بعد 3 قرون بيان جديد يعيد المواجهة بين الفاتيكان و الماسونية
الإثنين 06/يوليو/2026 - 10:36 ص
طباعة
روبيرالفارس
أعاد بيان جديد من أساقفة الدول الإسكندنافية ملفًا عمره نحو ثلاثة قرون إلى الواجهة
حيث
أعاد البيان الصادر عن مجالس الأساقفة الكاثوليك في الدول الإسكندنافية (الدنمارك، فنلندا، آيسلندا، النرويج، والسويد) الجدل القديم حول علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالماسونية، بعدما أكد بصورة قاطعة أنه لا توجد أي استثناءات إقليمية تسمح للكاثوليك بالانضمام إلى المحافل الماسونية، مشددًا على أن العضوية فيها تبقى غير منسجمة مع الإيمان الكاثوليكي، لأن مبادئها الفلسفية تتعارض مع العقيدة المسيحية ووحدة الحقيقة التي تعلنها الكنيسة.
ورغم أن هذا التوضيح يبدو للوهلة الأولى مجرد إعادة تأكيد لموقف معروف، فإنه في الواقع يضع حدًا لسنوات من الالتباس، خاصة في بعض دول شمال أوروبا، حيث انتشرت تساؤلات حول ما إذا كانت بعض المحافل الماسونية ذات الطابع الثقافي أو الخيري يمكن أن تشكل استثناءً من الموقف الكنسي العام.
لكن الفاتيكان أجاب مجددًا: الموقف واحد في جميع أنحاء العالم، ولا وجود لاستثناءات محلية.
ثلاثة قرون من الرفض
لا يعود رفض الكنيسة الكاثوليكية للماسونية إلى العقود الأخيرة، بل يمتد إلى ما يقرب من ثلاثمائة عام
ففي عام 1738 أصدر البابا كليمنت الثاني عشر الدستور الرسولي، الذي حظر على الكاثوليك الانضمام إلى الجمعيات الماسونية، مبررًا ذلك بسرية نشاطها، وأداء أعضائها القسم، وما تحمله من أفكار اعتُبرت مهددة للإيمان ووحدة الكنيسة.
ومنذ ذلك التاريخ، تعاقب عدد كبير من الباباوات على تأكيد الموقف نفسه، ومن أبرزهم البابا لاون الثالث عشر، الذي أصدر عام 1884 الرسالة العامة وهي من أكثر الوثائق الكنسية تفصيلًا في نقد الماسونية، إذ اعتبرها تقوم على رؤية للعالم تستبعد الوحي الإلهي، وتجعل العقل البشري المرجع النهائي للحقيقة والأخلاق.
لماذا تعارض الكنيسة الماسونية؟
لا تنطلق الكنيسة في رفضها من كون الماسونية جمعية خيرية أو اجتماعية، بل من الأسس الفكرية التي تقوم عليها.
فبحسب التعليم الكاثوليكي، تعتمد الماسونية مفهومًا دينيًا وفلسفيًا يرى أن الحقيقة يمكن الوصول إليها بطرق متعددة ومتساوية، بغض النظر عن الانتماء الديني، وهو ما تعتبره الكنيسة نوعًا من النسبية الدينية التي تتعارض مع إيمانها بأن الحقيقة الكاملة أُعلنت في شخص المسيح.
كما ترى الكنيسة أن الطقوس والرموز الماسونية، وما يحيط بها من سرية والتزامات خاصة، قد تضع العضو في حالة ازدواجية بين ولائه الكنسي وانتمائه إلى المحفل الماسوني.
المجمع الفاتيكاني الثاني
بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، انتشرت تكهنات بأن الكنيسة ربما خففت موقفها من الماسونية، خاصة مع صدور قانون الحق القانوني الجديد عام 1983، الذي لم يذكر الماسونية بالاسم كما كان الحال في القانون السابق.
لكن هذا الجدل حُسم سريعًا.
ففي العام نفسه، أصدر مجمع عقيدة الإيمان، برئاسة الكاردينال آنذاك جوزيف راتسينجر، إعلانًا رسميًا أكد أن الحكم السلبي للكنيسة تجاه الجمعيات الماسونية لم يتغير، وأن الكاثوليكي الذي ينضم إليها يكون في حالة خطيئة جسيمة، ولا يجوز له التقدم إلى المناولة المقدسة.
وأوضحت الوثيقة أن حذف اسم الماسونية من القانون الجديد لا يعني تغيير الموقف، بل لأن التشريع أصبح يتحدث بصورة عامة عن الجمعيات التي تتعارض مبادئها مع الإيمان الكاثوليكي.
تجديد للموقف في عهد البابا فرنسيس
وخلال السنوات الأخيرة، عاد الملف إلى الواجهة مع تزايد الأسئلة في بعض الدول الأوروبية والأمريكية.
وفي عام 2023، أعاد مجمع عقيدة الإيمان، بموافقة البابا فرنسيس، التأكيد على أن الانتماء إلى الماسونية لا يزال غير متوافق مع العقيدة الكاثوليكية، رافضًا أي تفسيرات محلية توحي بإمكان التوفيق بين الطرفين.
لماذا جاء توضيح أساقفة الدول الإسكندنافية الآن؟
يرى مراقبون أن البيان الجديد جاء ردًا على نقاشات ظهرت داخل بعض الأوساط الكاثوليكية في شمال أوروبا، حيث تتمتع بعض المحافل الماسونية بصورة اجتماعية أو خيرية تختلف عن صورتها في دول أخرى.
غير أن الأساقفة شددوا على أن اختلاف السياقات الثقافية لا يغيّر جوهر التعليم الكنسي، مؤكدين أن وحدة العقيدة تعني وحدة الموقف، وأن الحفاظ على الشركة الكاملة مع الكنيسة يقتضي التخلي عن أي انتماء ماسوني، مهما كانت طبيعته المحلية.
وبذلك، يؤكد الفاتيكان مرة جديدة أن موقفه من الماسونية ليس موقفًا سياسيًا أو تاريخيًا عابرًا، بل جزء من رؤيته اللاهوتية لطبيعة الإيمان المسيحي، وعلاقة المؤمن بالحقيقة والوحي والكنيسة، وهو موقف حافظ على ثباته منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم.
