اثناسيوس سرجيوس للبوابة العلمانيون مظاليم في التاريخ القبطي الذي يحتفي برجال الكهنوت (2-2)

الثلاثاء 28/يوليو/2026 - 11:19 ص
طباعة اثناسيوس سرجيوس للبوابة روبيرالفارس
 


في الحلقة الاولي من الحوار مع  الكاتب والمفكر اثناسيوس سرجيوس كشف لنا أنه تتلمذ علي يد الاستاذ الدكتور سليمان نسيم وأنه يقدم نهجا جديدا من خلال التحليل النفسي والتاريخي في قراءة للشخصيات و  الأحداث.وشرح المقصود بالعقل الرعوي للبابا شنودة الثالث وفي هذا الجزء الثاني و الاخير من الحوار يحدثنا عن العلمانيين الكبار ولماذا يختزن العقل القبطي في تكوينه شخصيات رجال الكهنوت كأساس في بناء  تاريخه والي نص الحوار 
. لماذا اخترت لويس عوض ويونان لبيب رزق وغيرهما موضوعًا لكتاباتك؟
لأن تاريخ الكنيسة لا يصنعه الإكليروس اي رجال الكهنوت  وحدهم، كما أن تاريخ الأقباط لا يُختزل في تاريخ البطاركة والأساقفة.
إلى جانب القيادات الكنسية، أسهم مؤرخون ومفكرون وقانونيون ومربون  في تشكيل جانب كبير من الوعي القبطي والمصري الحديث، لكن حضورهم في الذاكرة العامة ظل أقل من حجم تأثيرهم الحقيقي.
لهذا كتبت عن لويس عوض، ويونان لبيب رزق، ووليم سليمان قلادة، وإيريس حبيب المصري، وميلاد حنا، وسليمان نسيم، وكمال زاخر. لا يجمعهم اتفاق فكري كامل، لكن كل واحد منهم فتح سؤالًا مختلفًا حول الكنيسة والدولة والمواطنة والتعليم والهوية.
الكتابة عنهم، بالنسبة لي، محاولة لرد الاعتبار إلى القبطية في تنوعها، وإلى تاريخ لا تصنعه المؤسسة وحدها.
. هل ترى أن الكنيسة لم تنصف هؤلاء المفكرين؟
بصورة عامة، نعم. الذاكرة الكنسية ركزت على الشخصيات الإكليريكية والطقسية والرهبانية، وأهملت إلى حد بعيد شخصيات لم تكن جزءًا من بنية السلطة.
لم يكن هؤلاء بالضرورة معارضين للكنيسة؛ بل كان كثير منهم وفيًا لها بطريقته. غير أن علاقتهم بها قامت على السؤال والبحث، لا على التكرار والطاعة وحدهما.
وغيابهم عن الذاكرة ليس مصادفة كاملة. فالجماعة التي تشعر بالتهديد تميل إلى تفضيل الرموز التي تعزز الوحدة، وتتحفظ على من يفتح أسئلة معقدة أو غير مريحة.
إعادتهم إلى الذاكرة لا تعني إسقاط الشخصيات القائمة، بل توسيع الصورة وإثراءها.
 من أكثر شخصية قبطية أثرت فيك فكريًا ولم تأخذ حقها من الدراسة؟
الدكتور سليمان نسيم، بلا تردد. هو أكثر من أثر في تكويني العلمي، ومع ذلك لم يأخذ حقه من الدراسة والتقدير.
كان نموذجًا نادرًا للباحث الذي يجمع بين احترام الوثيقة، والانضباط المنهجي، وحرية السؤال. ولم يكن عالمًا في القبطيات فقط، بل كان مربيًا ومفكرًا أيضًا.
تعلمت منه أن البحث ليس استعراضًا للمعلومات، بل أمانة، وأن قيمة الباحث لا تُقاس بحجم ما جمعه، بل بقدرته على صياغة السؤال الصحيح والتعامل الأمين مع الأدلة.
