ما بعد سقوط الجغرافيا: كيف يعيد تنظيم «داعش» تشكيل خريطته الميدانية؟

الأربعاء 22/يوليو/2026 - 12:27 م
طباعة ما بعد سقوط الجغرافيا: حسام الحداد
 
لم يكن انهيار الهيكل المادي لما سمي بـ "دولة الخلافة" في عام 2019 نقطة نهاية لتنظيم «داعش»، بل كان بداية لعملية تحول أيديولوجي وتنظيمي معقدة فرضتها متطلبات البقاء تحت ظروف الهزيمة العسكرية الشاملة. فبعد سنوات من الاعتماد على نموذج السيطرة المكانية والحوكمة المباشرة للمدن والسكان في العراق وسوريا—وهو النموذج الذي أثبت تهافته وقاتليته أمام التفوق الناري والتكنولوجي للتحالفات الدولية والإقليمية—وجد التنظيم نفسه أمام حتمية المراجعة والتكيف. ومن هذا الرحم المأزوم، ولدت استراتيجية «إعادة المعايرة» (Recalibration)؛ وهي عملية إعادة هيكلة شاملة نقلت التنظيم من طور "الدولة المكشوفة" إلى طور "الشبكة الهلامية العصية على الاستئصال".
وتأتي أهمية قراءة هذه الاستراتيجية المحدثة، التي سلطت الضوء عليها تقارير صحيفة The Guardian ومؤسسة The Soufan Center البحثية، من كونها تكشف عن فهم عميق لدى قيادات التنظيم للثغرات الأمنية والجيوسياسية القائمة في المنطقة. فالتحول نحو "الشبكية" لا يعني مجرد تراجع تكتيكي في الميدان، بل هو انتقال محسبو إلى فلسفة أمنية أشد خطورة، تستبدل حلم "إدارة الدولة" بـ "إنهاك خصومها". يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الاستراتيجية الناتجة عن التقاء الطموح الأيديولوجي بالتكيف العملياتي، مع تقديم قراءة نقدية للبيئة الإقليمية والدولية التي أتاحت للتنظيم مساحات جديدة للنفس والاستمرار، وصولا إلى استشراف التبعات الأمنية المتوقعة على المستويين الإقليمي والدولي.

من وهم «السيطرة» إلى فلسفة «الإنهاك الشبكي»
تشير استراتيجية «إعادة المعايرة» إلى تحول مفصلي وواعي في عقيدة العمل الميداني لدى التنظيم، حيث انتقل من نموذج «الدولة الفاقدة للمرونة» التي تحكمها الجغرافيا والحدود، إلى نموذج «العصابة الشبكية عالية المرونة» العصية على التتبع. لقد أدرك التنظيم أن كلفة الاحتفاظ بالمدن والسيطرة المكشوفة أصبحت باهظة أمام التفوق الجوي والتكنولوجي للتحالفات الدولية؛ لذا تخلى طواعية عن أعباء "الحوكمة" وإدارة الخدمات ومؤسسات الإدارة المحلية. هذا التخفيف الهيكلي أتاح له تحويل موارده المتبقية بالكامل نحو استراتيجية مرنة قائمة على «حرب الاستنزاف» طويلة المدى، واستهداف خصومه عبر عمليات نوعية دون الحاجة إلى تثبيت حضور جغرافيا دائم.
وفي صدارة الأركان الهيكلية لهذه الاستراتيجية، يأتي استغلال الفراغات الجغرافية والأمنية كمرتكز عملياتي رئيسي. يتغذى التنظيم على التضاريس المعقدة كالبادية السورية الممتدة، والمناطق الحدودية الرخوة، إضافة إلى المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان. هذه المساحات الشاسعة تشكل بيئة مثالية للاختباء وإعادة التجميع، حيث يستفيد التنظيم من تقاطع الصلاحيات وتضارب الأولويات الأمنية بين القوى الفاعلة على الأرض، مما يمنحه ملاذات آمنة ونقاط انطلاق استراتيجية لإدارة عملياته بعيدا عن أجهزة الرصد والاستخبارات.
أما الركن الثاني، فيتجلى في الاستهداف الاقتصادي والرمزي المدروس؛ إذ يركز التنظيم ضرباته على البنى التحتية الحيوية كحولات النفط، ومحطات الكهرباء، وخطوط الإمداد، بهدف تعطيل جهود التعافي الاقتصادي ومضاعفة الضغوط المالية على السلطات المحلية. يرافق هذا التدمير المادي مخطط اغتيالات ممنهج يطال الوجهاء العشائريين والقادة المحليين والمسؤولين الإداريين. ويهدف التنظيم من خلال هذا العنف الموجه إلى إحداث حالة من الفراغ القيادي والمجتمعي، وقطع الطريق أمام تشكل أي بيئة محلية متماسكة أو مجالس عشائرية قد تتكاتف لمواجهته طرديا أو استخباراتيا.
ويكتمل هذا البناء التكتيكي بركن ثالث يقوم على استراتيجية «الكر والفر» أو التوارث والانسحاب السريع. يعتمد التنظيم في تحركاته الميدانية على خلايا نائمة صغيرة ومستقلة تنفيذيا، تتشكل في مجمعات مرنة شن هجمات مباغتة وخاطفة ضد ثكنات القوات الأمنية أو المنشآت الحيوية، ثم تتوارى سريعا في عمق الصحراء أو الملاجئ الخفية دون أدنى محاولة للاحتفاظ بالتموقع الميداني. هذا التكتيك يمنع القوات النظامية من توظيف تفوقها الناري والتكتيكي في مواجهات مباشرة، ويبقي الأجهزة الأمنية في حالة استنزاف واستنفار دائمين ضد عدو "شبح" يختار زمان ومكان الضربة ثم يختفي في بؤر المساحات المفتوحة.

