زلزال الساحل الأفريقي: فراغ القوة وصدام "الرايات السوداء" وصياغة خرائط النفوذ الجديدة
الثلاثاء 14/يوليو/2026 - 11:44 ص
طباعة
حسام الحداد
لم تعد منطقة الساحل الأفريقي مجرد نطاق جغرافي هش يربط شمال القارة بوسطها، بل تحولت بحلول منتصف عام 2026 إلى البؤرة الجيوسياسية الأكثر اشتعالاً وخطورة على خارطة الأمن العالمي. وجاء هذا التحول الدراماتيكي مدفوعاً بـ "تأثير الدومينو" الناتج عن الانقلابات المتتالية والانسحاب المتزامن للقوات الدولية التقليدية، وعلى رأسها القوات الفرنسية والأمريكية. هذا الفراغ الإستراتيجي المفاجئ لم تملأه جيوش الدول الوطنية الضعيفة هيكلياً، بل تحول الساحل إلى ساحة مكشوفة ومفتوحة لما يُعرف بـ "صدام الرايات السوداء"؛ حيث تتسابق التنظيمات المتطرفة لإعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة الميدانية على حساب سيادة الدولة الوطنية المترنحة.
وتكمن خطورة هذا المشهد في تداخل الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية؛ إذ لم يعد الإرهاب في الساحل مجرد عمليات تشنها خلايا معزولة في مجاهل الصحراء، بل تطور عملياتياً ليتحول إلى سلطة أمر واقع تدير شؤون السكان وتتحكم في المعابر الاستراتيجية وموارد الذهب. هذا التمكين الميداني يغذي صراعاً صفرياً شرساً بين تنظيمي "القاعدة" و"داعش" للبقاء والسيادة، وهو صراع يلقي بظلاله القاتمة جنوباً نحو دول خليج غينيا المستقرة، وشمالاً عبر البحر الأبيض المتوسط مهدداً القارة الأوروبية. ومن هنا، يصبح فهم ديناميكيات هذا الصراع والاصطفاف الدولي الجديد حوله ضرورة قصوى لصياغة أي إستراتيجية مستقبلية قادرة على تفكيك المأزق العسكري الحالي والعبور بالمنطقة نحو الاستقرار.
المشهد الميداني: الساحل تحت وطأة الفراغ والاشتباك
دخل المشهد الميداني في دول "تحالف دول الساحل" (مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر) مرحلة بالغة التعقيد والخطورة، حيث تشير التقارير الميدانية لشبكة الجزيرة ومراكز الرصد المستقلة إلى تحول جذري في طبيعة التهديد الإرهابي. لم يعد التطرف في هذه البؤرة المشتعلة مقتصراً على خلايا نائمة تشن هجمات خاطفة وتلوذ بالفرار في أعماق الصحراء، بل تطور بنيوياً وعملياتياً ليتحول إلى "سلطة أمر واقع" بديلة للمؤسسات الرسمية. تفرض هذه التنظيمات نفوذها المباشر على مساحات جغرافية شاسعة وممتدة عبر الحدود، وتدير شؤون السكان المحليين، وتتحكم في المعابر الاستراتيجية وطرق التجارة الحيوية ومناجم التعدين التقليدية، مستغلة غياب الإدارات الحكومية وضعف الخدمات الأساسية.
على جبهة الفراغ الإستراتيجي، جاء هذا التمدد السريع للمجموعات المسلحة كنتيجة مباشرة للانسحاب الكامل والمفاجئ للقوات الفرنسية (إنهاء عملية برخان)، يليه الإخلاء القسري لآخر القواعد العسكرية واللوجستية الأمريكية في المنطقة وخاصة في النيجر. هذا الخروج المتزامن للقوى الغربية وضع المجالس العسكرية الحاكمة في باماكو ونيامي وواغادوغو أمام معضلة أمنية غير مسبوقة؛ إذ وجدت هذه النظم الناشئة نفسها تواجه أعباء تأمين حدود شاسعة ومفتوحة بإمكانيات دفاعية ذاتية محدودة، ورغم محاولاتها الاستعانة ببدائل دولية أخرى مثل روسيا، إلا أن هذا التحول اللوجستي لم يسد الفجوة الأمنية بالكامل، مما مهد الطريق للتنظيمات الإرهابية للتمدد عمودياً وأفقياً دون عوائق ردع دولية كافية.
