو الكنائس التاريخية في إيران في مناسبات رسمية للدولة. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، اعتادت القيادات الدينية للأقليات المعترف بها – الأرمن والآشوريون والكلدان – حضور المناسبات الوطنية الكبرى، مثل الاحتفالات الرسمية أو مراسم العزاء الخاصة بكبار المسؤولين.

ويرجع ذلك إلى أن الدستور الإيراني يعترف بهذه الطوائف كمكونات دينية رسمية، ويمنحها تمثيلًا محدودًا في البرلمان، مقابل التزامها بإطار العلاقة الذي تفرضه الدولة. لذلك فإن حضورها في مثل هذه المناسبات يُعد، في كثير من الأحيان، جزءًا من البروتوكول السياسي الذي يحكم علاقة الأقليات بالنظام. 

 هل يوجد إجبار؟

حتى الآن، لا توجد أدلة موثقة أو تصريحات علنية تؤكد أن قادة الكنائس أُجبروا على حضور مراسم التشييع كما لم تصدر عن الكنائس نفسها بيانات تشير إلى تعرضها لضغوط مباشرة للمشاركة.

إلا أن منظمات حقوق الإنسان والباحثين في الشأن الإيراني يشيرون منذ سنوات إلى أن الأقليات الدينية في إيران تعمل داخل هامش ضيق من الحرية، حيث تعتمد علاقتها بالدولة على إظهار الولاء للنظام وتجنب أي مواقف قد تُفسَّر باعتبارها معارضة سياسية.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من الباحثين أن المشاركة في المناسبات السيادية الكبرى قد تكون "مشاركة متوقعة أكثر منها "مشاركة إجبارية"؛ أي أنها تتم في ظل بيئة سياسية تجعل الامتناع عنها خيارًا شديد الحساسية، حتى وإن لم يصدر أمر رسمي بالإلزام.

  المساحة المتاحة

تضم إيران عشرات الآلاف من المسيحيين المنتمين إلى الكنائس الأرمنية والآشورية والكلدانية، وهي طوائف تتمتع باعتراف قانوني يسمح لها بإدارة كنائسها ومدارسها وشؤون أحوالها الشخصية،
ولهذا تحرص القيادات التقليدية لهذه الكنائس غالبًا على المحافظة على علاقة مستقرة مع مؤسسات الدولة، باعتبارها وسيلة لحماية الوجود المسيحي التاريخي داخل إيران، حتى وإن اضطرها ذلك إلى المشاركة في مناسبات ذات طابع سياسي. وقد 
شهدت طهران مراسم تشييع واسعة للمرشد الإيراني علي خامنئي، شارك فيها مئات الآلاف، إضافة إلى كبار المسؤولين الإيرانيين ووفود أجنبية وممثلي الأقليات الدينية. وسعت السلطات الإيرانية إلى تقديم الجنازة باعتبارها مناسبة لإظهار تماسك النظام ووحدة المجتمع في مرحلة انتقال القيادة، مع تغطية إعلامية مكثفة ركزت على حجم المشاركة الشعبية والرسمية.

بين الرمزية والواقع

يبقى حضور قادة الكنائس الآشورية والكلدانية والأرمنية في مثل هذه المناسبات حدثًا يحمل أكثر من قراءة. فمن جهة، تستثمره الدولة لإبراز صورة التعايش الديني والوحدة الوطنية، ومن جهة أخرى، يعكس واقع الأقليات الدينية التي تسعى إلى الحفاظ على وجودها ومؤسساتها داخل نظام يفرض حدودًا واضحة للحركة السياسية.

ولذلك، فإن القول بوجود إجبار مباشر على المشاركة لا تدعمه الأدلة المتاحة حتى الآن، لكن من الصعب أيضًا فصل هذه المشاركات عن طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الدولة والأقليات الدينية، حيث يصبح الالتزام بالبروتوكول السياسي أحد وسائل الحفاظ على المساحة المتاحة لهذه المجتمعات داخل إيران.

شارك