كيف يسعى الحوثيون إلى لعب دور "حزب الله" في المنطقة دعماً لإيران؟

الجمعة 14/أغسطس/2026 - 11:16 ص
طباعة كيف يسعى الحوثيون فاطمة عبدالغني
 
في الوقت الذي تواجه فيه إيران ضغوطاً متزايدة وتراجعاً في قدرات عدد من حلفائها الإقليميين، يبدو أن جماعة الحوثيين تسعى إلى استثمار الفراغ لتعزيز موقعها كقوة عسكرية وسياسية تتجاوز حدود اليمن. 
فالتصعيد الأخير في البحر الأحمر وعلى جبهات الداخل اليمني لا يبدو، وفق مصادر تحدثت إلى صحيفة "ذا ناشيونال"، مجرد تحرك عسكري محدود، بل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى دعم طهران، وتعزيز نفوذ الحوثيين، وفرض معادلات جديدة في المنطقة.

وبحسب التحقيق الذي نشرته الصحيفة، فإن الجماعة تعمل وفق استراتيجية متعددة المسارات، تجمع بين الضغط على الملاحة في باب المندب، واستهداف مواقع سعودية، وتصعيد المواجهة مع القوات الحكومية اليمنية، بما يتزامن مع مرحلة حساسة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ويطرح هذا التحرك تساؤلات حول ما إذا كان الحوثيون يتجهون بالفعل إلى أداء دور إقليمي شبيه بالدور الذي لعبه "حزب الله" خلال السنوات الماضية.

الحوثيون يستغلون تراجع حلفاء إيران

تأتي تحركات الحوثيين في وقت تعرض فيه عدد من الفصائل المرتبطة بإيران لضغوط عسكرية وسياسية كبيرة، فقد تراجعت قدرات "حزب الله" بصورة ملحوظة، وتعرضت الفصائل المسلحة العراقية لضغوط داخلية وأمريكية، بينما فقدت حركة حماس عدداً من قياداتها ومقاتليها، في حين شهدت الساحة السورية تحولاً كبيراً بعد سقوط نظام بشار الأسد.

وفي ظل هذه التطورات، احتفظ الحوثيون بقدرة نسبية على العمل العسكري من اليمن، مستفيدين من موقعهم الجغرافي وسيطرتهم على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من شمال وغرب البلاد.

وبحسب مصادر الصحيفة، فإن الجماعة ترى في المرحلة الراهنة فرصة لتعزيز موقعها داخل شبكة حلفاء إيران، خصوصاً مع تراجع أدوار بعض القوى الأخرى، وقال دبلوماسي يمني سابق يشغل حالياً منصباً استشارياً لدى الحوثيين إن قيادة الجماعة في صنعاء تستغل التوقيت الحالي، خصوصاً في ظل التطورات المرتبطة بمضيق هرمز.

ويكتسب هذا التحرك أهمية أكبر إذا تزامن الضغط الحوثي على باب المندب مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، إذ يمكن أن يؤدي تهديد الممرين في الوقت نفسه إلى مضاعفة التأثير على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.

من دعم إيران إلى بناء نفوذ إقليمي

ولا تقتصر حسابات الحوثيين، وفق التحقيق، على مساندة إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنما تتضمن أيضاً محاولة لترسيخ الجماعة باعتبارها قوة إقليمية قادرة على التأثير في التطورات خارج الأراضي اليمنية.

وتشير مصادر "ذا ناشيونال" إلى أن الحوثيين بدأوا منذ فترة في توسيع نطاق تحركاتهم تدريجياً، فبعد الهجمات الصاروخية على إسرائيل، انتقل نشاطهم إلى تهديد السفن الإسرائيلية والمرتبطة بالولايات المتحدة في البحر الأحمر، قبل أن يتطور إلى تحركات مرتبطة بمضيق باب المندب وهجمات على أهداف سعودية، بالتزامن مع تجدد المواجهات مع القوات الحكومية اليمنية.

وتقول الصحيفة إن الحوثيين لطالما نظروا إلى "حزب الله" باعتباره نموذجاً ملهماً، إلا أن تراجع قوة الحزب اللبناني قد يفتح المجال أمام الجماعة اليمنية لتولي دور أكبر داخل شبكة الحلفاء المرتبطين بطهران.

ويشمل هذا الدور، بحسب التقارير التي أوردتها الصحيفة، مهاجمة إسرائيل، الضغط على حلفاء الولايات المتحدة، ومساندة إيران، إضافة إلى توسيع نطاق تدريب مقاتلين متحالفين معها في مناطق مختلفة من المنطقة، بينما استفادت الجماعة نفسها لسنوات من التدريب والمساعدة الإيرانية ومن خبرات "حزب الله."

باب المندب والسعودية.. أوراق ضغط متزامنة

يمثل باب المندب أحد أهم عناصر الاستراتيجية الحوثية، نظراً لموقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويجعل أي اضطراب فيه مؤثراً بشكل مباشر على حركة التجارة عبر قناة السويس.