عملياتياً، سجلت الساعات والأيام الماضية قفزة تكتيكية ونوعية مقلقة للغاية في الأسلوب القتالي للجماعات المتطرفة بالمنطقة. فقد باتت الهجمات المنسقة تتسم بالتزامن والجرأة الشديدة، مستهدفة المطارات العسكرية والقواعد الحكومية الاستراتيجية والمواقع الحيوية الحصينة. وتجلى هذا التطور في الاستخدام المتزايد والممنهج للطائرات المسيرة (الدرونز) التجارية والمعدلة لأغراض استخباراتية وهجومية، جنباً إلى جنب مع تكتيك "العمليات الانغماسية المزدوجة" التي تعتمد على مجموعات نخبوية انتحارية تقتحم التحصينات وتحدث إرباكاً واسعاً في خطوط الدفاع الخلفية للجيوش الوطنية، مما يثبت بوضوح وجود خطوط إمداد متطورة للأسلحة وتدريب عالي المستوى لم يكن معهوداً لدى هذه التنظيمات في السابق.
أخيراً، يفرض هذا الواقع الميداني المتدهور ضغوطاً متزايدة على الاستقرار الإقليمي لغرب أفريقيا برمتها، حيث يؤكد الخبراء العسكريون لـ الجزيرة أن نجاح التنظيمات في إقامة جيوب سيطرة مستدامة داخل دول التحالف الثلاث يمنحها منصة انطلاق آمنة لتهديد الدول الساحلية الجنوبية المطلة على خليج غينيا. إن غياب التنسيق الأمني بين دول الساحل وجيرانها المباشرين، وتصاعد وتيرة التجنيد القائم على المظالم العرقية والاقتصادية، يحول هذه البؤرة إلى مصنع حقيقي للإرهاب العابر للحدود، مما يضع استراتيجيات الأمن الدولي برمتها على المحك أمام نموذج جديد من الحروب اللامتناظرة التي يصعب التنبؤ بمساراتها أو احتواء آثارها المدمرة.
صدام "القاعدة" و"داعش": صراع البقاء والسيادة الميدانية
تخوض منطقة الساحل الأفريقي اليوم ما يُمكن وصفه بـ "الحرب الأهلية الجهادية" الأكثر شراسة وتدميراً في التاريخ الحديث؛ حيث يتواجه فرعا تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في صراع صفري لا مكان فيه للتحالف أو التعايش. وبحسب توثيق الموسوعات المفتوحة والمصادر الميدانية مثل ويكيبيديا، فإن هذا الصدام المباشر أعاد رسم أولويات هذه التنظيمات، فلم يعد قتال الجيوش النظامية أو القوات الدولية هو الهدف الأوحد، بل أصبح سحق الطرف الآخر وإثبات الأحقية بالسيادة الميدانية المطلقة هو العقيدة القتالية المحركة لآلاف المقاتلين في الساحل، مما جعل المنطقة حلبة تصفية حسابات دموية عابرة للحدود.
في هذا السياق، تبرز "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، الذراع الرسمية لتنظيم القاعدة بقيادة الزعيم التقليدي الطارقي إياد أغ غالي، كقوة عسكرية متجذرة اجتماعياً تتبع استراتيجية "التطويع والاندماج المحلي". تعتمد الجماعة أسلوباً براغماتياً (عملياً) يقوم على استغلال المظالم التاريخية والتهميش التنموي الذي تعاني منه بعض الإثنيات الحيوية في المنطقة، لاسيما قبائل الطوارق والفولاني. ومن خلال إبرام هدن مؤقتة وعقد تفاهمات قبلية لحل النزاعات المحلية على المياه والمراعي، تقدم الجماعة نفسها كـ "حامٍ" محلي بديل للحكومات المركزية الغائبة، مما وفر لها حاضنة شعبية قوية وحماية لوجستية مكنتها من التغلغل بعمق في البنية الاجتماعية لمالي وبوركينا فاسو.
