الطائرات المسيّرة في اليمن.. كيف تغيّر قواعد المواجهة بين الحوثيين والقوات الحكومية؟
الجمعة 14/أغسطس/2026 - 01:29 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في الوقت الذي لا تزال فيه الجبهات اليمنية تشهد تحركات عسكرية متفرقة، تحولت الطائرات المسيّرة تدريجياً إلى عنصر أساسي في معادلة القتال بين القوات الحكومية والحوثيين.
فلم تعد المسيّرات تقتصر على الاستطلاع وجمع المعلومات، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة استهداف تعتمد على رصد تحركات الخصم وتحديد مواقع القوات وتوجيه نيران المدفعية، بينما يستخدم الحوثيون هذه الطائرات للضغط على المواقع الحكومية وشن هجمات تتجاوز خطوط المواجهة التقليدية.
وبحسب تقرير نشرته وكالة شيبا للاستخبارات، فإن مؤشرات ميدانية جديدة تشير إلى استعدادات حوثية لتشغيل طائرات مسيّرة من مطار الحديدة العسكري، بالتزامن مع رصد تحركات متكررة لخبراء في هذا المجال جنوب منطقة الجاه، وهو ما قد ينذر بتجدد الهجمات على المخا والمواقع التابعة للحكومة في جنوب محافظة الحديدة.
الطائرات المسيّرة تتحول إلى منظومة استهداف متكاملة
يشير تقرير وكالة شيبا إلى أن القوات الحكومية اليمنية طورت خلال الفترة الأخيرة طريقة استخدام الطائرات المسيّرة، بحيث أصبحت جزءاً من دورة عملياتية متكاملة تبدأ بالمراقبة الجوية، ثم تحديد مواقع الحوثيين ونقل الإحداثيات، وصولاً إلى توجيه نيران المدفعية وتقييم نتائج الضربات.
وظهرت تسجيلات نشرتها القوات الحكومية لطائرات مسيّرة تستهدف تجمعات ومركبات تابعة للحوثيين في محافظة الجوف، بينما تحدثت تقارير عن استخدام قدرات مماثلة في جبهات تعز وحجة والضالع ومأرب، ويمنح هذا التكامل القوات الحكومية قدرة أكبر على التعامل مع التعزيزات والتحركات البرية قبل وصولها إلى خطوط التماس.
وتستند هذه التطورات، وفق الوكالة، إلى مسار بدأ باستخدام طائرات مسيّرة تكتيكية لأغراض الاستطلاع وإسقاط الذخائر وتصحيح نيران المدفعية، قبل ظهور منصات أكثر تطوراً، من بينها الطائرة G50 ذات الأجنحة الثابتة والقادرة على الإقلاع والهبوط العمودي، والتي ظهرت في عمليات مرتبطة بجبهة صعدة.
وتشير هذه التطورات إلى انتقال استخدام المسيّرات من مرحلة التجارب المحدودة إلى الاعتماد عليها بصورة أكثر انتظاماً في العمليات العسكرية، مع اختلاف أدوارها بين منصات تكتيكية مخصصة للاستطلاع والضربات القريبة، وأخرى تتمتع بمدى وقدرة تحمل أكبر ويمكن استخدامها في مراقبة أهداف بعيدة.
الحوثيون يضغطون على الجبهات تحت غطاء المسيّرات
في المقابل، يواصل الحوثيون تنشيط عدد من الجبهات في محاولة لتحقيق مكاسب ميدانية محدودة في تعز ومأرب والجوف، ووفق التقرير شهدت منطقة حيفان جنوب تعز محاولات تقدم حوثية باتجاه مواقع حكومية في الأثاور، بالتزامن مع استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية لتوفير غطاء للقوات المهاجمة.
كما أفادت وحدات حكومية بإحباط محاولات تسلل في جبهات حارب وعين وبيحان والمرخة العليا، في مؤشر على استمرار الضغط العسكري رغم غياب عمليات برية واسعة النطاق.
