من "الخلافة" إلى الهامش: قراءة في انتحار المشروع السياسي لتنظيم "داعش"

السبت 11/يوليو/2026 - 04:58 م
طباعة من الخلافة إلى الهامش: حسام الحداد
 
تمثل الافتتاحية المعنونة بـ "بئس الثورة والثوّار!" لصحيفة "النبأ"، الصادرة في عددها رقم 305، والمؤرخة بيوم الخميس 9 يوليو 2026. وثيقة إيديولوجية بالغة الأهمية لفهم العقلية الإقصائية والتحول الخطابي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في خضم تعقد المشهد السوري. وتأتي هذه الافتتاحية كأداة تعبوية مركزية تسعى من خلالها الماكينة الإعلامية للتنظيم إلى ممارسة فعل التخوين السياسي والشرعي ضد الفصائل المسلحة الفاعلة على الأرض، مستغلةً التغيرات الميدانية والبراغماتية التي تبنتها قوى المعارضة السورية لإعادة صياغة أدبيات "المظلومية العقائدية" وبث بذور الشك بين الحاضنة الشعبية وقياداتها العسكرية والسياسية.
وتتأسس هذه القراءة النقدية والتحليلية على تفكيك المرتكزات الإيديولوجية والخطابية التي بنى عليها الكاتب طروحاته الراديكالية؛ إذ لا يكتفي النص بمحاكمة "هيئة تحرير الشام" وشخص زعيمها أبي محمد الجولاني (الذي يتعمد المقال وصمه بـ "الجيلاني" بدافع التشوية والتقليل الفكري)، بل يتجاوز ذلك ليجعل من الحدث السياسي المحيط بسوريا منصة لإعلان حرب كلامية شاملة ضد المنظومة الدولية بمختلف قواها. ومن خلال تتبع البنية اللغوية والحجاجية للمقال، نلحظ بوضوح ارتكاز الخطاب على استراتيجية "شيطنة الآخر" وتعميم التكفير الشمولي، حيث يسقط النص أي إمكانية للعمل الدبلوماسي أو المناورة السياسية، مقدماً رؤية انعزالية صفرية تحول الواقع الجيوسياسي المعقد إلى مجرد صراع هوياتي سطحي يعيد إنتاج السرديات العدمية للتنظيم.
من الخلافة إلى الهامش:
التناقض البنيوي وتفكيك خطاب الفصائل
تعتمد الافتتاحية في بنيتها الحجاجية على آلية "المقابلة والمفارقة التاريخية" كأداة رئيسية لتفكيك الخطاب الراهن للفصائل السورية المعارضة. يسعى النص عبر هذه المقارنة إلى إحداث صدمة لدى القارئ من خلال الموازنة بين جيلين؛ جيل "ثوار الأمس" الذين بذلوا دماءهم لمقاومة الاستعمار الفرنسي المباشر في القرن العشرين وأحرقوا ركائز نفوذه الثقافي والسياسي، وبين واقع الفصائل اليوم التي يقودها أبو محمد الجولاني (الذي يسميه النص الجيلاني). ويرى كاتب المقال في استقبال رئيس فرنسا "ماكرون" والترحيب به في مناطق النفوذ المعارِضة سقوطاً رمزياً مدوياً، حيث تحول المستعمر التاريخي في أدبيات هذه الفصائل من "عدو غازٍ" إلى "شريك وصديق" يُحتفى بمشاريعه الثقافية والتعليمية كإعادة افتتاح المدارس الفرنسية، وهو ما يعتبره النص نكوصاً تاريخياً يضرب شرعية هذه الفصائل في الصميم.
وفي سياق متصل، تركز الافتتاحية على ما تسميه "تهاوي الشعارات المرفوعة" وسقوطها في فخ البراغماتية السياسية التي تبنتها قوى المعارضة. ويستدعي النص شعار "سوريا محمد قائدنا للأبد" -وهو الهتاف الرمز الذي ميز المظاهرات السورية في بداياتها- ليؤكد أن الممارسات الحالية للفصائل قد أفرغت هذا الشعار من مضمونه العقائدي. فمن وجهة نظر التنظيم، تم استبدال القوانين والتشريعات الإسلامية التي نادت بها الحاضنة الشعبية بصيغ تساقية وتفاهمات دولية قائمة على استرضاء المنظومة الغربية. هذا التحول نحو "الاعتدال السياسي" والبحث عن القبول الدولي يُصنفه النص باعتباره تنازلاً عن الثوابت العقائدية، حيث يرى في تبني مفاهيم كالديمقراطية أو القوانين الوضعية بدلاً من الشريعة امتداداً للهزيمة الفكرية.
تصل الافتتاحية في فقرتها التحليلية إلى ذروة خطاب التخوين عبر ربط "الانفتاح على الدول الغربية والقبول بالدعم الدولي" بجريمة الخيانة العظمى لدماء التضحيات السابقة. إذ لا يرى الفكر العقدي للتنظيم في هذه التحالفات مناورات سياسية مشروعاً فرضتها تعقيدات المشهد الميداني أو حاجة السكان للإغاثة والدعم، بل يفسرها باعتبارها "ردة صريحة" وتبعية مطلقة للغرب الإمبريالي. ومن خلال هذا الربط، يسعى النص إلى سلب أي شرعية ثورية أو أخلاقية عن الفصائل، وتصويرها كأدوات وظيفية تعمل لحساب قوى خارجية، متناسية تضحيات مئات الآلاف من السوريين، وذلك في محاولة واضحة لإعادة تسويق مشروع تنظيم الدولة باعتباره الخيار الوحيد النقي والملتزم بالثوابت المطلقة دون مساومات.