في المقابل، يمثل "تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وغرب أفريقيا" (ISSP / ISWAP)، الذراع الإقليمية لداعش، العقيدة الأكثر دموية ووحشية في مشهد الساحل؛ إذ يتبنى التنظيم رؤية تكفيرية شمولية ترفض مطلقاً أي شكل من أشكال المساومة أو التفاهم القبلي، ويعتبر مجرد الحوار مع القاعدة "ردة عن الإسلام". ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة الأخيرة التي نقلتها شبكة الجزيرة ، فقد تحولت القارة الأفريقية، وتحديداً منطقة الساحل، إلى "المركز الجيوسياسي الثقيل" لعمليات داعش العالمية، حيث يتركز فيها ما يزيد على 80% من الهجمات الإرهابية النشطة للتنظيم حول العالم. ويعود ذلك إلى قدرة التنظيم على جذب العناصر الأكثر راديكالية (تشدداً) وتوظيف العنف المفرط لترهيب الخصوم وإخضاع القرى وتوسيع رقعة "الخلافة" المزعومة.
أما عن طبيعة هذا الصراع الثنائي على الأرض، فإن المعارك الأكثر دموية تتركز في منطقة "الحدود الثلاثية" الاستراتيجية التي تربط مالي بالنيجر وبوركينا فاسو. ولا تقتصر هذه المواجهات على التباين العقائدي والفكري بين نهج القاعدة "المتأني" ونهج داعش "الوحشي المستعجل"، بل تدور في جوهرها حول لغة المال والموارد ونفوذ السيطرة المادية. ويتصارع الطرفان بضراوة لفرض الهيمنة على طرق التهريب العابرة للصحراء الكبرى (السلاح، والمخدرات، والسلع الاستهلاكية)، والسيطرة الكاملة على مناجم الذهب التقليدية المنتشرة في المنطقة والتي تدر ملايين الدولارات شهرياً، فضلاً عن السعي لفرض الضرائب القسرية (التي تطلق عليها التنظيمات اسم "الزكاة") على السكان المحليين كأداة مالية وسيادية لإثبات سلطة الأمر الواقع وقهر الخصوم ميدانياً.
التداعيات المحلية والإقليمية والدولية لنفوذ الإرهاب في الساحل
يتعدى تأثير الزلزال الأمني العنيف الذي يضرب الساحل الإفريقي الحدود الجغرافية الضيقة لهذه الدول، ليلقي بظلاله القاتمة على منظومة الأمن الإقليمي والدولي بأسرها. ووفقاً لتقارير مجلس الأمن الدولي (Security Council Report)، فإن تمدد الجماعات الإرهابية بات يشكل تهديداً وجودياً لكيان الدولة الوطنية في المنطقة. فلم يعد الأمر مقتصراً على تحديات أمنية مؤقتة، بل تحول إلى أزمة مركبة ضربت الاستقرار المجتمعي في مقتل، وتسببت في انهيار الهياكل الاقتصادية لبلدان الساحل التي باتت تعاني اختناقاً شبه كامل؛ حيث أدت لغة السلاح المفروضة ميدانياً إلى نزوح ملايين المدنيين داخلياً وعبر الحدود، وتدمير النظم الزراعية والرعوية، وإغلاق آلاف المدارس، وتفاقم أزمات الغذاء الحادة والخدمات الأساسية في واحدة من أفقر بقاع العالم.
