إبراهيم تراوري في مواجهة السلفية والجهادية العابرة للحدود

الأربعاء 22/يوليو/2026 - 12:49 م
طباعة  إبراهيم تراوري في حسام الحداد
 
تخوض دولة بوركينا فاسو، تحت قيادة النقيب إبراهيم تراوري، واحدة من أجرأ المحاولات السياسية والفكرية لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة الوطنية والظاهرة الدينية في منطقة الساحل الإفريقي؛ وهي المنطقة التي ظلت لسنوات طويلة مسرحا مفتوحا لنشاط التنظيمات المسلحة والشبكات الأيديولوجية العابرة للحدود. ينطلق الخطاب الرسمي الجديد من قراءة واقعية تدرك أن خطورة الإرهاب لا تكمن فقط في البندقية أو العبوات الناسفة، بل في المرجعيات الفكرية والاستيراد الأيديولوجي الذي يشوه الموزاييك الاجتماعي المحلي. ومن هذا المنطلق، لم تكن التحركات الأخيرة مجرد ترتيبات أمنية روتينية، بل جاءت بمثابة إعلان سيادي يسعى لانتزاع الفضاء الديني من أيدي التيارات الراديكالية وإعادة ربطه بمتطلبات الدولة الوطنية والنهضة التنموية.
وتتجلى أهمية هذا التحول في كونه يتجاوز المقاربات التقليدية التي اعتمدتها الأنظمة السابقة، والتي كانت تتأرجح بين الاحتواء السياسي والتضييق العشوائي، لتصل اليوم إلى مواجهة أيديولوجية وتنظيمية شاملة. إن طرح مشروع قانون الحريات الدينية (بالمواده الـ 110)، بالتوازي مع التصريحات النقدية الحادة التي وجهها تراوري لظاهرة الابتعاث الديني غير المدروس والخطاب السلفي/الجهادي، يضع التجربة البوركينابية في صدارة التفاعلات السياسية في الغرب الإفريقي. فهذه الخطوات لا تستهدف تجفيف منابع التمويل وتقنين بناء دور العبادة فحسب، بل تعيد فتح الذاكرة الجمعية وتطرح أسئلة مصيرية حول استغلال الدين في الهيمنة التاريخية والسيطرة على الشعوب الإفريقية، مما يشكل صدمة هيكلية للتيارات الدينية المحافظة وجماعات الإسلام السياسي.

الصدمة الأيديولوجية: تفكيك "السلطة الموازية"
تكمن العلة الأساسية وراء حالة الاستنفار الهجومي التي أبداها دعاة التيار السلفي وكوادر الإسلام السياسي تجاه تصريحات النقيب إبراهيم تراوري في كونها كشفت عري "المركزية الفكرية" التي ظلت هذه التيارات تفرضها لعقود كمسلمة غير قابلة للنقاش. لقد اعتادت الجماعات المتطرفة والجهادية الاحتكار الحصري للتحدث باسم "الإسلام الصحيح"، واختزال الدين كله في أيديولوجيتها الراديكالية؛ إلا أن الخطاب الرسمي الجديد اخترق هذه المحرمات الفكرية عبر التمييز الصريح بين "الإسلام الروحي والثقافي المتجذر" في الوجدان الإفريقي كدين تسامح وتعايش شعبي، وبين "الإسلام الأيديولوجي السلفي/الجهادي" الوافد من بيئات غريبة عن الواقع المحلي. هذا التفكيك الحاد جرد الحركات المتطرفة من أثمن أسلحتها: ادعاء تمثيل الأمة، وحولها من "حامية للعقيدة" إلى مجرد تيارات أيديولوجية وافدة تهدد السلم الأهلي.