 النظرة المصلحية وتفسير العلاقات الدولية
يتجلى في هذا الجزء من الافتتاحية تبني التنظيم لتحليل تآمري قاصر ومالوف في أدبياته السياسية، حيث يعجز عن قراءة التعقيدات الجيوسياسية للمشهد السوري إلا من خلال عدسة المؤامرة الكونية المطلقة. يرى النص أن كل المساعي والمحاولات السياسية الرامية لإعادة دمج الجغرافيا السورية في المنظومة الدولية، أو الأطروحات الاقتصادية التي تطمح لتحويل البلاد إلى "ممر دولي لسوق الطاقة العالمية"، ليست سوى مخططات استعمارية خبيثة تهدف إلى استغلال مقدرات الأمة. ومن خلال هذه الرؤية الاختزالية، يتم إسقاط أي أبعاد استراتيجية أو مصالح وطنية قد تجنيها البلاد من خطوط الطاقة أو الربط الاقتصادي، ليتحول المشروع التنموي أو الجيوسياسي في خطاب التنظيم إلى مجرد عملية نهب خارجي ممنهج تباركها الفصائل المحلية.
وفي سياق تبرير هذا التحليل التآمري، يعمد المقال إلى الرفع من وتيرة الهجوم الشخصي والمؤسساتي عبر تصوير أبي محمد الجولاني وقادة الفصائل كـ "حراس للممرات" و"خدام لا شركاء" للدول الغربية. يسعى هذا الطرح الخطابي إلى تجريد قادة المعارضة من أي إرادة سياسية أو سيادة ميدانية، واصفاً إياهم بالوظائفية الخنوعة التي تنفذ أجندات القوى الكبرى دون أن تملك حق الشراكة الحقيقية في القرار أو في تقاسم الثروات. هذا الأسلوب الإقصائي في الوصم يهدف بالدرجة الأولى إلى فصم العرى بين الحاضنة الشعبية وقياداتها الميدانية، من خلال إيهام الجمهور بأن هذه القيادات قد تحولت إلى أدوات أمنية واقتصادية رخيصة تحرس مصالح "المستعمر" على حساب دماء السوريين ومعاناتهم.
تختزل الافتتاحية المشهد الدولي المعقد بكل تحالفاته وصراعاته الإقليمية في تيار تفسيري واحد مستوحى من أدبيات القرون الوسطى، وهو صراع "الدول الصليبية" على "تقاسم الكعكة السورية". ومن خلال هذا الاختزال المجحف، يلغي النص تماماً أي مساحة للمناورة السياسية أو العمل الدبلوماسي المشترك، وهي أدوات مشروعة وضرورية في العلوم السياسية الحديثة تلجأ إليها القوى لتقليل الخسائر، حماية المدنيين من القصف، أو انتزاع مكاسب ميدانية في ظل اختلال موازين القوى العسكرية. إن إنكار التنظيم لجدوى السياسة واعتبار كل تفاهم دولي بمثابة خيانة صريحة، يعكس افتقاره التام لأي أفق سياسي ناضج، ويؤكد تمسكه بخيار الحرب العدمية التي لا تقيم وزناً لحياة البشر أو المصلحة الميدانية الواقعية.