أرى أنه لم ينل ما يستحقه من الحضور في الذاكرة القبطية، والكتابة عنه محاولة متواضعة لرد بعض الدين الذي أحمله له.
 لماذا يبدو تاريخ المثقفين الأقباط أقل حضورًا من تاريخ رجال الكنيسة؟
لأن من يملك السلطة يملك، غالبًا، قدرة أكبر على تشكيل الذاكرة وكتابة التاريخ. والسلطة داخل الجماعة القبطية كانت، وما زالت إلى حد كبير، في يد المؤسسة الكنسية.
كتبت المؤسسة تاريخها من زاويتها، وركزت على شخصياتها، بينما بقيت أصوات كثيرة خارج بنيتها على هامش الرواية. كما أن ثقافة «الجماعة المهددة» تميل إلى كتابة تاريخ يخدم التماسك أكثر من ميلها إلى تاريخ نقدي يفتح الأسئلة.
لذلك لم يجد المثقفون الذين اختلفوا مع الخط السائد، أو عملوا خارج المجال الكنسي، أو طرحوا أسئلة غير مريحة، مكانًا مناسبًا في هذه الرواية.
تغيير ذلك يحتاج إلى كتابة تاريخ أوسع، لا يكتفي بسير البطاركة، بل يضم التاريخ الاجتماعي والثقافي والفكري للأقباط جميعًا.
سادسًا: علم النفس والهوية
 هل للأقلية تكوين نفسي مختلف عن الأغلبية؟
ليس للأقلية تكوين نفسي مختلف في جوهره عن الأغلبية، لكن تجربة العيش كأقلية قد تنتج أنماطًا نفسية معينة.
فالأقلية قد تعيش تحت ضغط مستمر، وتشعر بأنها مراقبة أو مطالبة بتبرير وجودها. وهذا قد يولد ما يشبه «اليقظة المفرطة»: حالة من الحذر الدائم تجعلها شديدة الحساسية لأي تهديد، سواء كان واقعيًا أو متخيّلًا.
تؤثر هذه الحالة في الذاكرة الجمعية، فتصبح أكثر انتقائية؛ تحفظ الإهانات والاضطهادات، وقد تقلل من شأن فترات التعايش والاستقرار. كما قد يظهر أثرها في خطاب الضحية أو صورة القلعة المحاصرة.
فهم هذه الآليات لا يعني إنكار المعاناة الحقيقية، بل يساعدنا على فهم الطريقة التي تعاملت بها الجماعة معها. وهذا الفهم ضروري لأي إصلاح جاد.
. ما المقصود بـ"الحدود الرمزية" التي تتكرر في كتاباتك؟
«الحدود الرمزية» هي الخطوط غير المرئية التي تفصل بين «نحن» و«هم». وهي ليست حدودًا جغرافية، بل نفسية وثقافية.
في الجماعة القبطية قد تظهر هذه الحدود في اللغة والطقس والتقويم والطعام والزيجات المختلطة والرموز الدينية. وهي ليست سلبية في ذاتها؛ لأنها تساعد الجماعة على حفظ هويتها واستمرارها.
لكنها تتحول إلى مشكلة حين تصبح جدرانًا تمنع التواصل، أو حين تُستخدم لإقصاء من يتجاوزها. والخطاب القبطي المحافظ يمنح هذه الحدود أحيانًا قداسة زائدة، وينسى أن الهوية لا تُحفظ بالانعزال فقط، بل بالقدرة على التواصل مع الآخر من دون خوف دائم من الذوبان.
. كيف يفسر علم النفس العلاقة بين الهوية الدينية والخوف؟
الخوف قد يبدأ رد فعل على خطر خارجي، لكنه مع الزمن يمكن أن يصبح جزءًا من بنية الهوية نفسها.
الجماعة التي تشكلت عبر قرون من الاضطهاد قد تعرف نفسها بعبارات مثل: «نحن الذين احتملنا»، و«نحن الذين بقينا رغم كل شيء». وحين يترسخ الخوف بهذه الصورة، تبدأ في رؤية العالم كله من زاوية التهديد.