في بعد آخر لا يقل أهمية، لم يكن رصد تراوري لوجود ما بين 800 إلى 1000 طالب يدرسون العلوم الشرعية في مراكز وبيئات عربية محافظة مجرد ملاحظة إحصائية عابرة، بل كان تشخيصا بنويا نقديا لأزمة التنمية الوطنية. ينطلق هذا الطرح من رؤية تقضي بأن الدول الناشئة والفقيرة كبوركينا فاسو لا تتحمل نزيف طاقاتها البشرية في استيراد معارك فقهية وسلفية معقدة تغذي الصراعات الداخلية وتنتج "عناصر توتر" مجتمعي؛ بل هي بأمس الحاجة لإعادة توجيه هذه الموارد نحو العلوم الحديثة والتقنيات العصرية. إن استبدال الحاجة الملحة للأطباء والمهندسين والتقنيين بفيض من خريجي الشريعة المتبنين لرؤى وافدة لا يسهم في النهوض بالبلاد، بل يكرس دوامة التخلف ويجعل من الهياكل الدينية عبئا على الاقتصاد بدلا من أن تكون رافعة له.
كذلك، أحدث ربط تراوري بين الرؤى الدينية الوافدة وتاريخ "استمرار العبودية والتهميش في إفريقيا لمدة ألف سنة" زلزالا فكريا لدى التيارات المحافظة، لكونه مس منطقة مظلمة وحساسة في الذاكرة الجمعية الإفريقية. إن هذا الطرح لا يكتفي بمواجهة التنظيمات المسلحة في الميدان، بل يمتد ليمارس نقدا إبستمولوجيا (معرفيا) وتاريخيا يربط بين "الاستعمار الأيديولوجي" والسيطرة الثقافية التي مورست تحت غطاء ديني. عبر هذا الطرح، أسقطت هالة القدسية عن الممارسات التاريخية، وتم توجيه الاتهام الصريح لمنظومات فكرية أجنبية بكونها ساهمت -قديما وحديثا- في استعباد الشعوب الإفريقية وتدجينها، وهو ما يراه السلفيون طعنا في التراث ومساسا بالهوية الدينية، بينما يراه الخطاب الوطني تحريرا للعقل الإفريقي من الهيمنة المتجددة.
وأخيرا، تكمن خطورة هذا التحول في كونه جرد التيار السلفي من كارت "المظلومية" التقليدي الذي طالما استخدمه لشحن العواطف وتجنيد الشباب. فالمواجهة هذه المرة لا تقودها نخبة علمانية متغربة يمكن اتسامها بـ"العمالة للغرب" أو "المروق من الدين"، بل يقودها رئيس مسلم، يعرف بتدينه وشعبيته الكبيرة بين الفئات البسيطة. هذا الجمع بين التدين والشعور الوطني السيادي خلق إرباكا غير مسبوق في خطابات الإسلام السياسي؛ إذ أصبح من الصعب جدا إقناع الشارع البوركينابي بأن القرارات التنظيمية ومحاربة الجهادية هي "حرب على الإسلام"، بل باتت تقرأ بوضوح بصفتها معركة لحماية الدولة الوطنية، واستعادة للسيادة الدينية والثقافية من أيدي التنظيمات العابرة للحدود.

تشريح قانون الحريات الدينية: تجفيف المنبع أمنيا وفكريا
تمثل السياسة التشريعية الجديدة القائمة على فرض رقابة صارمة على تمويل الجمعيات الدينية وأوجه إنفاقها ضربة قاضية للبنية التحتية المالية التي اعتمدت عليها شبكات الإسلام السياسي والجهادي لسنوات. فالخطورة الأمنية في منطقة الساحل لم تكن تكمن في النشاط العسكري المسلح فحسب، بل في "الجمعيات الواجهة" التي تتستر تحت عباءة العمل الخيري والدعوي لتلقي تدفقات مالية ضخمة من خارج الحدود. من خلال هذه المواد القانونية، تسعى الدولة إلى إعادة إحكام سيادتها المالية، لضمان عدم تسرب أموال "الزكاة" أو "التبرعات الخارجية" لدعم الاستقطاب والتجنيد، أو لفرض نمط ديني وراديكالي يخالف خصوصية المجتمع البوركينابي، مما يحول العمل الأهلي والدعوي من منفذ لتمرير أجندات وافدة إلى نشاط تخضع حركة أمواله للشفافية والقانون.