على المستوى الإقليمي، تشير تحليلات شبكة الجزيرة إلى أن الخطر الإرهابي المتصاعد لم يعد محصوراً في النطاق الجغرافي الصحراوي المعزول شمالاً، بل بدأ يتسرب بشكل ديناميكي ومتسارع نحو الجنوب باتجاه دول خليج غينيا وساحل غرب إفريقيا التي ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن هذا النزاع ومستقرة نسبياً. وتواجه دول مثل بنين، وتوغو، وغانا، وساحل العاج ضغوطاً وهجمات متسللة متزايدة على حدودها الشمالية. ويمثل هذا الزحف الجنوبي للجماعات المسلحة خطراً إستراتيجياً داهماً؛ كونه يستهدف الوصول إلى الموانئ البحرية الحيوية وممرات الملاحة الدولية الحساسة في المحيط الأطلسي، مما يهدد بقطع شرايين التجارة الإقليمية وخلخلة الأمن البحري لغرب إفريقيا بأسرها.
أما على الصعيد الدولي، فإن خطورة المشهد تكمن في تحول الساحل الإفريقي إلى "أرض جهاد نموذجية" وبديلة للمسارح التقليدية السابقة في الشرق الأوسط. فقد باتت المنطقة تمثل مغناطيساً جاذباً للمقاتلين الأجانب والشبكات التمويلية من شتى بقاع الأرض، مستغلين الحدود الرخوة وضعف الرقابة الأمنية. ويبدي خبراء الأمن الدوليون مخاوف عميقة من أن تحول الساحل إلى ملاذ آمن ومستدام سيتيح لتنظيمي "داعش" و"القاعدة" فرصة ذهبية لإعادة بناء قدراتهما اللوجستية والعملياتية الخارجية، والانتقال من مرحلة التمكين المحلي إلى مرحلة تخطيط وتوجيه ضربات إرهابية كبرى تستهدف العواصم الغربية والمصالح الحيوية للدول الكبرى في القارة وخارجها.
وتتجلى واقعية هذه المخاوف الدولية في المؤشرات الأمنية الملموسة التي رصدتها الأجهزة الاستخباراتية مؤخراً؛ ومن أبرزها نجاح سلطات دول الجوار الإقليمي (مثل المغرب) في تفكيك خلايا وشبكات تجنيد وتمويل تابعة وموالية لـ "ولاية الساحل". إن هذه الاختراقات الأمنية العابرة للصحراء تكشف بوضوح أن التنظيمات المتطرفة في الساحل بدأت بالفعل في بناء شبكات إسناد قريبة وبعيدة المدى، وأن حدود الخطر لم تعد تقف عند مالي أو بوركينا فاسو، بل أصبحت تهدد حوض البحر الأبيض المتوسط وأمن جنوب أوروبا بشكل مباشر، مما يستدعي إعادة صياغة الإستراتيجيات الأمنية الدولية لمواجهة هذا الخطر الداهم قبل فوات الأوان.
القوى الفاعلة في الملف: تشابك المصالح والاصطفاف الجديد
أدى الانسحاب الدراماتيكي للمعسكر الغربي من منطقة الساحل الإفريقي إلى إعادة هيكلة جذرية للموازين الجيوسياسية، لتدخل المنطقة في مرحلة "استقطاب دولي جديد" ملأ الفراغ الاستراتيجي الذي خلفته القوى التقليدية. وفي صدارة هذا التحول، رسخت روسيا الاتحادية أقدامها كشريك أمني وعسكري رئيسي وأوحد للمجالس العسكرية الحاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وقد اعتمدت موسكو في هذا التغلغل على مأسسة نفوذها عبر إحلال "الفيلق الأفريقي" (Africa Corps) التابع رسمياً لوزارة الدفاع الروسية كبديل هيكلي ومنظم لشبكات "فاغنر" السابقة. ولا تقتصر هذه الشراكة على الدعم الجوي والاستشارات الاستخباراتية وتأمين الأنظمة الحاكمة ضد الهجمات المتطرفة، بل تتقاضى في مقابلها موسكو امتيازات جيواستراتيجية كبرى تشمل عقود استثمار ثقيلة وحقوقاً حصرية للتنقيب عن الذهب واليورانيوم، مما يمنح الكرملين موطئ قدم راسخ على الحدود الجنوبية لأوروبا.
