بين مطرقة جيزان وسندان ينبع.. دلالات التصعيد الحوثي وأزمنة الجغرافيا البديلة

الأحد 26/يوليو/2026 - 10:45 ص
طباعة بين مطرقة جيزان وسندان حسام الحداد
 
في لحظة جيوسياسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها مسارات الدبلوماسية الدولية مع حسابات الردع الميداني، يأتي التصعيد العسكري الأخير لجماعة "أنصار الله" (الحوثيين) عبر استهداف مصفاة "أرامكو" في جيزان والمرافق النفطية الحيوية في ينبع ليعيد رسم خارطة أزمات الطاقة والأمن في منطقة الشرق الأوسط. لم يعد هذا الاستهداف مجرد حلقة إضافية في سلسلة تبادل الرسائل النارية المعتادة بين أطراف النزاع، بل يشكل تحولا استراتيجيا نوعيا يضرب في عمق الفلسفة الأمنية والاقتصادية التي اعتمدت عليها المملكة العربية السعودية والقوى الدولية لضمان تدفق الإمدادات النفطية؛ إذ يعكس انتقالات تكتيكية فارقة تسعى لتجريد الإقليم من مساحات التهدئة المفترضة وتحويل الممرات المائية والموانئ الموازية إلى ساحات اشتباك مفتوحة، مما يضع استقرار سوق الطاقة العالمي برمتها أمام اختبار غير مسبوق.
وتزداد أبعاد هذا التطور خطورة بالنظر إلى توقيته الزمني والتنفيذي؛ فهو يجيء في الوقت الذي تبذل فيه أطراف إقليمية ودولية جهودا حثيثة لهندسة مسارات تفاوضية غير مباشرة تهدف إلى تحييد البنية التحتية الحيوية وتفادي أزمة استنزاف شاملة. غير أن الوصول العملياتي لمسيرات وصواريخ الجماعة إلى ينبع—الشريان البديل المطل على البحر الأحمر—يبعث برسائل حازمة للداخل والخارج معا، مفادها سقوط نظرية "الجغرافيا المحصنة" ورفض الرهان على التهدئة الجزئية التي لا تلبي شروط الجماعة وتثبت المكاسب السياسية للفاعلين المحليين. ومن هذا المنطلق، تفرض المعطيات الميدانية الجديدة ضرورة إعادة تقييم شاملة لكفاءة أدوات الردع التقليدية، والوقوف على أثر هذا التصعيد في تقويض جهود الوساطة وإعادة تشكيل معادلات القوة بين البحر الأحمر والخليج العربي.

جغرافيا الاستهداف: ضرب "الشريان البديل"
تكمن الأهمية الجيواستراتيجية الفائقة لهذه الهجمات الأخيرة في اختيارها الدقيق والمحسوب للنقطة الجغرافية المستهدفة: مدينة ينبع الصناعية الواقعة على ساحل البحر الأحمر. فلطالما شكلت ينبع الركيزة الأساسية للرؤية الأمنية الاقتصادية للرياض، حيث استثمرت المملكة السعودية عبر العقود الماضية عشرات المليارات لتطوير البنية التحتية لـ "خط أنابيب شرق-غرب" (East-West Pipeline)، الممتد على مسافة تتجاوز 1200 كيلومتر لنقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية مباشرة إلى موانئ التصدير على البحر الأحمر. كانت الغاية الاستراتيجية الثابتة من هذا المشروع الضخم هي بناء مسار لوجستي مواز ومحصن يتجاوز الاختناقات الملاحية التقليدية، ويؤمن تدفق الصادرات النفطية بمرونة كاملة في حال تعرض مضيق هرمز لإغلاق جزئي أو كلي جراء أي مواجهة عسكرية مع طهران.
غير أن وصول المقذوفات والطائرات المسيرة الحوثية إلى ينبع يحمل دلالات عملياتية تتجاوز مجرد إلحاق أضرار مادية ببعض المنشآت؛ إذ يمثل اختراقا مباشرا للعمق التكتيكي الذي اعتمدت عليه المملكة لإدارة أزمات الملاحة الخليجية. عبر هذا الاستهداف، بعث الحوثيون برسالة ردع استباقية شديدة الوضوح مفادها "سقوط مفهوم الجغرافيا الآمنة"؛ فالمسارات البديلة التي أعدت للهروب من مخاطر الخليج العربي باتت هي الأخرى تحت طائلة التهديد المباشر. هذا التحول يعني عمليا تجريد الرياض من ورقتها الحصينة الأبرز لتفادي الحصار المائي، ويفرض عليها واقعا أمنيا جديدا يظهر أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية البديلة لا توفر حصانة كاملة ما لم تصان بحلول سياسية وأمنية جذرية في اليمن.
علاوة على ذلك، يمتد الأثر الجيوسياسي لهذا الاستهداف ليصيب معادلة الطاقة العالمية في مقتل، تحويل ساحل البحر الأحمر من ممر ترانزيت آمن للإمدادات المتجهة نحو الأسواق الأوروبية إلى ساحة اشتباك وتوتر مستمر. إن إدخال ينبع ضمن بنك الأهداف التشغيلية للحوثيين يضع خطوط النقل المائية والبرية تحت ضغط أمني مزدوج؛ فمن جهة يهدد ذلك تدفقات خط "سوميد" والبحر المتوسط، ومن جهة أخرى يرفع علاوات المخاطر والتأمين البحري على السفن بشكل قياسي. هذا التطور يلزم القوى الدولية المستهلكة للطاقة بإعادة تقييم هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، حيث لم يعد القلق محصورا في إغلاق المضايق البحرية كمضيق هرمز أو باب المندب، بل امتد ليشمل البنية التحتية البرية والموانئ البديلة على امتداد الساحل الإقليمي بأكمله.