فيما يتعلق ببناء دور العبادة، ينتقل القانون المكون من 110 مواد بالدولة من التسامح العشوائي إلى التنظيم السيادي الحازم، لينهي بذلك عصر "المساجد والمراكز المغلقة" التي طالما شكلت بؤرا للتطرف بعيدا عن أين عين رقابية. إن فرض شروط وضوابط هندسية وإدارية صارمة لبناء المساجد والكنائس ودور العبادة يضمن عدم تحولها إلى دكاكين أيديولوجية أو حواضن فكرية لتيارات بعينها تمارس فيها التعبئة ضد المجتمع. هذا التقنين لا يهدف إلى التضييق على حرية العبادة إطلاقا، بل إلى إعادة تعريف المسجد والدور الدينية بصفتها فضاءات عامة جامعة تبنى بحسب الاحتياج التنموي والعمراني الحقيقي للمواطنين، لا بتمويلات خارجية تهدف لزرع معازل مجتمعية موازية لتفتيت النسيج الوطني.
من الناحية الفكرية والأمنية، يعد النص على تجريم استخدام الدين في دعوات الكراهية ومنع الخطابات المتطرفة تحولا مفصليا في التعامل مع الظاهرة الجهادية؛ إذ ينهي مساحة الرمادية التي كانت تستغلها التيارات الراديكالية للتحريض تحت مظلة "حرية التعبير" أو "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ينقل هذا القانون أي خطاب تكفيري أو إقصائي أو تحريضي من دائرة السجال الفقهي والمناظرات الكلامية إلى خانة "الجرائم المهددة للأمن القومي وللسلم الأهلي". هذا الحزم القانوني يضع الدعاة والخطباء أمام مسئولية جنائية مباشرة، ويمنع استخدام المنبر الديني كمنصة لتفتيت المجتمع أو لتخوين مخالفيهم، ما يمنح الأجهزة الأمنية والقضائية غطاء مشروعا لتتبع المنصات الإعلامية والوعظية التي تغذي العنف وتشرعن الإرهاب.
أما المادة الجوهرية التي تمنح هذا القانون بعده الاستراتيجي الأعمق، فهي كفالة حربة الاعتقاد بحماية رسمية متساوية للإسلام، والمسيحية، والديانات الإفريقية المحلية على حد سواء. إن هذا النص ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو إعلان عن قيم "دولة المواطنة" التي تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها، وتمنع تغول مكون ديني أغلبي على الأقليات الأخرى. هذا الاعتراف القانوني بالديانات المحلية والأقليات يقطع الطريق على التنظيمات المتطرفة التي تحاول استغلال التنوع الديني في بوركينا فاسو لإشعال حرب أهلية أو طائفية، ويكرس مفهوما جديدا للتعايش السلمي يقوم على الحماية القانونية المتكافئة لحرية العبادة، ويعيد للاستقرار المجتمعي حصانته ضد اختراقات الفكر التكفيري العابر للحدود.

قراءة في موقف السلفية وجماعات الإسلام السياسي
تتجاوز خطورة مشروع إبراهيم تراوري بالنسبة للتيار السلفي وحركات الإسلام السياسي مجرد الاعتبارات التشريعية أو التضييقات الأمنية؛ إذ تمس الجوهر الذي تبنى عليه مشروعية هذه الحركات ذاتها. فعادة ما تعتمد هذه التيارات في تعبئتها الجماهيرية واستقطابها للشباب على رفع شماعة "المظلومية"، واستغلال ثنائية "الأنظمة العلمانية المتغربة في مواجهة الإسلام". غير أن صدور هذه القرارات والرؤى الفكرية من رئيس مسلم، معروف بتدينه وانتمائه السيادي واستقلاليته عن النفوذ الغربي، أحدث إرباكا أيديولوجيا غير مسبوق؛ إذ يسقط تماما ادعاء أن الدولة تخوض "حربا على الدين"، ويعري المعركة بصفتها صراعا بين دولة وطنية تسعى للتنمية والتعايش، وبين تنظيمات توظف النصوص الدينية للاستحواذ على السلطة وزعزعة الاستقرار.
