الحرب على الكنيسة الكاثوليكية في نيكاراجوا.. لماذا يستهدف نظام ألحكم الكنيسة؟
الإثنين 20/يوليو/2026 - 11:44 ص
طباعة
روبيرالفارس
تحولت نيكاراجوا خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية تضييقًا على الحرية الدينية، بعدما دخلت الكنيسة الكاثوليكية في مواجهة مفتوحة مع نظام الرئيس دانييل أورتيجا ونائبته وزوجته روزاريو موريو. ولم تعد الإجراءات الحكومية تقتصر على انتقاد رجال الدين، بل امتدت إلى الاعتقالات والنفي، وإغلاق المؤسسات، ومصادرة الممتلكات، ومنع الاحتفالات الدينية، في حملة تصفها منظمات حقوق الإنسان بأنها "الأوسع ضد الكنيسة في تاريخ البلاد الحديث".
وتكشف تقارير حديثة أن السلطات منعت عشرات الآلاف من الأنشطة الدينية، وجمدت معظم الحسابات المصرفية التابعة للكنيسة، وأغلقت مئات المؤسسات والجمعيات الكنسية، بينما اضطر مئات الكهنة والرهبان والراهبات إلى مغادرة البلاد أو مُنعوا من العودة إليها، في وقت يخضع فيه رجال الدين الذين بقوا داخل نيكاراغوا لمراقبة أمنية مشددة.
بداية الأزمة
بدأت المواجهة بصورة حادة عقب الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عام 2018 ضد حكومة دانييل أورتيجا، عندما فتحت الكنائس أبوابها لاستقبال الجرحى والفارين من أعمال العنف، كما لعب الأساقفة دورًا في محاولة الوساطة بين الحكومة والمعارضة.
غير أن الحكومة اعتبرت أن الكنيسة انحازت إلى المحتجين، وبدأت تتهم عددًا من الأساقفة والكهنة بالعمل السياسي ومحاولة إسقاط النظام، لتتحول العلاقة تدريجيًا إلى صدام مباشر.
من يقود الحملة؟
تقود الحملة حكومة الرئيس دانييل أورتيجا، الزعيم التاريخي للجبهة الساندينية، بالتعاون مع زوجته روزاريو موريو، التي تتولى دورًا محوريًا في إدارة الدولة. ويرى منتقدو النظام أن السلطة تسعى إلى القضاء على آخر مؤسسة مستقلة ما زالت تتمتع بثقة شعبية واسعة داخل البلاد.
أشكال الاستهداف
خلال السنوات الماضية اتخذت السلطات سلسلة واسعة من الإجراءات ضد الكنيسة، من أبرزها:
اولا اعتقال عدد من الأساقفة والكهنة ثم نفيهم خارج البلاد.
ثانيا تجريد بعض رجال الدين من الجنسية النيكاراجوية.
ثالثا طرد مئات الكهنة والرهبان والراهبات أو منعهم من دخول البلاد.
رابعا إغلاق وسائل إعلام كاثوليكية وإذاعات تابعة للأبرشيات.
خامسا تجميد الحسابات البنكية للكنيسة ومصادرة ممتلكات ومؤسسات دينية.
سادسا حل مئات الجمعيات والمنظمات الكنسية.
سابعا حظر المواكب والاحتفالات الدينية العامة، بما فيها مواكب أسبوع الآلام، وقصرها داخل الكنائس فقط
ثامنا فرض رقابة أمنية على الكهنة، وإلزام بعضهم بإبلاغ الشرطة بتحركاتهم وزياراتهم الرعوية.
. رمز المواجهة
أصبح الأسقف رولاندو ألفاريز أبرز وجوه الأزمة، بعدما انتقد سياسات الحكومة بصورة علنية. فاعتُقل، وصدر بحقه حكم بالسجن، ثم جُرد من جنسيته قبل أن يُنفى لاحقًا إلى الفاتيكان مع عدد من رجال الدين.
وتحولت قضيته إلى رمز للاضطهاد الديني في نيكاراجوا، فيما واصل النظام توجيه انتقادات حادة للفاتيكان عقب ظهوره الإعلامي من منفاه.
لماذا تستهدف الحكومة الكنيسة؟
يرى مراقبون أن الكنيسة الكاثوليكية تمثل آخر مؤسسة مستقلة تمتلك نفوذًا شعبيًا واسعًا داخل نيكاراجوا، ولذلك يعتبرها النظام مصدرًا محتملاً للمعارضة.
كما أن رفض عدد من الأساقفة انتهاكات حقوق الإنسان، ودفاعهم عن المعتقلين السياسيين، جعلهم في مواجهة مباشرة مع السلطة، التي تتهمهم باستغلال الدين لأغراض سياسية، بينما تؤكد الكنيسة أنها تدافع عن الحقوق الأساسية للمواطنين وحرية الضمير.
تحت الحصار
تشير شهادات كهنة ومنفيين إلى أن إقامة القداسات لا تزال ممكنة داخل الكنائس، لكن أي نشاط خارجها يخضع لقيود صارمة، بينما تنتشر عناصر الأمن حول عدد من الكنائس خلال المناسبات الدينية.
كما تؤكد تقارير حديثة أن آلاف المواكب والاحتفالات الشعبية المرتبطة بالإيمان المسيحي مُنعت خلال السنوات الأخيرة، في واحدة من أكبر حملات تقييد الممارسات الدينية في المنطقة.
موقف الفاتيكان
أعرب الكرسي الرسولي مرارًا عن قلقه من تدهور أوضاع الحرية الدينية في نيكاراغوا، بينما دعت منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان والحريات الدينية إلى وقف الانتهاكات والإفراج عن رجال الدين المعتقلين، معتبرة أن ما يجري يمثل استهدافًا ممنهجًا للمؤسسات الدينية المستقلة. كما واصلت الولايات المتحدة وهيئات دولية توثيق القيود المفروضة على الكنيسة، وسط دعوات لاحترام حرية العبادة وحقوق الإنسان.
ورغم هذا المشهد، يؤكد كهنة ومنفيون أن الكنيسة في نيكاراجوا لا تزال تواصل رسالتها الروحية، ولو في ظروف بالغة الصعوبة، فيما يرى كثيرون أن الصراع لم يعد خلافًا سياسيًا عابرًا، بل معركة تمس حرية الدين واستقلال المؤسسات الدينية في البلاد.
