تقرير حقوقي: انتهاكات طائفية ممنهجة ضد مدنيين علويين في طرطوس (2025-2026)

الأحد 19/يوليو/2026 - 03:20 م
طباعة تقرير حقوقي: انتهاكات علي رجب
 
وثّقت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" في تقرير جديد سلسلة من الانتهاكات التي طالت مواطنين سوريين من أبناء الطائفة العلوية في مدينة طرطوس وعدد من قرى ريف صافيتا، خلال الفترة الممتدة بين ديسمبر 2025 وأبريل 2026، ونسبتها إلى مسلحين يُعتقد أنهم ينتمون إلى أجهزة أمنية تابعة للسلطة الانتقالية.
واستند التقرير إلى 11 مقابلة أجرتها المنظمة مع شهود وضحايا عايشوا الأحداث مباشرة، بعد الحصول على موافقتهم المستنيرة واستخدام أسماء مستعارة حفاظاً على سلامتهم. 
وخلصت الوثيقة إلى أن الانتهاكات تنوعت بين التوقيف التعسفي في الأماكن العامة على أساس طائفي، والتحرش الجنسي، والسرقة والابتزاز المصحوبين بخطاب طائفي، إلى جانب إساءة استخدام السلطة على الحواجز الأمنية.
سؤال واحد يحدد المصير: "علوي أم سني؟"
بحسب الشهادات، شكّل التوقيف على الهوية الطائفية النمط الأكثر تكراراً في الحوادث الموثقة، إذ كان أول سؤال يطرحه المسلحون على ضحاياهم هو تحديد انتمائهم الديني، لتُبنى على الإجابة عنه معاملتهم اللاحقة.
من بين الحالات الموثقة، روى نورس، وهو أخصائي تغذية من مواليد 2004، أنه تعرض للتوقيف في مطلع أبريل بينما كان برفقة صديقته على كورنيش طرطوس، حين اعترض طريقهما أربعة مسلحين قالوا إنهم من "قوى الأمن الداخلي"، يستقلون مركبة تحمل لوحة تسجيل من إدلب ممسوحة الرقم. سأله المسلحون عن طائفته ودوّنوا بياناته، وألزموه بالتواصل مع أهل صديقته للتحقيق في علاقته بها.
وفي حادثة مشابهة، أفاد رواد، طالب الصيدلة من مواليد 2006، بأنه تعرض مع ثلاثة من أصدقائه للضرب والتهديد بالقتل وللإهانات الطائفية على يد مسلحَين، ليلة 24 أبريل، أثناء جلوسهم على الكورنيش نفسه. 
ولاحظت المنظمة تطابقاً في أوصاف المركبات المستخدمة في عدة حوادث متباعدة جغرافياً، وهو ما اعتبرته مؤشراً على وجود تحرك منظم يتجاوز التصرفات الفردية العشوائية، وليس مجرد سلوك عشوائي لأفراد متفرقين.
اعتداءات جنسية وتحرش تحت التهديد
سجّل التقرير حوادث تحرش جنسي وإهانات قائمة على النوع الاجتماعي طالت نساء وفتيات، من أبرزها ما رواه فراس، سائق سيارة أجرة من مواليد 1988، الذي أوقفه مسلحون مساء 9 نيسان/أبريل أثناء إيصاله ابنة صديقه القاصر إلى منزلها. وبحسب روايته، جلس أحد المسلحين في مقعد السيارة الخلفي وبدأ بالتحرش بالفتاة، وصفعها حين حاولت الصراخ، ثم تعرض هو لضرب جماعي مبرح حين حاول التدخل، إلى جانب والد الفتاة الذي وُصف بعبارات مهينة عند وصوله.
كما وثّقت المنظمة شهادة راما، الصيدلانية من مواليد 1992، التي أوقف مسلحان سيارتها في وضح النهار يوم 6أبريل وكان برفقتها طفلها ذو الأربع سنوات. وتضمّن الاستجواب أسئلة مهينة ذات طابع جنسي، وتهديداً صريحاً بتقديمها كجارية، إضافة إلى ترهيب الطفل بالتهديد بالذبح، ما استدعى إحالته لاحقاً للعلاج النفسي.
نهب وابتزاز بغطاء طائفي
إلى جانب الانتهاكات الجسدية والجنسية، رصد التقرير أربع حوادث على الأقل تضمنت سرقة صريحة أو إتلافاً للممتلكات مصحوباً بتبرير طائفي. فقد أفاد سمير، المهندس المدني من مواليد 1999، بأن مسلحاً انتزع منه مشترياته وكسرها فور خروجه من متجر قريب من منزله، مرفقاً ذلك بعبارات طائفية مهينة قبل صفعه. وتعرّض عامر، فني الميكانيك، لمحاولة إحراق مباشرة بعد مطالبته مسلَّحين بثمن وقود أخذاه منه دون مقابل.
أما أنور، فني دهان السيارات، فروى أن مسلَّحين رفضا دفع أجره بعد إنجازه عملاً في ورشته، وحين أصر على حقه أطلقا النار على بضاعته المعروضة على الرفوف، قبل أن يغادرا المكان دون أن يتمكن من الاعتراض.