معادلة التفتيت ومحاولة تحييد الوساطات
يجيء هذا التصعيد العسكري الحاد في لحظة سياسية فارقة تشهد فيها المنطقة تحركات وساطة حثيثة تقودها أطراف إقليمية لفتح قنوات تواصل غير مباشرة ونقل الرسائل بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق المعقد، يحمل سلوك جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) في الميدان دلالات نقدية عميقة حول إشكالية "استقلالية القرار التكتيكي مقابل توزيع الأدوار الإقليمي"؛ إذ يرى فريق من المحللين أن الاستهداف المتكرر للمنشآت النفطية يعكس رغبة حثيثة لدى الجماعة في تأكيد ذاتها كلاعب إقليمي قائم بذاته، يملك حساباته الخاصة ويرفض أن تختزل قضاياه في مجرد كارت تفاوضي يساوم عليه في أروقة المحادثات السرية بين القوى الكبرى دون تلبية شروطه المحلية وتثبيت مكاسبه السياسية.
وفي المقابل، تتجاوز قراءة هذا السلوك حدود الحسابات اليمنية الداخلية لتتصل اتصالا وثيقا باستراتيجية "إدارة الضغط المتبادل" ضمن محور المقاومة؛ حيث يوظف الملف اليمني كذراع تنفيذي عالي التأثير لرفع كلفة أي حظر اقتصادي أو خيار عسكري قد تتخذه الإدارة الأمريكية وحلفاؤها ضد إيران. إن ضرب أهداف استراتيجية كـ "أرامكو" في هذا التوقيت بالذات يبعث برسالة مضادة للوسطاء والدول الغربية، مفادها أن أي تفاهمات جزئية أو محاولات لتهدئة جبهة دون أخرى لن تؤدي إلا إلى انتقال التوتر إلى نقطة أخرى في الإقليم، مما يجعل تحييد الممرات المائية والمرافق الاقتصادية أمرا مستحيلا دون معالجة شاملة لكافة ملفات الصراع.
أخيرا، يهدف هذا التصعيد الممنهج ضد البنية التحتية لحيوية كالنفط والغاز إلى الإجهاض المباشر لحالة "اللاحرب واللاسلم" التي سادت المشهد لسنوات، وهي الحالة التي يراها الحوثيون استنزافا لشرعيتهم ومكاسبهم على الأرض. يسعى الحوثيون من خلال إعادة فرض واقع الحرب المفتوحة إلى استعراض قدرتهم العملية على ملء أي فراغ أمني قد ينجم عن تغيير واشنطن لتكتيكاتها العسكرية أو تخفيف وجودها المباشر، مرسخين معادلة ميدانية جديدة مفادها أن الاستقرار الاقتصادي للإقليم برمته سيظل رهن الاستجابة لشروطهم السياسية، وأن قدراتهم الصاروخية باتت أداة قادرة على تعطيل أي ترتيبات أمنية إقليمية لا تمنحهم موقعا أسياسيا في خارطة المستقبل.