عندئذ قد يُنظر إلى أي سؤال داخلي أو صوت مختلف باعتباره خطرًا جديدًا على جماعة تشعر أصلًا بأنها منهكة أو محاصرة. وهكذا يتحول الخوف من وسيلة للحذر من الخارج إلى مبرر لإسكات النقد في الداخل.
لا يعني هذا إنكار الاضطهاد، بل التمييز بين خوف واقعي ومبرر، وخوف صار بنية نفسية تستمر حتى بعد تغير الظروف.
. هل يمكن أن تتحول الذاكرة الجماعية إلى سجن نفسي؟
نعم، وهذا من أكثر الموضوعات التي تشغلني. الذاكرة الجماعية ضرورية لحفظ الهوية، لكنها قد تتحول إلى سجن حين تختزل الماضي في الإهانات والهزائم وحدها، وتغلق الباب أمام أي رواية أخرى.
حين تصبح الذاكرة انتقائية إلى هذا الحد، تعيش الجماعة حاضرها بعيون الماضي، وترى كل جديد كأنه تكرار لتهديد قديم. وهذا يمنعها من رؤية الفرص، ومن تطوير استجابات جديدة، ومن إقامة علاقة أكثر تصالحًا مع محيطها.
التحرر لا يكون بنسيان الماضي أو إنكار آلامه، بل بتذكره بصورة أكثر اكتمالًا: ذاكرة تحفظ الألم، لكنها تحفظ أيضًا لحظات التعايش والإبداع والانتصار.
. ما أخطر الآليات الدفاعية التي تراها في المجتمع القبطي اليوم؟
أخطرها، في رأيي، الإنكار. ولا أقصد إنكار الوقائع فقط، بل إنكار وجود المشكلة من أساسها: «لا توجد أزمة»، أو «الكنيسة بخير»، أو «كل الأسئلة تأتي من الخارج»، أو «نحن جماعة متماسكة ولا نحتاج إلى مراجعة».
الإنكار يخفف الألم مؤقتًا، لكنه يجعل الجماعة عاجزة عن مواجهة مشكلاتها الحقيقية. وهناك أيضًا الإسقاط: أن ننسب كل مشكلاتنا إلى الدولة أو المجتمع أو الإسلام السياسي، ونتجنب النظر إلى ما يحدث داخل الجماعة نفسها.
هذا لا يعني تجاهل العوامل الخارجية، بل رفض استخدامها لتفسير كل شيء. تفكيك هذه الآليات مؤلم؛ لأنه يضعنا أمام حقائق لا نحبها، لكنه شرط لأي إصلاح حقيقي.
: الكتابة
. لغتك الأدبية واضحة ومختلفة. هل تكتب بعفوية أم تعيد صياغة النص مرات عديدة؟
أعيد صياغة النص مرات كثيرة، ولا أثق في المسودة الأولى مهما بدت جيدة. ما يبدو للقارئ واضحًا وانسيابيًا يكون عادة نتيجة عمل طويل في الحذف والتبسيط وإعادة الترتيب.
أكتب المسودة الأولى لكي أفهم ما أريد قوله. ثم أعيد كتابتها لكي أتأكد من أنني قلته بوضوح. وبعد ذلك أعود مرة أخرى لأحذف ما لا ضرورة له.
الكتابة عندي تشبه النحت: تبدأ بكتلة غير واضحة، ثم تزيل منها الزوائد تدريجيًا حتى يظهر الشكل. وأكتب بالفصحى، لكنني أحاول أن تكون فصحى حية يمكن قراءتها بصوت مسموع، لا لغة متخشبة أو ترجمة حرفية تملأ الفراغ بالكلمات.
. كيف تختار الشخصيات التي تكتب عنها؟
أختار الشخصية لأنها تقودني إلى سؤال، لا لمجرد أنها مشهورة أو منسية.
