صمت علي دماء رهبان اثيوبيا هجوم بطائرة مسيّرة يضرب دير القديسة أرسيمة

الإثنين 27/يوليو/2026 - 10:18 ص
طباعة صمت علي دماء رهبان روبيرالفارس
 

 
في حادثة جديدة تكشف اتساع دائرة الهجمات الجوية في إقليم أمهرة الإثيوبي، استهدفت طائرة مسيّرة،  دير القديسة أرسيمة، المعروف أيضًا باسم دير «أسكيتيز أريجاوي والقديسة أرسيمة»، بالقرب من مدينة ميكاني سيلام في منطقة وولو الجنوبية بإقليم أمهرة.

وتضاربت الأرقام الأولية بشأن حصيلة الضحايا. فقد تحدثت تقارير محلية أولى عن مقتل راهبتين وستة كهنة أو رهبان، فيما أفادت تقارير لاحقة، نقلًا عن إذاعة «دويتشه فيله» بالأمهرية ومصادر كنسية محلية، بمقتل راهبتين وإصابة 11 راهبًا، مع استمرار تداول أرقام مختلفة بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة والتحقق المستقل من الحصيلة النهائية.

 الهجوم  الغامض

وبحسب التقارير المحلية، كانت الطائرة المسيّرة قد حلّقت فوق المنطقة قبل تنفيذ الضربة، وهو ما دفع شهودًا ومصادر من داخل الدير إلى التشكيك في أن يكون الهجوم مجرد ضربة عشوائية أو خطأ عرضي. وأصابت الضربة مجمع الدير، متسببة في سقوط قتلى وجرحى وأضرار كبيرة في مبانيه. 
وتقول التقارير المتداولة إن الضحايا كانوا من أفراد المجتمع الرهباني، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن الضربة وقعت أثناء تجمع ديني. لكن هذه التفاصيل، شأنها شأن العدد النهائي للضحايا، تحتاج إلى تحقيق مستقل بسبب غياب الوصول الصحفي الكامل إلى المنطقة.

  المسؤول؟

حتى الآن، لا توجد جهة أعلنت رسميًا مسؤوليتها عن الهجوم.

لكن الاتهامات التي تتداولها التقارير المحلية ومصادر المعارضة الإثيوبية تتجه بصورة أساسية إلى قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المعروفة اختصارًا بـ ENDF، باعتبارها الجهة التي تستخدم الطائرات المسيّرة على نطاق واسع في عملياتها العسكرية ضد قوات «فانو» في إقليم أمهرة.
وتشير تقارير سابقة إلى أن الجيش الإثيوبي نفذ منذ اندلاع التمرد المسلح في أمهرة عام 2023 سلسلة واسعة من الضربات الجوية والطائرات المسيّرة، بعضها استهدف مناطق مدنية، فيما تقول الحكومة إن العمليات تستهدف مقاتلي «فانو» والجماعات المسلحة. وتؤكد تقارير حقوقية وإعلامية أن تحديد المسؤولية في كثير من الحالات يظل صعبًا بسبب انقطاع الاتصالات والقيود المفروضة على دخول الصحفيين إلى مناطق الصراع. 
ومن ثم، فإن القول إن الضربة الأخيرة نفذتها القوات الحكومية يظل، حتى الآن، اتهامًا مدعومًا بسياق نمط الهجمات السابقة، لكنه يحتاج إلى تحقيق مستقل وأدلة فنية قاطعة، مثل حطام الطائرة ونوع الذخيرة ومسارها.

 هجمات المسيّرات..  منذ 2023

لا تبدو ضربة دير القديسة أرسيمة حادثًا منفصلًا عن نمط أوسع في أمهرة.

فمنذ عام 2023، شهد الإقليم عشرات الضربات بالطائرات المسيّرة، وسط حرب مفتوحة بين الجيش الإثيوبي وقوات «فانو». وفي واحدة من أشهر تلك الهجمات، قُتل عشرات المدنيين في فينوتي سلام في أغسطس 2023.

وبحسب بيانات حديثة لمجموعة مراقبة النزاع ACLED، قُتل ما لا يقل عن 669 شخصًا في أكثر من 70 ضربة بالطائرات المسيّرة في أمهرة منذ عام 2023. كما وثقت جهة مدنية متخصصة في متابعة الضربات الجوية 97 حادثة قالت إنها أسفرت عن مقتل 1188 مدنيًا وإصابة 381 آخرين خلال الفترة من أغسطس 2023 حتى يونيو 2026، مع التنبيه إلى أن هذه الأرقام تعتمد على حوادث تمكنت من توثيقها، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق الصراع. 

 سجل الدم 

شهدت السنوات الأخيرة عدة ضربات أثارت اتهامات باستهداف المدنيين، بينها:
اولا  ضربة في فينوتي سلام عام 2023 أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين.
ثانيا  ضربات في مناطق واغل تينا وساسيت وغيرها أدت إلى سقوط مدنيين.
ثالثا  ضربة في شرق غوجام عام 2025 قيل إنها أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص، بينما قالت الحكومة إن الهدف كان عناصر من «فانو»، واتهم شهود ومنظمات حقوقية الضربة بالتسبب في مقتل مدنيين.
رابعا  وفي يناير 2026، قُتل أكثر من 40 شخصًا في ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت، بحسب تقارير، معسكرًا يضم قوات موالية للحكومة، في حادث قالت السلطات المحلية إنه كان «خطأ». 
وتكشف هذه الوقائع أن استخدام الطائرات المسيّرة في أمهرة لم يعد ظاهرة استثنائية، بل أصبح أحد أبرز أدوات الحرب في الإقليم.

 لماذا استهداف دير؟

السؤال الأهم في حادث دير القديسة أرسيمة هو: هل كان الدير هدفًا عسكريًا بالفعل؟

حتى الآن لا توجد معلومات علنية موثوقة تثبت وجود مقاتلين أو منشآت عسكرية داخل الدير وقت الضربة. وتقول الروايات المحلية إن المكان ديني ورهباني، وإن الضحايا كانوا من الرهبان والراهبات.

وإذا ثبت عدم وجود هدف عسكري في الموقع، فإن استهدافه سيكون حادثًا بالغ الخطورة من منظور القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين ، ويحظر الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة.

لكن تحديد ما إذا كان الدير قد استُهدف عمدًا أم أصيب في ضربة أخرى يتطلب تحقيقًا ميدانيًا، وفحص بقايا السلاح، وتحليل صور الأقمار الصناعية، والاستماع إلى شهود العيان.

 صمت دولي وإعلامي

أحد أبرز جوانب الحادث هو محدودية التغطية الدولية، رغم أن الضربة استهدفت موقعًا دينيًا وقتلت أفرادًا من مجتمع رهباني.ويرتبط هذا جزئيًا بطبيعة الصراع في أمهرة، حيث تفرض القيود الأمنية وانقطاع الاتصالات صعوبات كبيرة على التحقق من الأخبار. كما أن الصراع الإثيوبي، الذي شهد خلال السنوات الماضية حروبًا واسعة في تيغراي وأمهرة وأوروميا، يعاني من ضعف التغطية الدولية مقارنة بحجم الخسائر البشرية.

لكن هذا لا يلغي حقيقة أن استهداف دور العبادة والمجتمعات الدينية، إذا ثبت، يستحق تحقيقًا دوليًا واضحًا، بصرف النظر عن هوية الضحايا أو الجهة التي تقف وراء الهجوم.

شارك