رؤية نقدية للواقع الميداني.. لمن تعود المسؤولية؟
في التقييم النقد التحليلي، يخطئ من يرجع قدرة تنظيم «داعش» على تنفيذ استراتيجية «إعادة المعايرة» إلى قوته الذاتية الفائقة أو تفوقه التكتيكي المجرد؛ بل إن المسببات الحقيقية تتجاوز القدرات الميدانية للتنظيم لتصب في صلب هشاشة البيئة الإقليمية، وتضارب المصالح الجيوسياسية للأطراف الدولية والمحلية. لقد وجد التنظيم في الفراغات المنبثقة عن النزاعات المسلحة، وتغذى على حالة الاستقطاب السياسي، مما جعل عودته الحالية نتيجة طبيعية لتعاطي المجتمع الدولي مع الأزمة بصفتها عرضا أمنيا مؤقتا، لا مرضا هيكليا يحتاج إلى معالجة شاملة واستئصال جذري.
وتتجلى أولى صور هذه الهشاشة في التشظي السياسي والعسكري الحاد في المشهدين السوري والعراقي. ففي جغرافيا البادية السورية المترامية، تتداخل نفوذ قوات ودول متعددة ومتباينة الأهداف والولاءات؛ الأمر الذي غيب أي غرفة عمليات أمنية مشتركة أو تنسيق استخباري حقيقي لملاحقة فلول التنظيم. وعلى الجانب العراقي، تشكل المناطق الحدودية الرخوة وخطوط التماس الفاصلة بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة بؤرا أمنية رخوة بسبب الثغرات السياسية واللوجستية؛ مما يمنح التنظيم مساحات حركة ومناورة مثالية يتنقل خلالها بسهولة عبر الحدود دون أن يواجه جبهة أمنية موحدة.
أما البعد الآخر والأكثر خطورة، فيكمن في استمرار إهمال المعالجة الجذرية للأسباب المنتجة للتطرف. إذ لا تزال الاستراتيجيات الدولية -والتمويل المرتبط بها- تنحصر غالبا في "المقاربة العسكرية الصلبة" القائمة على الاغتيالات والضربات الجوية والعمليات التكتيكية، دون الاكتراث بالحلول السياسية والتنموية. إن القضاء العسكري على "الخلافة المكشوفة" لم يرافقه مشروع حقيقي لإصلاح المشهد السياسي، أو رفع التهميش والتدمير الاقتصادي الذي لحق بالمدن والمجتمعات المحررة؛ مما أدى إلى استمرار الأسباب التي أدت لنشوء التنظيم في المقام الأول وتغذيتها باستمرار.
ويصل هذا الفشل المؤسسي ذروته في التغاضي الدولي عن القنابل الموقوتة المتمثلة في مخيمات الاحتجاز ومراكز الاعتقال، وعلى رأسها مخيم "الهول" بشمال شرق سوريا. إن ترك عشرات الآلاف من العائلات والأطفال والنساء في ظروف إنسانية وأمنية كارثية دون حلول جذرية للدمج أو إعادة الرعايا إلى دولهم الأصلية، يتجاوز مفهوم العجز الإداري ليصبح "تغذية مستدامة" لفكر التنظيم؛ حيث تتحول هذه المخيمات إلى حاضنات تفريخ أيديولوجي ومخزون تجنيدي لا ينضب، يضمن للتنظيم رفد شبكاته بخلفيات بشرية جديدة تضمن استمراريته للأعوام القادمة.