 حدود الرد العسكري ونظرية الردع التقليدي
جاء الرد الفوري المتمثل في الضربات الجوية التي شنها التحالف على مواقع عسكرية وبحرية في محافظة الحديدة وجزيرة كمران كمحاولة تقليدية لاستعادة توازن الردع وإظهار القدرة على الحزم العملياتي. غير أن القراءة العميقة لمجريات هذه المواجهة تسلط الضوء على أزمة فاعلية العقيدة العسكرية التقليدية حين تصطدم بتنظيمات مسلحة تعتمد على الهياكل الشبكية واللامركزية. إن الاعتماد على القوة الجوية الضاربة للحد من تحركات الفصائل غير النظامية يواجه حدودا هيكلية، حيث أثبتت التجربة الميدانية أن تفوق الطيران الحديث لا يكفي وحده لشل قدرة خصم يتكيف باستمرار مع بيئة تهديدات معقدة ويتقن تكتيكات حرب العصابات والتواري في المناطق الجغرافية الوعرة والمستحدثة.
وتتجلى في هذا السياق معضلة تعريف بنك الأهداف ونجاعته الاستراتيجية؛ إذ إن استهداف المنشآت البحرية والموانئ في الحديدة، وإن كان يلحق أضرارا هيكلية مؤقتة بالبنية اللوجستية للحوثيين، إلا أنه يفشل في شل القوة الضاربة الحقيقية للجماعة. يعود ذلك بالأساس إلى طبيعة منظومات الصواريخ والمسيرات التي تمتلكها، والتي تتميز بمرونة فائقة في التخزين، والتجميع، والإطلاق عبر منصات متحركة وصغيرة الحجم يسهل إخفاؤها في بيئات أنفاق برية أو أحياء مأهولة. هذا الواقع يجعل الضربات الانتقامية الجوية مجرد معالجة سطحية للأعراض دون المساس بالبنية التشغيلية المرنة التي تمكن الجماعة من مواصلة إطلاق المقذوفات بانتظام.
ختاما، تبرز إشكالية الاتساع الصارخ في كلفة المواجهة (Asymmetric Cost Imbalance) كأحد أهم العوامل المرجحة لصالح الجماعات المسلحة على المدى الطويل. تعتمد الاستراتيجية الحوثية على توظيف تقنيات رخيصة التكلفة وسهلة التصنيع أو التهريب، في مقابل اضطرار القوات النظامية لاستخدام صاروخ دفاع جوي باهظ الثمن لتدمير طائرة مسيرة لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات، ناهيك عن الكلفة التشغيلية العالية لطلعات الطيران التكتيكي. هذا التباين الشديد في معادلة الإنفاق يجعل من استمرار جولات التصعيد المتبادلة عملية استنزاف أمني واقتصادي منظم ضد الدول والمؤسسات، مما يحول قدرات الردع الجوي التقليدية إلى أداة مكلفة استراتيجيا ومحدودة الأثر في تحقيق تحول جذري لصالح الاستقرار.

إلى أين تتجه الجبهة اليمنية؟
يكشف هذا التحول الميداني الحاسم أن الملف اليمني لم يكن يوما مجرد هامش جغرافيا ثانوي يمكن عزل تداعياته الأمنية أو تفكيكها بمعزل عن معادلة الصراع الإقليمي الكبرى. إن المراهنة على تكتيكات تحييد البحر الأحمر، أو التوسع في الاستثمار في المسارات اللوجستية الموازية لتصدير النفط كخطوط الأنابيب والموانئ البديلة، ستبقى مجرد حلول مرحلية قاصرة ورهينة للواقع الميداني في اليمن. تفرض هذه المعطيات حقيقة جيوسياسية صلبة: "لا استقرار لحركة الملاحة أو لسلاسل إمداد الطاقة في المنطقة دون التوصل إلى صيغة أمنية واستراتيجية شاملة تضمن معالجة جذور الصراع في الداخل اليمني".

وفي ظل الانسداد الراهن، إذا لم تتوج المبادرات السياسية والجهود الدبلوماسية الحالية بفرض تفاهمات تهدئة متكاملة تضمن الوقف التام لاستهداف البنية التحتية الحيوية، فإن المشهد ينزلق حتما نحو "إعادة اشتعال الجبهة اليمنية بكامل طاقتها النارية". إن العودة إلى مربع المواجهة المفتوحة لن تقتصر هذه المرة على تكتيكات المناوشة المحدودة، بل ستشهد توسيعا مفرطا لبنك الأهداف ليشمل المنشآت الاقتصادية وموانئ التصدير ومحطات الطاقة، مما يلغي التمايز بين جبهات البحر الأحمر والخليج العربي ويجعل البيئة الاستثمارية للإقليم برمته تحت طائلة التهديد المستمر.
بناء على هذا المسار القاتم، لن تقف التبعات عند حدود الإقليم، بل ستطال مباشرة توازنات الاقتصاد العالمي بشكل غير مسبوق؛ إذ لن تصبح الأسواق أمام أزمة إمدادات محصورة في مضيق هرمز فحسب، بل ستواجه اختناقا موازيا وشللا في شريان البحر الأحمر وقناة السويس. هذا السيناريو المزدوج من شأنه أن يدفع بأسعار النفط الخام، ورسوم الشحن البحري، وأقساط التأمين ضد مخاطر الحروب إلى قياسات تاريخية غير مسبوقة، مما يحمل المستهلكين والقوى الدولية كلفة باهظة تجبرهم على إدرك أن استقرار سوق الطاقة العالمي يبدأ بفض النزاع في الجبهة اليمنية.

شارك