في المقابل، أعادت الولايات المتحدة صياغة مقاربتها العسكرية بعد طرد قواتها وقاعدتها الحيوية للطائرات المسيرة من النيجر، متبنيةً استراتيجية "الردع من الخلف" ونقل الثقل العملياتي إلى الأطراف. وتركز واشنطن جهودها الحالية عبر القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (AFRICOM) على تعزيز التنسيق مع دول الحزام الساحلي لخليج غينيا (مثل غانا، بنين، وساحل العاج). وتتمحور هذه الإستراتيجية الدفاعية حول رصد حركة التنظيمات الإرهابية عبر الاستطلاع الجوي الاستخباراتي المتقدم، وتزويد الجيوش الصديقة بالمعلومات اللوجستية، وتسيير المسيرات الاستطلاعية من القواعد الساحلية الجديدة؛ وذلك بهدف بناء "خط صد دفاعي مرن" يحول دون نجاح تنظيمي القاعدة وداعش في اختراق دول الموانئ الحيوية وتأمين الممرات البحرية في المحيط الأطلسي.
أما الاتحاد الأوروبي، فيمر بأعمق حالات انقسامه وتراجع نفوذه التاريخي في مستعمراته السابقة بالساحل، بعد فشل المقاربات الأمنية الغربية التقليدية في احتواء المد المتطرف. وباتت العواصم الأوروبية، لاسيما باريس وبروكسل، تدرك أن استمرار الانهيار الأمني في الساحل يهدد بشكل مباشر أمنها القومي عبر موجات هجرة غير شرعية غير مسبوقة تتدفق نحو السواحل الإيطالية والإسبانية. ونتيجة لذلك، يركز الأوروبيون جهودهم اليوم على تقديم مساعدات لوجستية وتدريبية وحزم تمويل دفاعية لدول الساحل الأطلسي، في محاولة لإنشاء منطقة عازلة أمنياً تمنع تسلل وتدفق العناصر الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات باتجاه الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
تأسيساً على ما تقدم، يعكس هذا الاصطفاف الجديد مشهداً دولياً معقداً تخيم عليه معادلة "صراع المحاور". وبينما تسعى روسيا لتكريس نفوذها واستغلال المعادن الثمينة مقابل حماية الأنظمة الحاكمة، تحاول القوى الغربية (أمريكا وأوروبا) التكيف مع واقع طردها عبر بناء تحالفات بديلة تعتمد الأمن الوقائي في خليج غينيا. إن هذا التشابك الحاد في المصالح والتباين الجذري في الأهداف الاستراتيجية بين القوى الكبرى الفاعلة يجعل من الساحل ساحة لتصفية الحسابات الدولية، مما يضعف آمال الوصول إلى استراتيجية أمنية عالمية موحدة وفعالة قادرة على استئصال شأفة الإرهاب المتنامي في المنطقة.
استراتيجيات المواجهة المقترحة: الخروج من المأزق العسكري الصرف
أثبتت تجارب العقدين الماضيين في منطقة الساحل الإفريقي وبشكل قاطع أن المقاربات الأمنية والحلول العسكرية البحتة –رغم ضرورتها الميدانية المؤقتة– تظل عاجزة بمفردها عن استئصال شأفة الإرهاب أو دحر التنظيمات المتطرفة بشكل مستدام. إن تفكيك هذه المعضلة الجيوسياسية المعقدة يتطلب مغادرة مربع ردود الفعل العسكرية التقليدية، والذهاب نحو تبني إستراتيجية مواجهة شاملة ومتعددة الأبعاد، تعي تماماً أن السلاح وحده لا يمكنه كسر حلقة العنف المفرغ مالم ترافقه جبهات موازية تسير على مسارات التنمية البديلة، والمصالحات المجتمعية، وإعادة هندسة التعاون الاستخباراتي الإقليمي لسد الثغرات التي خلفها انسحاب الفواعل الدولية.