ويختلف استخدام الطائرات المسيّرة بين الطرفين، إذ يعتمد الحوثيون عليها بصورة أكبر للضغط على المواقع الثابتة وتوفير غطاء للوحدات المتقدمة وتوسيع نطاق الهجمات، بينما تركز القوات الحكومية على استخدامها في رصد التجمعات وتوجيه المدفعية واستهداف التعزيزات قبل وصولها إلى مناطق الاشتباك.
المخا والحديدة في قلب التصعيد
تظل مدينة المخا ومحيطها أحد أبرز محاور المواجهة على الساحل الغربي، في ظل استمرار التهديدات الحوثية باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والزوارق المفخخة غير المأهولة.
وتكتسب المخا أهمية خاصة بسبب دورها كمركز لوجستي للقوات الحكومية على الساحل الغربي، الأمر الذي يجعل الضغط عليها جزءاً من الحسابات العسكرية المرتبطة بمستقبل جبهة الحديدة.
وبحسب تقييم وكالة شيبا، فإن استمرار الهجمات على المخا يخدم هدفين رئيسيين: إضعاف خطوط الإمداد المحتملة للقوات الحكومية، والحفاظ على الحديدة باعتبارها منطقة استراتيجية للحوثيين.
وفي هذا السياق، تكتسب المعلومات المتعلقة بالاستعدادات في مطار الحديدة العسكري وتحركات المتخصصين في الطائرات المسيّرة أهمية خاصة، رغم أن طبيعة هذه الاستعدادات وموعد أي هجوم محتمل لا يمكن تأكيدهما بشكل مستقل من المعلومات المتاحة.
خسائر الحوثيين وتطور الاستجابة الحكومية
ربطت وكالة شيبا بين تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الموجهة وبين ارتفاع الخسائر المعلنة في صفوف الحوثيين، ووفق بيانات جنازات نشرتها الجماعة خلال الفترة من 1 إلى 12 أغسطس، تم الإعلان عن مقتل 64 ضابطاً من رتب عسكرية مختلفة، بينهم ضباط برتب عليا.
لكن التقرير يؤكد أن هذه الأرقام لا تمثل بالضرورة إجمالي خسائر الحوثيين، كما أن توقيت إعلان الوفيات لا يثبت أن جميع هؤلاء الضباط قتلوا خلال الفترة نفسها أو نتيجة مباشرة لعمليات الطائرات المسيّرة الحكومية، لذلك فإن أي تقدير لإجمالي الخسائر يظل افتراضياً ويجب التعامل معه بحذر.
في المقابل، تحدث رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي عن توحيد الجبهات باعتباره أحد أبرز التطورات العسكرية الأخيرة، مشيراً إلى تنسيق العمليات بين القوات الموجودة في مأرب وتعز وشبوة والضالع ولحج وحجة وصعدة.
ويعكس هذا التطور محاولة لبناء استجابة عسكرية أكثر تنسيقاً، يمكن للطائرات المسيّرة أن تؤدي فيها دور حلقة الوصل بين وحدات الاستطلاع والمدفعية والقوات البرية، وبذلك تصبح سرعة اكتشاف التحركات الحوثية والرد عليها عاملاً مهماً في منع القوات المهاجمة من حشد التعزيزات أو تحقيق تقدم ميداني سريع.
ويرى المراقبون أن التطور الأهم في المواجهة اليمنية لا يتمثل فقط في زيادة عدد الطائرات المسيّرة المستخدمة، وإنما في تغير طريقة توظيفها داخل العمليات العسكرية، فكلما أصبحت المسيّرات جزءاً من منظومة تربط الاستطلاع بالمدفعية والقوات البرية، تقلص الوقت الفاصل بين اكتشاف الهدف واستهدافه، وهو ما قد يرفع تكلفة التحركات العسكرية المكشوفة للحوثيين.
وفي المقابل، فإن اعتماد الحوثيين المتزايد على الطائرات المسيّرة يمنحهم قدرة على مواصلة الضغط على المواقع الحكومية دون الحاجة إلى خوض مواجهات برية واسعة، ويرى المراقبون أن استمرار هذا السباق التقني والعملياتي قد يجعل جبهات الحديدة والمخا وتعز ومأرب أكثر حساسية خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا تحولت الاستعدادات الحالية إلى عمليات عسكرية جديدة.