لويس عوض يفتح سؤال العلاقة بين المثقف والجماعة. ويونان لبيب رزق يفتح سؤال الوثيقة والذاكرة. وسليمان نسيم يفتح سؤال التربية وحرية البحث. أما كمال زاخر فيفتح سؤال الإصلاح المؤسسي، وينقل النقاش من الأشخاص إلى المؤسسات.
الشخصية عندي مدخل وليست غاية. ما يهمني ليس سرد سيرتها وحدها، بل فهم الإشكالية التي تمثلها. ولهذا أكتب عن شخصيات مختلفة جدًا، لا لأنني أوافقها جميعًا، بل لأن كل واحدة منها تساعدني على رؤية جانب مختلف من السؤال.
. متى تشعر أن المقال أصبح جاهزًا للنشر؟
أشعر أن المقال اقترب من الجاهزية حين أقرأه ولا أجد جملة يمكن الاستغناء عنها. المعيار عندي ليس الطول أو البلاغة، بل وظيفة كل جملة.
يجب أن تضيف الجملة فكرة، أو توضحها، أو تدعمها بدليل، أو تفتح سؤالًا. وإذا لم تفعل شيئًا من ذلك، فالأفضل حذفها.
ويصبح المقال جاهزًا بالنسبة لي حين أستطيع أن أقول: «هذا هو ما كنت أريد قوله، لا أكثر ولا أقل». هذا الإحساس لا يحدث بسهولة، وقبل أن أصل إليه يظل النص مسودة مهما بدا جميلًا.
. هل تكتب لتغيير الأفكار أم لإثارة الأسئلة؟
أكتب أساسًا لإثارة الأسئلة. لا أتوهم أن مقالًا واحدًا يستطيع تغيير قناعات راسخة، لكن السؤال الجيد قد يفعل ما لا تفعله إجابات كثيرة.
السؤال يفتح بابًا، ويزعزع يقينًا، ويدفع القارئ إلى التفكير بدل أن يكتفي بالتصفيق أو الرفض. لا أكتب لأقول له: «فكر مثلي»، بل لأدعوه إلى أن يسأل نفسه: «هل فكرت في هذه المسألة من قبل؟»
إذا أنهى القارئ المقال وبدأ يسأل، أشعر أنني حققت شيئًا. أما إذا خرج منه أكثر يقينًا بأنه يملك كل الإجابات، فأظن أن النص لم يؤد وظيفته.
ثامنًا: أسئلة شخصية
. ما أكثر مقال كتبته وأثار ردود فعل لم تكن تتوقعها؟
كانت المقالات التي تناولت فيها البابا شنودة من أكثر ما أثار ردود فعل لم أتوقع حدتها. كنت أعرف أن الموضوع حساس، لكنني لم أتوقع هذا القدر من الاستقطاب.
قرأ بعضهم النص بوصفه هجومًا، ورآه آخرون دفاعًا. وقليلون تعاملوا معه كما قصدته: محاولة للفهم التاريخي والتحليل، لا للإدانة ولا للتبرير.
علمتني هذه التجربة أن القارئ لا يقرأ دائمًا ما كتبته فعلًا، بل قد يقرأ ما يتوقع أنك كتبته. لذلك أصبحت أكثر حرصًا على الوضوح، وفي الوقت نفسه أكثر استعدادًا لاحتمال أن يُساء فهمي.
. هل تعرضت لهجوم بسبب أفكارك؟
نعم، تعرضت لانتقادات واتهامات، خصوصًا حين تناولت موضوعات حساسة داخل الجماعة. والمقاومة لا تأتي دائمًا في صورة مناقشة مباشرة للفكرة؛ فقد تأتي في صورة تصنيف الكاتب بأنه مغترب، أو بعيد عن الواقع، أو متأثر بأفكار غربية.
هذه، في كثير من الأحيان، طرق لتجاوز السؤال بدل الرد عليه. وهذا متوقع؛ فالصوت الذي يطرح أسئلة غير مريحة داخل جماعة تشعر بالتهديد سيواجه مقاومة.