ويحذر التحقيق من أن الجمع بين الضغط الحوثي على الملاحة في البحر الأحمر وإغلاق أو اضطراب مضيق هرمز يمكن أن يخلق تأثيراً اقتصادياً واسعاً، فممر البحر الأحمر وقناة السويس يستحوذان على حصة مهمة من حركة التجارة العالمية، بينما يمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من إمدادات النفط العالمية.

وفي الوقت نفسه، أعاد التصعيد الحوثي المواجهة مع السعودية إلى الواجهة، بعد سنوات من الهدوء النسبي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022. وترى مصادر الصحيفة أن استهداف المصالح السعودية قد يمنح الحوثيين وسيلة إضافية للضغط، سواء في الملف اليمني أو في الحسابات الإقليمية المرتبطة بإيران.

وقال مصدر مقرب من الجماعة إن طهران طلبت من الحوثيين التحرك بما يخدم مصالحها في "اللحظة المناسبة"، معتبراً أن الظروف الحالية تمثل تلك اللحظة.

لكن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة على اليمن نفسه، إذ إن تجدد المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية قد يعيد البلاد إلى دائرة الحرب المفتوحة، بعد فترة من الهدوء النسبي.

المخا والحديدة في مرمى التصعيد

تزامن التصعيد مع هجمات حوثية على عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، من بينها المخا والحديدة ومأرب وحضرموت.

وأعلنت القوات الحكومية اليمنية إطلاق حملة عسكرية جديدة لمواجهة الحوثيين، مؤكدة أنها تعمل على تطوير قدراتها، بما في ذلك وسائل دفاع جوي لمواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وجاء الإعلان بعد هجوم حوثي على مدينة المخا، قالت السلطات اليمنية إنه أسفر عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل، بينهم أربعة من أفراد القوات المسلحة، وإصابة نحو 30 آخرين، إلى جانب أضرار كبيرة في ميناء المدينة على البحر الأحمر.

وتكتسب المخا أهمية استراتيجية بسبب موقعها على الساحل الغربي، ودورها اللوجستي بالنسبة للقوات الحكومية، ولذلك فإن استمرار استهدافها قد يهدف إلى إضعاف قدرة الحكومة على استخدام الساحل الغربي كنقطة انطلاق لأي تحرك عسكري مستقبلي باتجاه مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي المقابل، فإن التصعيد الداخلي يمنح الحوثيين ورقة إضافية في أي مفاوضات مستقبلية، إذ يمكن للجماعة استخدام الضغط العسكري للحصول على مكاسب سياسية أو ميدانية قبل التوصل إلى أي تسوية إقليمية بشأن الملف الإيراني.

استراتيجية محفوفة بالمخاطر

ترى الخبيرة في الشأن اليمني إليزابيث كيندال أن الحوثيين قد يحاولون استغلال التطورات الحالية لتحقيق مكاسب داخل اليمن، إلى جانب تعزيز نفوذهم على السعودية قبل التوصل إلى أي اتفاق إقليمي محتمل مع إيران، كما أشارت إلى احتمال استخدام إيران للحوثيين كورقة ضغط إضافية بصورة غير مباشرة.

من جهته، يرى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عبد الغني الإرياني أن الجماعة قد تواجه مستقبلاً احتمال تراجع الدعم الإيراني إذا توصلت طهران وواشنطن إلى اتفاق ينهي مواجهتهما، وهو ما يجعل تحركات الحوثيين الحالية أكثر حساسية.

وتكمن المفارقة في أن الجماعة قد تسعى إلى تعزيز استقلاليتها ونفوذها من خلال تصعيد يخدم إيران، لكنها في الوقت نفسه قد تعرض الترتيبات التي وفرت لليمن قدراً من الاستقرار خلال السنوات الأخيرة للخطر.

ويرى المراقبون أن التحركات الأخيرة للحوثيين تعكس محاولة للجماعة لإعادة تعريف موقعها داخل المعادلة الإقليمية، مستفيدة من تراجع قدرات عدد من حلفاء إيران، ومن أهمية موقع اليمن على خطوط الملاحة الدولية، لكن تحويل الجماعة إلى قوة إقليمية مؤثرة يظل رهناً بقدرتها على الموازنة بين مصالحها داخل اليمن ومتطلبات التحالف مع طهران.

ويحذر المراقبون من أن الجمع بين التصعيد ضد السعودية، وتهديد الملاحة في باب المندب، وتجدد القتال مع القوات الحكومية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها إعادة تدويل الحرب اليمنية وتعميق الأزمة الإنسانية.
 وفي الوقت نفسه، فإن أي تزامن بين اضطراب باب المندب ومضيق هرمز سيمنح الحوثيين وإيران قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة وأسواق الطاقة، لكنه سيضع الجماعة أيضاً أمام مخاطر عسكرية وسياسية أكبر.

شارك