يشكل تصريح تراوري الصريح والواضح بأن "الشريعة لن تكون مصدرا للقوانين، ولن تحكم الدولة بالدين" ضربة في مقتل للركيزة الفكرية الصلبة التي تدور حولها كافة أدبيات حركات الإسلام السياسي والسلفية الجهادية. تتأسس أدبيات هذه الحركات على مبدأ "الحاكمية" وتطبيق الشريعة كشرط حيوي ووحيد لمشروعية أي نظام حكم، واعتراف الدولة بمدنيتها وعدم تبنيها للشريعة كمرجعية قانونية حصرية يعني بالنسبة لهذه الجماعات إغلاق المسار السياسي والدعوي الذي يتطلعون عبره لأسلمة القوانين والمؤسسات. إن هذا الموقف الصارم يقر بعض الوقائع السياسية الدائمة: الدولة في بوركينا فاسو تدار بمرجعية المواطنة والقانون المدني المحايد، مما يسقط من يد هذه الجماعات أداتها الأهم في ابتزاز السلطة أيديولوجيا.
تتعدى الاستراتيجية الوطنية حدود الفكر لتصل إلى تفكيك الشبكات المادية والأيديولوجية التي ربطت الجماعات المحلية بشركائها وداعميها في الخارج لسنوات طويلة. إن فك هذا الارتباط المالي والفلسفي يعزل الشركاء المحليين عن خطوط الإمداد التي طالما وفرت لهم الحصانة والموارد، سواء عبر التمويلات العائلية والخيرية، أو المطبوعات والرسائل الدعوية الموجهة. هذا التجفيف لا يقتصر على تحجيم القدرة التشغيلية للتنظيمات الحركية والسلفية داخل بوركينا فاسو فحسب، بل يقلص دراماتيكيا من نفوذها الاجتماعي والميداني في مجتمعات الساحل الإفريقي، متيحا للدولة تقليم أظافر أي كيان يسعى لربط القرار الوطني بأجندات وإملاءات خارجية.
أخيرا، تخشى هذه التيارات من أن يشكل النموذج البوركينابي الهجين — الذي يجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية والاعتراف بالتنوع العرقي والديني، مع استبعاد الإسلام السياسي — سابقة استراتيجية تحتذى في منطقة الساحل والغرب الإفريقي. طالما وهيمنت هذه الجماعات على الفضاء العام من خلال تقديم نفسها كبديل أخلاقي وسياسي الوحيد للأنظمة الفاسدة، إلا أن ظهور تجربة حازمة ترفع شعار الوطنية والاستقلالية وتكشف الأبعاد التاريخية والأمنية السلبية للتطرف، يسحب منها احتكار الشارع. هذا التحول يهدد بتحويل التيار السلفي وحركات الإسلام السياسي من قوى دافعة في المنطقة إلى مجرد مجاميع هامشية معزولة، تحاصر أفكارها وتمحى أدبياتها التجنيدية أمام وعي جمعي جديد يسعى للنهضة العلمية والتنموية.

التحديات والمآلات المستقبلية
يأتي التحدي الأمني في مقدمة العقبات الناجزة التي تهدد استقرار التجربة البوركينابية ومآلاتها المستقبلية. إذ من المتوقع أن تقابل الجماعات المسلحة المتطرفة في منطقة الساحل — وعلى رأسها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الفرع التابع لتنظيم القاعدة — هذه التحولات التشريعية والفكرية بموجات جديدة من التصعيد العسكري والعمليات الانتقامية. تدرك هذه التنظيمات أن نجاح الدولة في تجفيف منابع التمويل وتقنين بناء المساجد وحظر الخطاب التكفيري يجردها من قواعدها التجنيدية وخلاياها النائمة في العمق المجتمعي. ولذا، يتطلب الحفاظ على زخم هذه القرارات تشديد الضبط الأمني على الحدود الشاسعة والمخترقة، وتأمين المنشآت السيادية ودور العبادة، واستباق التحركات الإرهابية بضربات استخباراتية نوعية تضمن حماية السلم الأهلي ومنع تمدد العنف المسلح.