 اختزال مفهوم "المقاطعة" والتغيير الإيديولوجي
تنتقل الافتتاحية إلى تفكيك السلوكيات الجمعية والمواقف الفصائلية تجاه الغرب، موجهةً نقدًا لاذعًا للمقاربات الشعبية والسياسية السائدة في التعامل مع القوى الخارجية. يرى النص أن حصر مفهوم المقاومة أو الممانعة في "مقاطعة المنتجات الاقتصادية والاستهلاكية" (كالألبان والأجبان الفرنسية) هو مجرد استجابة قاصرة، باهتة، بل ويصفها بـ "المبتذلة". ومن منظور التنظيم، فإن هذا النوع من المقاطعة يمثل قشرة سطحية تخفي وراءها عجزاً حقيقياً عن مواجهة النفوذ الغربي؛ إذ كيف يستقيم مقاطعة البضائع التجارية في الوقت الذي يتم فيه فتح الأبواب على مصراعيها للسياسيين والمشاريع الثقافية الغربية؟ هذا الطرح يسعى إلى إحراج الفصائل وإظهار مواقفها الشعبوية بمظهر المتناقض الذي يهرب من المعركة الحقيقية إلى معارك هامشية.
بناءً على هذا النقد، يطرح المقال الرؤية البديلة للتنظيم القائمة على "المقاطعة الشمولية والجذرية" لكل ما ينتجه الغرب، متجاوزاً السلع المادية إلى المنظومات اللامادية. فالمقاطعة الحقيقية في أدبيات التنظيم يجب أن تبدأ من القوانين التشريعية، والأفكار السياسية، وصولاً إلى المناهج التعليمية والتربوية، وهو ما يفسر الهجوم الشرس في الافتتاحية على خطوة "إعادة فتح المدارس الفرنسية الصليبية". يرى النص في هذه المؤسسات التعليمية أدوات لاختراق وعي الأجيال القادمة وغسل أدمغتها، معتبراً أن استيراد النظم الفكرية والتعليمية الغربية هو بمثابة استسلام طوعي، وهزيمة داخلية تكرس التبعية الثقافية وتلغي التميز الهوياتي المفترض للمجتمع المسلم.
يعكس هذا الجزء بوضوح جوهر الفكر الانعزالي المتطرف للتنظيم، الذي يتبنى نظرة راديكالية ترفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاستفادة أو التلاقح الحضاري والعلمي مع المجتمعات الأخرى. فالانفتاح على العلوم الإنسانية الحديثة، أو الاستفادة من النظم التنظيمية والتعليمية المعاصرة، يُصنف في خطاب التنظيم تلقائياً كـ "ذوبان في الطقوس الغربية" وتبعية عمياء تُساق تحت مسميات براقة وخادعة مثل "الحداثة" و"التقدم" و"الانفتاح التاريخي". هذا الانغلاق المعرفي لا يعبر فقط عن الخوف من الآخر، بل يمثل استراتيجية واعية لعزل الأفراد داخل أسوار أيديولوجية مصمتة، تجعل من الجهل بالآليات المعاصرة والتطور الحضاري فضيلة، ومن القطيعة مع العالم شرطاً أساسياً لتحقيق ما يسمونه النقاء العقائدي.

