الأُبيّض تحت الحصار: معركة مرتقبة تهدد بتكرار مأساة الفاشر
الأربعاء 08/يوليو/2026 - 10:25 ص
طباعة
حسام الحداد
يعيش نحو نصف مليون شخص، بينهم أكثر من 105 آلاف نازح من مدن سودانية أخرى، حالة حصار خانق تفرضه قوات الدعم السريع على مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، منذ أشهر. وأحكمت القوات شبه العسكرية طوقها على جميع الطرق المؤدية إلى المدينة باستثناء الاتجاه الشرقي وحده، في وقت تتعرض فيه المدينة لضربات يومية بطائرات مسيّرة طالت الأسواق والمدارس ومحطات الوقود وشبكات المياه والكهرباء، ما أدخل المدينة في شبه عزلة كاملة عن العالم الخارجي.
ووسط هذا التصعيد، تتصاعد التحذيرات الأممية من "كارثة إنسانية" وشيكة، إذ يرى مراقبون دوليون أن المدينة تستعد لتكون المسرح المقبل لمواجهة برية كبرى بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، الذي لا يزال يحتفظ بمواقع داخل المدينة عبر فرقته الخامسة للمشاة ومطارها الدولي. ويخشى دبلوماسيون غربيون ومنظمات حقوقية أن يفضي هذا التصعيد إلى تكرار سيناريو سقوط مدينة الفاشر قبل نحو عام، حين وثّقت جهات دولية مجازر جماعية عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها، وهو ما يفسر الطابع العاجل الذي اتخذته التحركات الدبلوماسية الغربية والأممية حيال ملف الأُبيّض خلال الأيام الأخيرة.
تصعيد ميداني ممنهج
تُحكم قوات الدعم السريع منذ أشهر طوقها حول مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إذ باتت تسيطر على جميع الطرق المؤدية إليها باستثناء الاتجاه الشرقي وحده، بحسب ما أفاد به مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان. ووثّق المكتب، خلال ثلاثة أسابيع فقط من الشهر الماضي، خمس عشرة غارة بطائرات مسيّرة استهدفت المدينة وضواحيها، أسفرت عن مقتل 45 مدنيًا على الأقل. وقال المفوض السامي فولكر تورك، في إحاطته أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، إن هذه الأسلحة "استهدفت مرارًا الأسواق والمدارس ومحطات الوقود والبنية التحتية للمياه"، مضيفًا أن حادثة مدرسة "جيل الرايد" شهدت إصابة ثمانية طلاب حين اخترقت شظايا إحدى الغارات فصولها الدراسية أثناء الدراسة. ورصد تحقيق مفتوح المصدر ما لا يقل عن 16 هدفًا مدنيًا وخدميًا تضرر جراء القصف، من بينها مستشفيات ومدارس ومحطات كهرباء ومستودعات وقود.
وانعكس هذا الاستهداف الممنهج للبنية التحتية على واقع الحياة اليومية في المدينة بشكل مباشر وقاسٍ، إذ يصف سكانها انقطاعًا كهربائيًا شبه كامل منذ نحو شهر، قال أحدهم للأمم المتحدة: "نعيش في ظلام دامس منذ انقطاع الكهرباء قبل نحو شهر". وأدت الضربات المتكررة على محطة الطاقة إلى تعطيل شبكات المياه وإعاقة عمل المستشفيات، فيما اضطر سكان مثل أقسام محمد، وهي أم لسبعة أطفال، إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام بحثًا عن مياه غير صالحة للشرب لتأمين حاجة أسرتها. وحذّر محمد رفعت، الممثل الإقليمي للمنظمة الدولية للهجرة، من أن المدينة تقترب من "حصار تام" سيجعل المدنيين "عاجزين عن المغادرة أو العودة بأمان"، مشيرًا إلى أن الأوضاع قد تُحاكي قريبًا ما جرى في الفاشر، حيث قدّرت الأمم المتحدة سقوط أكثر من 6 آلاف قتيل في الأيام الثلاثة الأولى فقط من سقوطها.
