تحدي لارهاب بوكو حرام.. رسامة 22 كاهنًا جديدًا تؤكد صمود الكنيسة في نيجيريا

الإثنين 20/يوليو/2026 - 11:41 ص
طباعة تحدي لارهاب بوكو روبير الفارس
 


في وقت لا تزال فيه الكنيسة  في نيجيريا تدفع ثمنًا باهظًا من دماء كهنتها ومؤمنيها، حملت أبرشية نوي بولاية أنامبرا رسالة رجاء قوية بسيامة 22 كاهنًا جديدًا، في مشهد اعتبره كثيرون إعلانًا بأن الإرهاب والعنف لن ينجحا في إخماد رسالة الكنيسة أو وقف الدعوات الكهنوتية.
فالبلد الذي شهد خلال السنوات الأخيرة اختطاف عشرات الكهنة وقتل عدد منهم على أيدي جماعات إرهابية وعصابات إجرامية، يشهد في الوقت نفسه ازدهارًا ملحوظًا في الدعوات الكهنوتية، خصوصًا في الولايات الجنوبية والجنوبية الشرقية ذات الأغلبية المسيحية، في مفارقة تؤكد أن الاضطهاد لم يضعف الكنيسة، بل زادها تمسكًا برسالتها.
وترأس أسقف نوي، المطران يوناس بنسون أوكوي، قداس السيامة في كاتدرائية سيدة الانتقال، بحضور آلاف المؤمنين وعائلات الكهنة الجدد، الذين استقبلوا رسامتهم وسط أجواء احتفالية امتزجت فيها مشاعر الفرح بالوعي بحجم التحديات التي تنتظرهم في الخدمة الرعوية.
وقال الأسقف في عظته إن الكاهن مدعو إلى أن يكون خادمًا للإنجيل مهما كانت الظروف، مشددًا على أن الدعوة الكهنوتية ليست طريقًا للامتيازات، بل للاستعداد للعطاء والتضحية في سبيل المسيح والكنيسة.
وفي لفتة لاقت اهتمامًا واسعًا داخل نيجيريا، قدّم الأسقف لكل كاهن جديد سيارة تساعده على الوصول إلى الرعايا المنتشرة في مناطق الأبرشية، حيث تتطلب الخدمة الرعوية التنقل لمسافات طويلة، ولا سيما في القرى والمناطق الريفية.

 الكنيسة التي تنزف.

تحمل هذه السيامات دلالة خاصة في بلد أصبح من أخطر الأماكن في العالم على رجال الدين.
ففي السنوات الأخيرة، تعرّض عشرات الكهنة للاختطاف مقابل طلب فدية، بينما قُتل عدد منهم أثناء خدمتهم الرعوية أو خلال عمليات الخطف. وتشير تقارير كنسية إلى أن عام 2025 وحده شهد سلسلة من الاعتداءات الدامية التي استهدفت كهنة ورهبانًا في ولايات عدة، بينها بنو، وكادونا، وإيمو، وإيدو، وأوندو، وأنامبرا.
ولا تقتصر معاناة الكنيسة على رجال الدين، إذ تتعرض قرى مسيحية بأكملها لهجمات متكررة، خاصة في ولايات الحزام الأوسط، حيث قُتل الآلاف خلال الأعوام الماضية، واضطر كثيرون إلى النزوح من منازلهم.
وتتهم الكنيسة والجماعات الحقوقية جماعات متطرفة، مثل بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا، إلى جانب مجموعات مسلحة وعصابات إجرامية، بالوقوف وراء جانب كبير من أعمال القتل والخطف، فيما تؤكد أيضًا أن بعض الاعتداءات ترتبط بصراعات محلية على الأراضي والموارد، لكنها كثيرًا ما تأخذ طابعًا دينيًا عندما تستهدف التجمعات المسيحية ورجال الدين.

 رسالة تحدٍ للإرهاب

وسط هذا الواقع، تبدو سيامة 22 كاهنًا جديدة أكثر من مجرد احتفال كنسي؛ فهي رسالة واضحة بأن الكنيسة تواصل إعداد خدامها رغم المخاطر.
فكل واحد من هؤلاء الكهنة يدرك أنه يدخل خدمة قد تقوده إلى مناطق تشهد تهديدات أمنية، وأن الدعوة الكهنوتية في نيجيريا لم تعد مجرد رسالة رعوية، بل قد تصبح أيضًا شهادة تُدفع ثمنًا لها بالحرية أو حتى بالحياة.
ورغم ذلك، لا تزال الإكليريكيات في نيجيريا تستقبل أعدادًا كبيرة من الشباب الراغبين في تكريس حياتهم للكهنوت، حتى أصبحت البلاد من أكثر دول العالم ازدهارًا في الدعوات الكهنوتية، في وقت تعاني فيه كنائس عديدة في أوروبا وأمريكا الشمالية من تراجع واضح في أعداد الإكليروس.

 الإيمان أقوى من الخوف

يرى مراقبون أن المشهد الذي شهدته كاتدرائية سيدة الانتقال في نوي يحمل رسالة تتجاوز حدود الأبرشية. ففي الوقت الذي يسعى فيه الإرهاب إلى بث الخوف وإفراغ المناطق المسيحية من حضورها، جاءت سيامة هذا العدد الكبير من الكهنة لتؤكد أن الكنيسة النيجيرية لا تزال تنبض بالحياة، وأن دماء الشهداء والكهنة الذين قُتلوا أو اختُطفوا لم تُطفئ الدعوة، بل ألهمت جيلًا جديدًا من الخدام.

وهكذا، بينما تستمر أخبار الاختطاف والقتل في تصدر العناوين، خرج من قلب نيجيريا عنوان آخر أكثر قوة: اثنان وعشرون كاهنًا جديدًا يحملون الإنجيل إلى شعبهم، في إعلان بأن الإيمان لا يُهزم بالعنف، وأن الكنيسة، مهما اشتدت عليها المحن، تواصل رسالتها وتؤكد بقاءها.

شارك