وعلى الصعيد الاجتماعي والمجتمعي، تسعى التيارات المحافظة وروافد الإسلام السياسي إلى استغلال القرارات الصارمة لإحداث شرخ واستقطاب حاد بين السلطة السياسية والشارع العادي عبر اللعب على العواطف الدينية. تحاول هذه القوى تصوير التنظيمات الجديدة كـ"هجوم على الدين" وتضييق على المشاعر الروحية للمسلمين الذين يشكلون غالبية السكان، في محاولة لإيجاد حالة من العصيان أو الرفض الشعبي. وتستوجب مواجهة هذا المخاطرة تبني استراتيجية مكثفة تعتمد على الشفافية التامة، والتواصل المباشر مع النخب القبلية والمجتمعية، وربط هذه الإصلاحات الفكرية بمشاريع تنموية ملموسة وخطط طموحة لإصلاح التعليم وتوجيهه نحو التخصصات الفنية والعلمية، مما يثبت للمواطن أن هدف الدولة ليس محاربة الدين، بل حمايته واستعادة السيادة الوطنية لتحقيق النهضة الشاملة.
يمثل الحفاظ على التوازن الدقيق بين الحزم الأمني وحماية الحريات العامة التحدي القانوني والحقوقي الأبرز لمشروع تراوري. فإن التوسع في مجالات مكافحة الإرهاب وتجريم الخطابات المتطرفة قد يفتح الباب — إذا لم يضبط بمعايير قضائية صارمة — أمام التضييق على الحريات الأساسية أو التعسف ضد المخالفين في الرأي. إن التطبيق العادل والمجرد للقانون المكون من 110 مواد، دون تمييز أو استهداف سياسي أو طائفي، هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول هذه التشريعات إلى ذريعة للقمع السياسي. يتطلب نجاح هذا المحور وجود مؤسسات قضائية وركائز إنفاذ قانون تتمتع بالكفاءة والحيادية، لضمان معاقبة المحرضين والمتطرفين بحزم دون المساس بحقوق المواطنين السلميين حرية العبادة والتفكير.
في الختام، تتوقف استدامة هذه التجربة ومدى قدرتها على التحول إلى نموذج إقليمي يحتذى به في إفريقيا على مدى نجاح الدولة في تطبيق "معادلة الأمن والتنمية". لا يمكن للحزم التشريعي ولا للسيطرة الأمنية بمفردهما أن يقضيا على الإرهاب والتطرف ما لم يرفقا بمعالجة جذور الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يستغلها الفكر المتطرف، وأبرزها الفقر والبطالة والتهميش الشبابي. إن قدرة النظام السياسي في بوركينا فاسو على تحويل الموارد الوطنية نحو التعليم الفني، وخلق فرص عمل حقيقية، وتحسين جودة الحياة للطبقات الفقيرة، هي الحصن الحقيقي الذي سيمنع البيئات النائية من أن تكون فقاسات للجهادية العابرة للحدود، ويؤكد أن بناء الدولة السيادية الحديثة هو البديل الناجع الوحيد لفوضى التنظيمات الأيديولوجية.
في النهاية، تشكل تجربة بوركينا فاسو تحت قيادة إبراهيم تراوري مختبرا حقيقيا لمستقبل "الدولة الوطنية" في منطقة الساحل الإفريقي، حيث يعاد التأسيس لمعادلة جديدة تخرج الدين من لعبة الصراع على السلطة وأروقة الأيديولوجيا، وتعيده إلى فضائه الروحي والأخلاقي الجامع. إن حماية هذه التجربة وضمان استدامتها لا يتوقفان على الحزم التشريعي ولا على الضربات الاستخباراتية والأمنية المقاومة للإرهاب فحسب، بل يرتبطان أساسا بمدى نجاح السلطة في ترجمة هذا "التحرير الفكري" إلى بناء مؤسسي صلب وإصلاح اقتصادي ملموس يلمسه المواطن البسيط. فمتى ما استطاعت الدولة استبدال خطاب الاستقطاب الديني بفرص حقيقية في التعليم الفني والتنمية التقنية، فإنها لن تكتفي بحماية حدودها فقط، بل ستقدم نموذجا فريدا ينهي دوامة التطرف، ويؤكد أن السيادة الوطنية الحقيقية تبدأ من تحرير العقل والقرار الوطني معا.

شارك