وتأتي أولى الركائز الإستراتيجية متمثلة في ضرورة إعادة بناء جسور الثقة المفقودة بين مؤسسات الدولة الوطنية والمجتمعات المحلية في المناطق الريفية والحدودية النائية. ويتطلب هذا المسار توجيه الاستثمارات الدولية والجهود الحكومية لمعالجة الجذور البنيوية والاجتماعية للأزمة، والتركيز على مكافحة الفقر المزمن، وسد الفراغ التنموي والخدمي الشامل، وإنهاء التمييز الإثني الممنهج ضد مجموعات بعينها مثل الطوارق والفولاني. إن توفير الإدارات الحكومية لسبل العيش الكريم، والتعليم، والمياه، والعدالة القضائية يمثل خط الدفاع الأول والوسيلة الأكثر فاعلية لقطع الطريق على تنظيمي القاعدة وداعش، واللذين يتغذيان بالأساس على تهميش هذه المجتمعات واستغلال مظالمها لشرعنة وجودهما وتجنيد عناصر جديدة.
أما المسار الثاني، فيركز على تشجيع وتوسيع مسارات الحوار المحلي والمصالحات الأهلية بعيداً عن الصيغ الإقصائية. لقد كشفت التجارب الميدانية في مالي وبوركينا فاسو أن إبرام بعض الهدن المحلية المؤقتة والاتفاقيات العرفية بين الزعامات القبلية والمجموعات المسلحة قد نجح بالفعل في حقن دماء المدنيين، وفتح ممرات آمنة للقوافل الإنسانية، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الموضعي. وينبغي على صناع القرار تطوير هذه المبادرات الأهلية واستخدامها كأدوات اختراق لشق صفوف التنظيمات المتطرفة؛ وذلك عبر تصميم برامج جاذبة للعفو العام وإعادة الدمج تهدف إلى تشجيع وتسهيل انشقاق المقاتلين المحليين (الذين انضموا لهذه الجماعات لأسباب اقتصادية أو بدافع الخوف وحماية عائلاتهم) وعزل النواة العقائدية المتشددة وغير القابلة للحوار والتفاوض.
وفي الجانب العملياتي والحدودي، لا يمكن صياغة أي نصر حقيقي على الإرهاب دون تأسيس "هندسة أمنية إقليمية بديلة" تتجاوز تشتت وتفكك الهياكل السابقة. إن مكافحة جماعات عابرة للحدود تتحرك بمرونة وسرعة في جغرافيا الصحراء الشاسعة تتطلب من دول الساحل وجيرانها في خليج غينيا تخطي الخلافات السياسية البينية وبناء منصات تنسيق استخباراتي فوري وتبادل معلوماتي مرن. ويجب أن تركز هذه المنظومة الإقليمية الجديدة على تفعيل لجان أمنية مشتركة ودوريات حدودية منسقة قادرة على إحكام السيطرة على المنافذ الرخوة والممرات الوعرة، لمنع تسلل المسلحين وسد الفجوات اللوجستية التي نشأت عقب انسحاب الجيوش الغربية، مما يحول دون تمدد خلايا التطرف صوب الجنوب ويحمي الأمن القومي للقارة ككل.
تأسيساً على ما تقدم، يثبت المشهد المعقد في الساحل الأفريقي أن مقاربات "الحديد والنار" والحلول العسكرية الصرفة قد بلغت مداها الأقصى دون تحقيق حسم حقيقي، بل ربما ساهمت في تعميق الأزمة عبر إهمال جذورها البنيوية. إن مستقبل الساحل لا يكمن في تحويل جراحه إلى ساحة لتجريب النفوذ الدولي وصراع المحاور بين الشرق والغرب، بل في إعادة صياغة العقد الاجتماعي واستعادة ثقة المجتمعات المحلية في الدولة الوطنية كراعية للتنمية والعدالة والمواطنة الشاملة. إن لم يدرك المجتمع الدولي والقوى الإقليمية الفاعلة أن "الإنسان والتنمية" هما خط الدفاع الأول والأقوى ضد الراديكالية، فإن الثقب الأسود في الساحل سيستمر في التمدد، مصدراً لعدم الاستقرار ومصدراً لموجات جديدة من العنف العابر للحدود والقارات.