زاويتان متعارضتان
تتبنى الأمم المتحدة ومجموعة من الدول الغربية موقفًا يصف تحركات قوات الدعم السريع حول الأُبيّض بأنها تمهيد لمجزرة جديدة تكرر سيناريو الفاشر. فقد حذّر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان من "مخاطر وشيكة لفظائع واسعة النطاق"، فيما تقدمت 15 دولة بقيادة بريطانيا، من بينها ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج، بطلب رسمي لعقد جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان لمناقشة الملف، محذرة في بيانها من أن "نحو 500 ألف مدني معرضون لخطر أن يكونوا هدفًا لفظائع واسعة النطاق". وتوّج هذا الموقف باعتماد المجلس، بتوافق الآراء، قرارًا يدين تصعيد قوات الدعم السريع وينشئ تحقيقًا عاجلًا في الانتهاكات المزعومة، في خطوة اعتبرتها لندن ضرورية "لمنع تكرار ما جرى في الفاشر قبل أشهر قليلة".
في المقابل، تقدّم قوات الدعم السريع روايتها المغايرة تمامًا عبر منصاتها الرسمية، إذ وصفت تقدمها نحو الأُبيّض بأنه "تحرير" لمناطق من قبضة الجيش السوداني، الذي تصفه بيانات الجماعة بأنه يقاتل "تحت راية الحركة الإسلامية" بمؤازرة "ميليشيات مرتزقة مسلحة"، ودعت في بياناتها سكان المدينة إلى "البقاء في منازلهم وعدم مغادرتها تحت أي ظرف"، مؤكدة أن معاركها ستستمر "حتى استئصال آخر بقايا التنظيمات الإرهابية المسلحة". أما موقف بكين، الذي عبّرت عنه عبر امتناعها عن التصويت داخل مجلس حقوق الإنسان، فيرى أن القرارات الأممية بشأن السودان "لا تحظى بدعم الدولة المعنية"، وأن الصين لا تدعم "تحقيقات تستهدف دولًا بعينها دون موافقتها"، في موقف يعكس تحفظًا صينيًا تقليديًا إزاء آليات التحقيق الأممية المفروضة دون توافق الأطراف المحلية.
الأثر المحلي والإقليمي
انعكس الحصار المطبق على الأُبيّض مباشرة على الحياة اليومية لسكانها، إذ ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة تصل إلى 300 بالمئة، بحسب تقديرات ميدانية نقلتها منظمات محلية، في وقت عجزت فيه شريحة واسعة من السكان عن تحمل هذه الكلفة أو تدبير سبل الوصول إلى وجهة آمنة خارج المدينة. ويصف قادة لجان المقاومة المحلية، ومن بينهم أحمد علي رئيس لجنة مقاومة الأُبيّض، أن الجيش السوداني، رغم وجوده في المطار الدولي ومقر قيادته العسكرية داخل المدينة، لم يقدم دعمًا كافيًا للمدنيين الذين يعانون تفاقم نقص الغذاء والماء والاحتياجات الأساسية. وأدى انهيار الخدمات إلى تداعيات اجتماعية إضافية، من بينها إطلاق سراح نزلاء من سجن الأُبيّض ووقوع أعمال نهب طالت أسواقًا ومخازن تجارية وسط حالة من السخط الشعبي المتصاعد.
إقليميًا، تكمن الأهمية الاستراتيجية لمدينة الأُبيّض في موقعها كنقطة عبور رئيسية تربط إقليم دارفور الخاضع لنفوذ قوات الدعم السريع بالمناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة الجيش، إضافة إلى استضافتها خط أنابيب نفطي وسوقًا كبيرة لتجارة الصمغ العربي، ومقر الفرقة الخامسة للمشاة التابعة للجيش السوداني، المعروفة محليًا باسم "الهجانة". ويرى الباحث السوداني المستقل أحمد بن عمر أن سقوط المدينة "سيُحدث تحولًا استراتيجيًا في مسار الحرب"، موضحًا في تصريحات لقناة الجزيرة أن "المدينة تقع في قلب شبكة تربط دارفور وكردفان ووسط السودان"، وأن سيطرة قوات الدعم السريع عليها ستمنحها خط إمداد مباشر يربط معاقلها الغربية ببقية أنحاء البلاد، ما يحد في المقابل من قدرة الجيش على التحكم في إقليم كردفان بأكمله. وفي ظل تصاعد التحذيرات الدولية، أعلنت الإمارات العربية المتحدة تخصيص 30 مليون دولار كاستجابة إنسانية طارئة لدعم المدنيين المتضررين من الأزمة المتفاقمة في المدينة.