غياب المساءلة وتواطؤ مؤسسي
يشير التقرير إلى أن سبعاً من أصل 11 شهادة موثقة تكشف عن امتناع الأجهزة الأمنية والقضائية عن اتخاذ أي إجراء فعلي لإنصاف الضحايا. ففي أكثر من حادثة، رفضت عناصر الشرطة تسجيل الشكاوى أو قيّدتها ضد مجهول رغم توفر أوصاف دقيقة لمرتكبي الانتهاكات وأرقام لوحات مركباتهم. وفي حالة "رواد"، كشف تصرف أحد عناصر الشرطة عن معرفة مسبقة بهوية الجناة، وهو ما أكده لاحقاً صديق الضحية.
وفي حادثة أخرى، مُزّق محضر الضبط علناً أمام الضحية، ولم يُعَد تحريره إلا بتدخل وسيط غير رسمي. 
وعلى الصعيد القضائي، أفاد محامٍ يمارس مهنته في قصر عدل طرطوس بأن القضاء بات منحازاً بشكل ممنهجي، محذراً من أن رفع دعوى ضد عناصر أمنية قد يعرض أصحابها لمخاطر تفوق ما يمكن أن يحققوه من إنصاف، وهو ما دفعه لنصح موكليه بالعدول عن الادعاء.
ويؤكد التقرير أن مناخ الإفلات من العقاب هذا دفع ثمانية من أصل 11 من الشهود والضحايا إلى اتخاذ قرار حازم بالهجرة من سوريا، بين من ينتظر عقد عمل في الخارج، ومن يُحضّر أبناءه لتعلم لغة أجنبية تمهيداً للسفر، وآخر قرر بيع ممتلكاته وإغلاق محله التجاري.
السلطات المسؤولة
بحسب التقرير، تقع الانتهاكات الموثقة ضمن نطاق سيطرة الحكومة الانتقالية السورية برئاسة أحمد الشرع، التي تمارس صلاحياتها عبر مؤسسات مدنية وأمنية وعسكرية مترابطة. ويشرف وزير الداخلية أنس خطاب على أجهزة الأمن الداخلي في المحافظة، فيما يتولى وزير الدفاع مرهف أبو قصرة قيادة الوحدات العسكرية العاملة فيها.
أما على المستوى المحلي، فيتولى محافظ طرطوس أحمد الشامي ونائبه سامي الزخ الإشراف الإداري على المحافظة، ويقود العقيد عبد العال محمد عبد العال جهاز الأمن الداخلي فيها، بينما يتمركز العميد منير الشيخ قائداً للفرقة 56 ومعاونه أسعد حمود التركاوي. وعلى محور طرطوس-صافيتا تحديداً، حيث وقع عدد من الحوادث الموثقة، يتولى أحمد الشيخ يوسف مسؤولية إدارة الأمن الداخلي في صافيتا والحواجز المنتشرة على هذا الطريق.
توصيفات قانونية وتوصيات
اعتبرت المنظمة أن الوقائع الموثقة تشكل انتهاكاً صريحاً لمبدأي المساواة وعدم التمييز الواردين في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى انتهاك الحق في الحرية والأمان الشخصي والحق في الحياة، وحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، وحرية الفكر والمعتقد. كما رأت أن هذه الوقائع ترقى، بموجب قانون العقوبات السوري، إلى جرائم سلب الأموال بالعنف والشروع في القتل والإيذاء المتعمد، فضلاً عن جرائم إثارة النعرات الطائفية وحرمان الحرية الشخصية.
وأوصت المنظمة الحكومة الانتقالية بإصدار أوامر واضحة تحظر توقيف المدنيين على أساس طائفي، وفتح تحقيق في حوادث امتناع الشرطة عن تسجيل الشكاوى، وإنشاء آلية مستقلة لتلقي الشكاوى، وإخضاع العناصر الأمنية لتدريبات تتعلق بمدونة قواعد السلوك الأممية. 
كما دعت آليات الأمم المتحدة المعنية بسوريا إلى إدراج هذه الانتهاكات ضمن تحقيقاتها الجارية، وحفظ الأدلة المرتبطة بها تمهيداً لمساءلة مستقبلية، فضلاً عن دعوة المقررين الخاصين لإجراء زيارات ميدانية لا تقتصر على دمشق.
وفي ختام توصياتها، طالبت المنظمة الدول والجهات الدولية الداعمة للعملية الانتقالية بربط أي دعم يُقدَّم للأجهزة الأمنية السورية بمعايير واضحة لحماية المدنيين ووقف الانتهاكات الطائفية، والتحقق من عدم وصول هذا الدعم إلى وحدات متورطة في الانتهاكات، إلى جانب دعم منظمات المجتمع المدني السورية المستقلة العاملة في توثيق هذه الملفات وسط بيئة عمل محفوفة بالمخاطر.

شارك