مقتل جبريل "الأعور" يكشف شبكة التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب

السبت 05/سبتمبر/2026 - 11:42 ص
طباعة مقتل جبريل الأعور
 
كشفت تفاصيل أوردتها صحيفة وول ستريت جورنال عن تشكل تحالف غير متوقع بين جماعة الحوثيين في اليمن وحركة الشباب الصومالية، يقوم على تبادل المصالح بين طرفين يفصل بينهما خلاف مذهبي عميق، لكن يجمعهما العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، وتكشف قصة الصومالي جبريل يحيى علي، المعروف بـ"بالأعور"، عن الدور الذي لعبه كحلقة وصل بين الجانبين، وعن شبكة لتبادل الأسلحة والتدريب تمتد عبر خليج عدن.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية تتجاوز حدود اليمن والصومال، نظراً إلى الموقع الاستراتيجي للبلدين على ضفتي خليج عدن، الذي يمثل ممراً رئيسياً للتجارة العالمية والطاقة، ومع انتقال التعاون من مجرد صفقات سلاح إلى التدريب وتبادل الخبرات، تزداد المخاوف من تحول هذا التنسيق إلى تهديد أكثر اتساعاً لأمن الملاحة والمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.

من هو جبريل الأعور حلقة الوصل بين الحوثيين وحركة الشباب؟

بحسب مسؤولين أمريكيين ويمنيين وصوماليين نقلت عنهم "وول ستريت جورنال"، كان جبريل يحيى علي، الصومالي البالغ من العمر 38 عاماً، أحد أبرز الوسطاء بين الحوثيين وحركة الشباب خلال السنوات الأخيرة.

ووفق الصحيفة، تعرف جبريل إلى زوجته اليمنية "بدور مرشد" عبر أحد معارفه، وهو تاجر أسلحة ساعده في الحصول على أسلحة ذات مواصفات عسكرية من الحوثيين، قبل أن يتولى جبريل مهمة نقلها إلى حركة الشباب في الصومال.

وفي 12 فبراير ، وبعد نحو أربعة أشهر من زواجه، خرج جبريل وزوجته في سيارة "تويوتا كورولا" بمحاذاة الساحل قرب مدينة الغيضة اليمنية، وتوقفت السيارة بعدما تلقت زوجته اتصالاً هاتفياً، قبل أن يصيب صاروخ أمريكي السيارة ويقتل جبريل، فيما تمكن أحد الأشخاص من إبعاد زوجته عن موقع الهجوم.

وأفاد مصدران أمريكيان بأن غارة جوية أمريكية نفذت العملية، بينما قالت القيادة المركزية الأمريكية إنها لم تكن عملية عسكرية، في حين امتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق على احتمال تورطها.

وكان جبريل، وفق تقييم داخلي لجهاز مكافحة الإرهاب اليمني اطلعت عليه الصحيفة، شخصية محورية في تطوير العلاقات بين الحوثيين وحركة الشباب، خصوصاً في مجال نقل الأسلحة والمعدات العسكرية.

وبحسب مسؤول سابق في الأمم المتحدة، كان جبريل يتنقل سراً بين اليمن والصومال، ويعمل ضابط اتصال لحركة الشباب مع القيادة الحوثية، كما وفر له الحوثيون، وفق المعلومات التي أوردتها الصحيفة، مسكناً في صنعاء وجواز سفر يمنياً مزوراً باسم مستعار.

من صفقة السلاح إلى التدريب العسكري

لم تتوقف العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب عند نقل الأسلحة، بل امتدت إلى التدريب وتبادل الخبرات العسكرية.

وفي عام 2024، أرسلت حركة الشباب مبعوثاً رفيع المستوى، الشيخ أحمد علمي سمتر، للعمل إلى جانب جبريل في اليمن، وتضمنت قائمة الأسلحة التي طلبتها الحركة صواريخ محمولة مضادة للطائرات، وصواريخ "كاتيوشا" عيار 107 ملم، وبنادق قنص، وطائرات مسيرة هجومية، وصواريخ موجهة مضادة للدبابات، إلى جانب أجهزة رؤية ليلية.

واعتقلت السلطات اليمنية سمتر في يناير 2025، قبل إطلاق سراحه لاحقاً في صفقة تبادل أسرى مع الحوثيين، وفق الإحاطة التي استندت إليها الصحيفة، وبعد عودته إلى الصومال، واصل جبريل إدارة مصالح حركة الشباب في اليمن.

وبحسب المعلومات التي أوردتها "وول ستريت جورنال"، استمرت حركة الشباب في إرسال خبراء أسلحة إلى اليمن، فيما واصل جبريل التوسط في صفقات الشحن ونقل المعدات.

وتشير التقارير إلى أن مقاتلين من حركة الشباب سافروا إلى اليمن لتلقي تدريبات على تصنيع العبوات الناسفة واستخدام الأسلحة المتطورة والطائرات المسيرة، كما تحدثت معلومات استخباراتية عن وجود مدربين حوثيين في الصومال لتدريب عناصر الحركة على تشغيل الطائرات المسيرة.

