بعد الإفراج عن الكاهن جون بوسكو .. لماذا أصبحت الكنيسة هدفًا للخطف في الكاميرون؟
الثلاثاء 07/يوليو/2026 - 08:29 ص
طباعة
روبيرالفارس
بعد أيام من الترقب والصلوات، تنفست الكنيسة الكاثوليكية في الكاميرون الصعداء بإعلان أبرشية نكونغسامبا الإفراج عن الأب جون بوسكو بيهكونغ، إلى جانب الأخوين سيلفستر سيوونغ وماري رودريغ سوب، المنتميين إلى أخوية فرنسيسكان العمانوئيل، بعدما اختُطفوا في إقليم الشمال الغربي، أحد أكثر المناطق اضطرابًا في البلاد.
وكان الأب جون بوسكو قد سافر إلى مسقط رأسه في بلدة ميليم، قرب مدينة ندوب، للاحتفال بقداسه الأول بعد سيامته الكهنوتية، وهو تقليد يحمل أهمية روحية كبيرة لدى الكهنة الجدد. وفي الليلة التالية، وبينما كان برفقة الأخوين الفرنسيسكانيين، اعترضهم مسلحون واختطفوهم إلى جهة مجهولة. ولم تعلن السلطات أو الأبرشية عن هوية الخاطفين أو تفاصيل المفاوضات التي سبقت الإفراج عنهم، كما لم يُكشف عما إذا كانت قد دُفعت فدية أو جرى التوصل إلى اتفاق معين.
وعقب إطلاق سراحهم، أصدرت أبرشية نكونغسامبا بيانًا شكرت فيه جميع المؤمنين الذين شاركوا في الصلاة من أجل المختطفين، مؤكدة أن "الرب استجاب وحرّرهم"، في إشارة إلى البعد الروحي الذي رافق القضية منذ لحظة الاختطاف وحتى العودة الآمنة.
أزمة تتجاوز حادثة اختطاف
ورغم النهاية السعيدة لهذه الحادثة، فإنها ليست الأولى من نوعها. فمنذ اندلاع ما يُعرف بـ"الأزمة الأنغلوفونية" عام 2017، تحولت منطقتا الشمال الغربي والجنوب الغربي في الكاميرون إلى ساحة صراع مسلح بين القوات الحكومية والجماعات الانفصالية التي تطالب بإقامة دولة مستقلة تحمل اسم "أمبازونيا".
بدأت الأزمة باحتجاجات سلمية قادها محامون ومعلمون من الناطقين بالإنجليزية اعتراضًا على ما اعتبروه تهميشًا من الحكومة المركزية، لكن المواجهات سرعان ما تطورت إلى نزاع مسلح أدى إلى سقوط آلاف الضحايا ونزوح مئات الآلاف، مع انتشار عمليات الخطف وقطع الطرق والهجمات على المدنيين.
لماذا تستهدف الجماعات المسلحة رجال الدين؟
ورغم أن الكنيسة الكاثوليكية تؤكد حيادها ودعواتها المستمرة إلى الحوار والسلام، فإن رجال الدين أصبحوا من بين الفئات الأكثر تعرضًا للخطف في المناطق المضطربة.
ويشير مراقبون إلى عدة أسباب وراء ذلك، أبرزها استخدام المختطفين كورقة ضغط للحصول على فدية، أو للفت الأنظار إعلاميًا، أو لمعاقبة شخصيات يُنظر إليها على أنها قريبة من الدولة، حتى وإن كانت الكنيسة نفسها تدعو باستمرار إلى وقف العنف.
وخلال السنوات الأخيرة، سُجلت عدة حوادث استهدفت كهنة وراهبات ورعاة كنائس، كما تعرض بعضهم للقتل أو الاحتجاز لأسابيع قبل الإفراج عنهم، فيما انتهت حوادث أخرى بصورة مأساوية، الأمر الذي دفع الأساقفة الكاثوليك إلى تكرار الدعوات للحوار ووقف دوامة العنف.
جماعات متعددة وسلاح خارج السيطرة
ولا تقتصر الأزمة على وجود جماعة واحدة، بل تنشط في الإقليم مجموعات انفصالية متعددة تعمل بصورة غير مركزية، وهو ما يجعل المشهد الأمني أكثر تعقيدًا. وتتهم الحكومة هذه الجماعات بتنفيذ عمليات خطف واغتيال وإحراق للمدارس والمنشآت العامة، بينما تتهم الجماعات المسلحة القوات الحكومية بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.
وفي كثير من الأحيان يصعب تحديد الجهة المسؤولة عن عمليات الخطف، إذ تنشط أيضًا عصابات إجرامية تستغل حالة الفوضى لتحقيق مكاسب مالية، ما يزيد من تعقيد جهود التفاوض والإفراج عن المختطفين.
الكنيسة... صوت للسلام وسط النزاع
ورغم المخاطر، تواصل الكنيسة الكاثوليكية في الكاميرون أداء رسالتها الرعوية والإنسانية، داعية إلى المصالحة والحوار وإنهاء العنف الذي أنهك المناطق الناطقة بالإنجليزية لسنوات.
ويُعد الإفراج عن الأب جون بوسكو بيهكونغ ورفيقيه بارقة أمل لعائلات المختطفين الآخرين، لكنه يسلط الضوء في الوقت نفسه على استمرار التحديات الأمنية التي تواجه الكنيسة وسكان تلك المناطق، في ظل صراع لم يجد طريقه بعد إلى حل سياسي دائم.