التبعات الجيوسياسية والأمنية المتوقعة
إن اعتماد تنظيم «داعش» لمفهوم «إعادة المعايرة» لا يمثل مجرد تعديل في تكتيكات المواجهة الميدانية، بل يؤسس لـ معادلة أمنية جديدة تفرض تحديات معقدة على أجهزة الاستخبارات والتحالفات الدولية. هذا التحول يغير بشكل جذري قواعد الاشتباك ويقلل من فاعلية أدوات الرصد التقليدية؛ حيث لم يعد خوض الحرب قائما على تقويض بنية تحتية مرئية أو تدمير معسكرات تدريب معلومة الجغرافيا، بل بات يستدعي مواجهة كيان شبكي هلامي يتكيف باستمرار مع الضغوط العسكرية ويتخفى في بؤر الظل الإقليمية.
تتجلى أولى هذه التبعات في صعوبة التتبع والتضليل الاستخباري الميداني الناتجة عن غياب الهياكل الإدارية والمقرات الثابتة. لقد أدى تفكيك "الهيكل المادي" للتنظيم إلى تحول قياداته وعناصره إلى خلايا لا مركزية صغيرة، تعمل وفق مبدأ "القيادة الذاتية والتنفيذ المستقل". هذا النمط التجريبي يقلل من فاعلية الاستطلاع الجوي والضربات التكتيكية بالمسيرات التي اعتمدت عليها القوى الدولية سابقا، ليصبح الحسم رهينا باختراقات استخبارية بشرية تقنية عالية الدقة، وإعادة بناء شبكات المصادر الميدانية؛ وهو مسار يستنزف وقتا وجهدا استخباراتيا مضاعفا.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يحمل هذا التحول تهديدا مباشرا لاستقرار سلاسل إمداد الطاقة والتعافي الإقليمي. إن تعمد التنظيم استهداف المنشآت النفطية، وخطوط أنابيب الغاز، ومحطات توليد الكهرباء في البادية السورية والمناطق الحدودية العراقية، لا يهدف فقط إلى تحصيل الإتاوات وجمع الأموال، بل يسعى بالأساس إلى عرقلة أي مشاريع للتنمية والاستثمار وتثبيت حكم الدولة. إن إبقاء البنية التحتية للطاقة تحت خطر التهديد الدائم يرفع من تكاليف التأمين والتشغيل، ويحرم الحكومات الوطنية من موارد حييوية، مما يعزز حالة الغليان الشعبي ويكرس البيئة الخصبة للتوتر.
أما البعد الأشد خطورة جيوسياسيا، فيكمن في خطر انتقال عدوى هذا النموذج إلى الساحات الدولية الهشة، ولا سيما فروع التنظيم في أفريقيا وغرب الساحل وإقليم بحيرة تشاد. إن نجاح تجربة «إعادة المعايرة» في المشرق العربي يقدم دليلا استرشاديا وتكتيكيا مجانا للشبكات المتطرفة القائمة في الدول ذات السيادة الضعيفة؛ حيث يسهل هناك تطبيق تكتيكات "الإنهاك الشبكي" وتفادي المواجهة المباشرة مع الجيوش النظامية أو القوات الدولية. هذا التصدير الفكري والتكتيكي ينذر بتوسع رقعة الفوضى غير المتكافئة عالميا، وتحول أقاليم بأكملها إلى ملاذات آمنة لجيل جديد من التنظيمات المتطرفة.
في نهاية المطاف، تجسد استراتيجية «إعادة المعايرة» قدرة التنظيمات الأيديولوجية المسلحة على التكيف والتحول من الأشكال الصلبة إلى الكيانات المرنة لمواجهة التفوق العسكري التقليدي. إن مواجهة هذا الخطر المتجدد تتطلب من القوى الإقليمية والدولية إدراك أن الاستجابات العسكرية والأمنية الصرفة—رغم أهميتها—ستظل عاجزة عن حسم المعركة ما لم ترافقها "إعادة معايرة" مضادة وشمولية؛ ترتكز على سد الفراغات السياسية، وتفكيك القنابل الموقوتة كالمخيمات والسجون، وإنهاء حالة التهميش الاقتصادي والمجتمعي. وبدون هذه المقاربة الجذرية، ستظل البادية السورية والمناطق الحدودية الرخوة بمثابة "غرف إنعاش دائمة" تمنح التنظيم فرصة البقاء في مساحات الظل، منتظرا أي اختلال جيوسياسي جديد ليعيد إنتاج نفسه وبث نفوذه من جديد.

شارك