وفي هذا السياق، قال الجنرال الأمريكي داغفين أندرسون، قائد القوات الأمريكية في إفريقيا، إن هذا التعاون يمنح حركة الشباب إمكانية الحصول على أسلحة وتدريبات أكثر تطوراً، بينما يتيح للحوثيين توسيع نطاق وصولهم الجغرافي إلى منطقة بالغة الأهمية بالنسبة للتجارة العالمية.

خليج عدن يتحول إلى ساحة جديدة للصراع

وتكمن خطورة التحالف الحوثي مع حركة الشباب في الموقع الجغرافي الذي تتحرك فيه الجماعتان، فاليمن والصومال يقعان على جانبي خليج عدن، الذي يرتبط مباشرة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.

وبحسب التقرير، فإن الحوثيين لا ينظرون إلى العلاقة مع حركة الشباب باعتبارها مصدراً للأموال فقط، بل يسعون أيضاً إلى الحصول على موطئ قدم على الجانب الجنوبي من خليج عدن، بما يسمح لهم بتوسيع قدرتهم على مراقبة حركة السفن.

وفي يونيو توجه وفد حوثي من أربعة أشخاص من اليمن إلى جنوب الصومال، حيث التقى بعناصر من حركة الشباب في مناطق تخضع لنفوذ الحركة، وفق مصدر استخباراتي إقليمي نقلت عنه الصحيفة.

وتركزت المناقشات، بحسب المعلومات الواردة في التقرير، على مواجهة النشاط الإسرائيلي في ميناء بربرة بأرض الصومال، وسط مخاوف حوثية من تحول المنطقة إلى منصة للمراقبة أو تنفيذ عمليات ضد مواقع الحوثيين في اليمن.

كما أشارت المعلومات إلى بحث الحوثيين عن مساعدة من حركة الشباب في نشر أنظمة رادار قادرة على مراقبة السفن في المياه الواقعة بين اليمن والصومال.

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد أهمية خليج عدن كممر بديل للطاقة في ظل الاضطرابات التي طالت طرق الشحن الإقليمية، وهو ما يجعل أي تهديد مستمر للملاحة فيه ذا تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

أرض الصومال تضيف بُعداً جديداً للصراع

ووفقًا للصحيفة زاد ملف "أرض الصومال" من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة، بعدما اعترفت إسرائيل في ديسمبر باستقلال الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991، في خطوة أثارت مخاوف بشأن تداعياتها على التوازنات الأمنية في خليج عدن.

ويتمتع ميناء بربرة بموقع استراتيجي على خليج عدن، وهو ما يجعله مهماً بالنسبة إلى أي طرف يسعى إلى مراقبة حركة الملاحة في المنطقة أو متابعة تحركات الحوثيين في اليمن.

ويرى مايكل ميلشتين، وهو ضابط استخبارات إسرائيلي سابق، أن وجوداً إسرائيلياً في أرض الصومال يمكن أن يوفر موقعاً مهماً لمواجهة الحوثيين، بينما أعلن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي أن جماعته تراقب التحركات الإسرائيلية في المنطقة.

وقال الحوثي، في خطاب متلفز في أغسطس إن جماعته ستتحرك ضد أي نشاط أو وجود إسرائيلي في أرض الصومال، محذراً من أهداف مرتبطة بخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر.

وفي الوقت ذاته، عززت حركة الشباب مواردها المالية، إذ تقدر معلومات استخباراتية أمريكية إيراداتها السنوية بما لا يقل عن 100 مليون دولار، من خلال الابتزاز وفرض الإتاوات واستغلال بعض الموارد المحلية، الأمر الذي يمنحها قدرة مالية على شراء الأسلحة والخدمات العسكرية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب لم تعد مجرد تبادل محدود للمصالح، بل يمكن أن تتطور إلى شبكة عابرة للحدود تجمع بين التمويل والسلاح والتدريب والمعلومات.

ويرى المراقبون أن التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب يمثل تحولاً مهماً في خريطة التهديدات الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، لأنه يجمع بين جماعة تمتلك ترسانة صاروخية وطائرات مسيرة وخبرة في استهداف الملاحة، وتنظيم مسلح يتمتع بشبكات محلية وموارد مالية وقدرة على العمل داخل الصومال.

وتكمن الخطورة الأكبر في احتمال انتقال العلاقة من تبادل السلاح والتدريب إلى تنسيق عملياتي أوسع يستهدف السفن أو المنشآت أو الوجود العسكري في المنطقة، خصوصاً مع تزايد التنافس حول ميناء بربرة والممرات البحرية المحيطة به.

كما أن اتساع التعاون بين الطرفين قد يمنح الحوثيين عمقاً جغرافياً جنوب خليج عدن، بينما تحصل حركة الشباب على أسلحة وتقنيات أكثر تطوراً، وهو ما يرفع مستوى التهديد أمام الولايات المتحدة وحلفائها ودول المنطقة.

وبالتالي، فإن مقتل جبريل الأعور قد يكون قد أزال حلقة رئيسية من شبكة التعاون، لكنه لا يعني بالضرورة تفكيكها، خاصة مع انتقال حركة الشباب إلى البحث عن بديل لمواصلة اتصالاتها مع الحوثيين.

شارك