 شمولية التكفير وإقصاء الجميع
تصل الافتتاحية في أجزائها الأخيرة إلى ذروة التعبير عن عقيدتها السياسية الجامدة، حيث تشن هجوماً ضارياً على أي مظهر من مظاهر البراغماتية أو المرونة السياسية في الفضاء الإسلامي. ولا يكتفي النص بمهاجمة فصائل المعارضة السورية فحسب، بل يتعدى ذلك ليجعل من كبريات الحركات الإسلامية الحاكمة هدفاً لخطاب التخوين؛ إذ يستشهد المقال بمشاركة وفد من حركة طالبان في مراسم عزاء رسمية في إيران (مرتبطة بمرشد الثورة خامنئي) ليصم الحركة بـ "الردة". يعكس هذا الاستشهاد إدانة التنظيم المطلقة لآليات "الواقعية السياسية" أو نسج التفاهمات الدبلوماسية التي تفرضها إدارة الدول وبناء العلاقات الإقليمية، معتبراً أن أي تواصل مع الخصوم الأيديولوجيين -حتى لو كان بروتوكولياً أو تمليه المصلحة السياسية المحضة- هو مروق كامل عن الدين، مما يكشف عن عجز أيديولوجي بنيوي في استيعاب مفهوم السياسة الشرعية والمعادلات الدولية المعاصرة.
تتجلى شمولية التكفير لدى التنظيم في صياغته لرؤية كونية صفرية تقسم العالم بصورة حاسمة إلى فسطاطين لا يلتقيان؛ فسطاط الإيمان المحصور في جماعته، وفسطاط الكفر المتمثل في بقية المنظومة الدولية. يعمد النص إلى دمج خصومه وأعدائه بمختلف منطلقاتهم الفكرية والجيوسياسية في سلة واحدة، متجاهلاً التناقضات والصراعات الهائلة فيما بينهم؛ فحسب رؤيته، يتساوى "الكافر الصليبي الغربي، واليهودي، والإيراني الشيعي، والروسي، والصيني الشيوعي". هذا الدمج التعسفي يلغي أي تمايز بين القوى الدولية ويختزل التفاعلات الإنسانية والسياسية في حالة عداء جيني مطلق ضد الإسلام، مما يعزز النزعة الإقصائية التي ترى في الاختلاف الفكري أو السياسي مبرراً كافياً لإعلان الحرب الشاملة.
تؤدي هذه الأيديولوجيا التكفيرية الشمولية حتماً إلى عزل التنظيم بشكل كامل عن أي واقع سياسي أو اجتماعي، حيث تضعه في حالة مواجهة مسلحة دائمة ومفتوحة مع العالم بأسره دون القدرة على تحييد أي طرف أو بناء تحالفات مرحلية. إن هذا الإصرار على استعداء الجميع -من قوى عظمى وحكومات إقليمية وفصائل محلية وحتى المجتمعات الشعبية التي ترفض نهجه- هو ذاته النهج الانتحاري الذي قاد التنظيم تاريخياً إلى التمزق العسكري والسياسي وسقوط خلافتهم المزعومة. فمن خلال إلغاء الهوامش والمساحات الرمادية، وإغلاق الأبواب أمام أي حلول سياسية، حكم التنظيم على نفسه بالتقوقع داخل قوقعة التطرف، لينتهي به المطاف كظاهرة معزولة تفتقد لأي حاضنة شعبية مستدامة، بعد أن أثبتت التجربة الواقعية أن عقيدة "الحرب ضد الجميع" لا يمكن أن تؤسس لمشروع سياسي قابل للحياة.

خلاصة 
إن افتتاحية "النبأ" لا تقدم تحليلاً سياسياً ناضجاً بقدر ما تقدم بياناً تعبوياً حافلاً بالعواطف الإيديولوجية المشحونة. يعتمد النص على المزايدة العقائدية عبر توظيف الآيات القرآنية في غير سياقها لتبرير تكفير المخالفين.
وبينما تحاول الافتتاحية اللعب على أوتار الإحباط الشعبي من تعثر مسار الثورة السورية وتغير تحالفاتها، فإنها تتغافل تماماً عن أن فكر التنظيم "المتطرف" وجرائمه بحق الشعب السوري كانت هي الطعنة الأكبر في خاصرة الثورة، وأن خطابه الانعزالي الصِفري لا يقدم أي مشروع حقيقي لبناء دولة أو حماية مجتمع، بل يكتفي بالهدم والتشكيك والتكفير المطلق.

تفكيك الخطاب العدمي انتحار المشروع السياسي لتنظيم داعش

شارك