أحاول أن أميز بين النقد الجاد، الذي يمكن أن أتعلم منه، وبين محاولة إسكات السؤال أو إبطال حق صاحبه في طرحه. وفي النهاية لا أنشغل كثيرًا بمن هاجمني، بقدر ما أسأل نفسي: هل كانت الفكرة صحيحة؟ وهل قدمت لها ما يكفي من الدليل؟
. هل تغيرت بعض قناعاتك خلال السنوات الأخيرة؟
نعم. في بداياتي كنت أميل إلى الثقة المفرطة في المنهج، كأن امتلاك الأدوات الصحيحة يكفي للوصول إلى الحقيقة.
مع الوقت أدركت أن المنهج ضروري، لكنه لا يكفي وحده. هناك حدود للمعرفة، وأسئلة لا تقدم الوثائق إجابة حاسمة عنها، ومناطق لا يصل إليها التحليل بسهولة.
كما تغير موقفي من بعض الشخصيات. كلما قرأت ودرست أكثر، قلّت ثقتي في الأحكام البسيطة، وصرت أكثر حذرًا في النقد، وأكثر استعدادًا لفهم السياق قبل إصدار الحكم.
لست متأكدًا هل هذا نضج أم مجرد تقدم في العمر. ربما الاثنان معًا.
 من الكاتب أو المفكر الذي تشعر أنه يشبهك في طريقة التفكير؟
لا أشعر أنني امتداد مباشر لمفكر واحد، ولا أظن أن مشروعًا فكريًا يتكون من تأثير واحد.
في سنوات الدراسة الأولى كان لتشارلز ديكنز أثر بالغ في تكويني، ولا سيما في رواية «قصة مدينتين». أدركت من خلالها أن الأدب العظيم قد ينجح أحيانًا فيما تعجز عنه الكتابة التاريخية التقليدية؛ لأنه لا يكتفي بوصف الحدث، بل يكشف كيف عاشه الإنسان من الداخل.
وفي الجامعة تأثرت بالدكتور مصطفى زيور والدكتور حسين عبد القادر، اللذين رسخا لدي قيمة المنهج وضرورة قراءة الظاهرة النفسية داخل سياقها. وفي معهد الدراسات القبطية كان للدكتور سليمان نسيم الأثر الأكبر في تكويني العلمي.
كما أجد تقاطعًا مع وليم سليمان قلادة في سؤال المواطنة، ومع كمال زاخر في سؤال الإصلاح المؤسسي. لكنني لا أرى نفسي نسخةً من أحد. مشروعي ثمرة حوار طويل بين الأدب وعلم النفس والتاريخ واللاهوت والفكر المدني.
تاسعًا: المستقبل
 ما الموضوعات التي تنوي الكتابة عنها مستقبلًا؟
أعمل على مشروع عن الذاكرة القبطية: كيف تشكلت؟ ومن أسهم في تشكيلها؟ وكيف أثرت في الوعي والسلوك؟ وهو مشروع يجمع بين علم النفس والتاريخ والأنثروبولوجيا.
وأفكر أيضًا في مشروع عن تاريخ الإصلاح الكنسي في العصر الحديث، لا في مصر وحدها، بل في الكنائس الشرقية عمومًا. ما يشغلني هو فهم لماذا تنجح بعض حركات الإصلاح وتفشل أخرى، وما العوامل التي تساعد على التغيير أو تعيقه.
إلى جانب ذلك، هناك مقالات ودراسات وحوارات مع باحثين أصغر سنًا. أرى أن دور الكاتب لا يقتصر على إنتاج النصوص، بل يشمل أيضًا المشاركة في تكوين جيل جديد من الباحثين.
. هل تفكر في تحويل مقالاتك إلى كتب؟
نعم، وأفكر في ذلك بجدية. فالمقالات التي كتبتها خلال السنوات الماضية تشكل، في مجموعها، مشروعًا فكريًا واحدًا، وجمعها في كتب سيسمح للقارئ برؤية الخيوط التي تربط بين موضوعاتها المتفرقة.