خلفية الصراع
اندلعت الحرب السودانية في أبريل 2023 حين هاجمت قوات الدعم السريع العاصمة الخرطوم، في مواجهة مع الجيش السوداني كانا حليفين سابقين ضمن المجلس العسكري الانتقالي الذي أعقب سقوط نظام الرئيس عمر البشير، قبل أن ينقلب التحالف إلى حرب مفتوحة سرعان ما امتدت إلى بقية أنحاء البلاد. وتُعد هذه الحرب اليوم من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إذ خلّفت عشرات الآلاف من القتلى وأكثر من 14 مليون نازح ولاجئ، كما تسببت في أكبر أزمة نزوح على مستوى العالم، إذ يواجه نحو 25 مليون شخص، أي نصف سكان البلاد تقريبًا، خطر الجوع. وتشهد مدينة الأُبيّض نفسها فصلاً متكررًا من هذا الصراع، إذ سبق أن سيطرت قوات الدعم السريع على مطارها في الأيام الأولى من الحرب عام 2023، قبل أن يتمكن الجيش السوداني من صد عدة هجمات على المدينة، لتحكم القوات شبه العسكرية طوقها الكامل عليها بحلول نهاية مايو من العام نفسه.
استمر هذا الحصار الأول قرابة عامين، شهدت خلالهما المدينة اشتباكات متقطعة أبرزها تبادل النيران بين الطرفين في أبريل 2024 الذي أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، فضلاً عن إسقاط الجيش السوداني عشر طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع في يناير 2025، إلى أن أعلن الجيش رسميًا رفع الحصار عن المدينة في فبراير 2025 بعد نحو عامين من الخنق شبه الكامل. غير أن هذا الاستقرار النسبي لم يدم طويلاً، إذ عاودت قوات الدعم السريع حشد قواتها حول المدينة اعتبارًا من منتصف يونيو 2026. ويأتي هذا التصعيد الحالي بعد أشهر قليلة من سقوط مدينة الفاشر في أيدي قوات الدعم السريع أواخر العام الماضي، عقب حصار دام نحو 18 شهرًا، وثّقت خلاله منظمات حقوقية دولية من بينها منظمة العفو الدولية جرائم وصفتها بـ"جرائم ضد الإنسانية" و"تطهير عرقي"، وهو ما يفسر حدة التحذيرات الأممية الراهنة من تكرار السيناريو ذاته في الأُبيّض.
قراءة ختامية
يقف السودان اليوم عند مفترق حاسم في الأُبيّض، حيث تتقاطع الاعتبارات الإنسانية بالحسابات العسكرية والاستراتيجية. فشل الوساطات الدولية حتى الآن في انتزاع هدنة إنسانية غير مشروطة يجعل احتمال تكرار سيناريو الفاشر واردًا بقوة، خصوصًا مع تشديد قوات الدعم السريع لحصارها وتقدمها المعلن نحو أحياء المدينة. وفي المقابل، يبقى مصير المعركة مرهونًا بقدرة الجيش السوداني على الصمود عبر فرقته الخامسة المتمركزة في المدينة، وبمدى استجابة مجلس الأمن الدولي لدعوات تقييد استخدام الفيتو في ملفات الفظائع الجماعية، وهي دعوة جدد المفوض الأممي لحقوق الإنسان التأكيد عليها. أي تطور عسكري حاسم في الأيام المقبلة، سواء بسقوط المدينة أو بصمودها، سيرسم ملامح المرحلة التالية من الصراع في كامل إقليم كردفان.
