قصة سوريا كلها.. الأب جوني الداود... عشر سنوات في أسر "جبهة النصرة"

الثلاثاء 07/يوليو/2026 - 08:22 ص
طباعة قصة سوريا كلها.. روبير الفارس
 

 
بين جدران زنزانة تحت الأرض في ريف إدلب، عاش الأب جوني الداود عقدًا كاملًا من الزمن بعيدًا عن عائلته وكنيسته والعالم. عشر سنوات من الأسر والعزلة، تحولت لاحقًا إلى شهادة إيمان ورجاء، بعدما خرج حيًا من واحدة من أطول فترات الاحتجاز التي عاشها مسيحي سوري خلال سنوات الحرب.

وُلد الأب جوني الداود عام 1984 في دمشق، ونشأ في بلدة مسكنة التابعة لمحافظة حمص، في عائلة سريانية كاثوليكية عُرفت بتمسكها بالإيمان. ومنذ طفولته ارتبط بالكنيسة، متأثرًا بعمه، الكاردينال الراحل موسى الأول داود، الذي شجعه على السير في طريق الدعوة الكهنوتية. أمضى ثلاثة عشر عامًا في الإكليريكية، حيث درس الفلسفة واللاهوت استعدادًا للكهنوت. 

لكن الحرب السورية غيّرت مسار حياته بالكامل. ففي عام 2012 دُمّر منزل عائلته في حمص، واضطرت الأسرة إلى النزوح، فيما استُدعي جوني لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية ضابطًا في الجيش السوري، وهو متزوج من ستيلا التي كانت تنتظر مولودهما الأول. وتسمح الكنيسة السريانية الكاثوليكية بسيامة رجال متزوجين كهنة، لذلك لم يكن زواجه عائقًا أمام دعوته الكهنوتية.

 كيف وقع في الأسر؟

في عام 2015 كان يخدم في مطار أبو الظهور العسكري بمحافظة إدلب، أحد آخر المواقع العسكرية التي بقيت تحت سيطرة الجيش السوري في شمال البلاد. وبعد حصار طويل، شنّت جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة آنذاك، مع فصائل متحالفة معها، هجومها الأخير على المطار في 9 سبتمبر 2015.

يروي الأب جوني أن نحو 300 جندي فقط واجهوا أكثر من خمسة آلاف مقاتل. وبعد انتهاء المعركة، لم يبقَ على قيد الحياة سوى 38 جنديًا، كانوا جميعًا مصابين، قبل أن يقعوا في الأسر بيد جبهة النصرة. 

 عشر سنوات خلف القضبان

بدأت رحلة قاسية استمرت عشرة أعوام داخل سجون سرية في إدلب، حيث عاش الأسرى في ظروف وصفها بأنها غير إنسانية؛ نقص شديد في الطعام والمياه، وغياب شبه كامل للرعاية الطبية، وانعدام وسائل النظافة، وزنازين تحت الأرض لا يصل إليها ضوء الشمس.

لكن أصعب ما واجهه لم يكن الجوع أو المرض، بل الانقطاع الكامل عن العالم الخارجي. فلم يكن يعرف إن كانت زوجته أو ابنه أو عائلته ما زالوا على قيد الحياة، ولم تصله أي أخبار طوال سنوات الأسر. ومع مرور الوقت، تحولت صلاته إلى أسئلة وعتاب، واعترف لاحقًا بأنه مرّ بفترة شعر فيها أن الله قد صمت أمام آلامه، حتى كاد يفقد الرجاء تمامًا. 
 حلم أعاد إليه الأمل

في إحدى الليالي رأى في المنام رجلًا مسنًا يرتدي ثوبًا أبيض ويقول له: "قريبًا ستكون في بيتك."

اعتبر الأب جوني تلك الرؤيا نقطة تحول في حياته، إذ عاد بعدها إلى الصلاة، وبعد أيام بدأت تصل إلى الأسرى مؤشرات على تغيّرات كبيرة تجري خارج السجن، حتى جاء يوم الإفراج عنه مع عدد من المحتجزين، إثر التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا. 

 لقاء يشبه القيامة

يصف الأب جوني لحظة لقائه بزوجته وابنه بعد عشر سنوات بأنها كانت "قيامة" حقيقية. فابنه، الذي كان جنينًا عندما أُسر، أصبح طفلًا لم يعرف والده إلا من الصور والذكريات.

ويقول إن ذلك اللقاء كان أعظم مكافأة عن سنوات الألم، وأثبت له أن الرجاء قد يتأخر، لكنه لا يموت. 

 من الأسير إلى الكاهن

في يونيو 2026، رُسم الأب جوني الداود كاهنًا في الكنيسة السريانية الكاثوليكية، وعاد إلى أبرشية حمص ليخدم شعبًا أنهكته الحرب.

واليوم يكرّس خدمته لمرافقة المتألمين نفسيًا وروحيًا، والعمل على تنشئة العلمانيين وإعادة بناء الإنسان قبل الحجر، مؤمنًا بأن الكنيسة تستطيع أن تكون مساحة للشفاء في مجتمع ما زال يحمل جراح الحرب.

وتحولت قصة الأب جوني الداود إلى واحدة من أبرز الشهادات الإنسانية في سوريا، لأنها لا تروي فقط حكاية رجل نجا من الأسر، بل تحكي أيضًا عن قدرة الإيمان على الصمود في وجه العزلة، وعن رجاء وُلد من قلب عشر سنوات من الظلام

شارك