لكن تحويل المقالات إلى كتاب لا يعني جمعها كما هي. الأمر يحتاج إلى إعادة تنظيم، وحذف التكرار، وكتابة مقدمات وفصول تربط المواد بعضها ببعض، وتسد الفجوات بينها.
إنه عمل كبير، لكنني أشعر أن الوقت قد حان للقيام به.
 كيف ترى مستقبل الفكر القبطي خلال العشرين عامًا المقبلة؟
أراه سباقًا بين تيارين: تيار الانغلاق، الذي يريد حماية الجماعة بتحصينها ضد الأسئلة، وتيار الانفتاح، الذي يرى أن قوتها تأتي من قدرتها على مواجهة الأسئلة.
التيار الأول يصبح أقوى في أوقات الخوف، لأنه يقدم يقينًا وحماية سريعة، لكنه لا ينتج فكرًا بقدر ما يبني تحصينات. أما التيار الثاني فهو أضعف الآن، لكنه يحمل إمكانية المستقبل.
هناك شباب يقرأون ويبحثون ويكتبون، وهناك مساحات جديدة فتحتها وسائل التواصل وانتشار الأقباط في العالم واتصالهم بثقافات مختلفة.
لا أملك نبوءة عن المستقبل، لكنني أعرف أن الأفكار الصادقة لا تموت بسهولة، وأن التاريخ لا يسير في خط مستقيم. أحيانًا يبدأ التغيير هادئًا وغير ملحوظ، ثم يظهر أثره بعد سنوات.
. ما النصيحة التي تقدمها للشباب الذين يريدون الجمع بين الإيمان والعقل النقدي؟
أول ما أنصحهم به ليس جمع أكبر قدر من المعلومات، بل تعلم المنهج. فالوصول إلى المعرفة أصبح أسهل من أي وقت مضى، لكن امتلاك طريقة سليمة للتعامل معها صار أكثر ندرة.
المنهج يعلم الإنسان كيف يصوغ السؤال قبل أن يتعجل الإجابة، وكيف يميز بين الوثيقة والرأي، وبين الواقعة وتفسيرها، وبين ما يعرفه وما لا يعرفه.
كما يعلمه أن الاعتراف بعدم المعرفة ليس ضعفًا، وأن مراجعة الرأي عند ظهور دليل أقوى فضيلة علمية وأخلاقية. أنصحهم بأن يقرأوا الكتب قبل المنشورات، والمصادر قبل الاقتباسات والملخصات، وأن يتعلموا التفكير قبل تكوين المواقف.
وألا يجعلوا الإيمان خوفًا من السؤال، ولا النقد احتقارًا للتراث. فالذي يفتقد المنهج قد ينتهي إلى التعصب وهو يظن نفسه ناقدًا. أما الباحث الحقيقي فيبقى مستعدًا لمراجعة استنتاجاته، لأن ولاءه الأول للحقيقة، لا لرأيه.
اخيرا  بعد كل هذه الرحلة بين علم النفس والتاريخ والكنيسة والإنسان... ما الفكرة الوحيدة التي تتمنى أن تبقى في ذهن القارئ بعد أن ينتهي من قراءة مقالات أثناسيوس سرجيوس؟
أن الحقيقة لا تخاف من السؤال.
الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى جدران تحميه من المعرفة، والمؤسسة البشرية، مهما كانت مقدسة في رسالتها، تظل قابلة للخطأ والمراجعة والتطوير.
أتمنى أن يبقى في ذهن القارئ أن المنهج ليس مجرد أداة لجمع المعلومات، بل طريق يسمح لنا بأن نسأل بأمانة، وننتقد من دون كراهية، ونراجع أنفسنا من دون أن نفقد إيماننا.
الحقيقة لا تُصان بالخوف، بل بالبحث؛ والإيمان لا يضعفه السؤال، بل يضعفه الخوف من السؤال

شارك