تحذير جديد تفريغ القدس من المسيحيين.. يحول الأرض المقدسة لمتحف ميت
الإثنين 07/سبتمبر/2026 - 12:14 م
طباعة
روبيرالفارس
حذّر المطران جمال دعيبس، أسقف جيبوتي والمدبّر الرسولي للصومال، من أن تصاعد الخوف والاعتداءات والضغوط المعيشية يدفع مزيدًا من الفلسطينيين المسيحيين إلى التفكير في مغادرة الأرض المقدسة، مؤكدًا أن المسيحيين لا ينظرون إلى وجودهم في القدس وفلسطين باعتباره وجودًا طارئًا أو مرتبطًا بمرحلة سياسية، وإنما باعتباره امتدادًا تاريخيًا لجماعة مسيحية نشأت في هذه الأرض نفسها.
وقال المطران دعيبس: «هذه بلادنا؛ نحن هنا منذ قرون طويلة، منذ يوم العنصرة وحتى اليوم. ونريد أن نستمر، كمسيحيين، في العيش في الأرض المقدسة، وأن نكون الحجارة الحيّة في الأرض المقدسة»، محذرًا من أن الوضع «يزداد سوءًا يومًا بعد يوم».
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل التراجع المستمر في أعداد المسيحيين الفلسطينيين، والهجرة التي تستنزف المجتمعات المسيحية التاريخية في القدس وبيت لحم ومدن وقرى الضفة الغربية. ووفق بيانات التعداد الفلسطيني لعام 2017، بلغ عدد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية نحو 46,850 شخصًا، بينهم 45,712 في الضفة الغربية و1,138 في قطاع غزة، فيما كان نحو 8,558 مسيحيًا يقيمون في محافظة القدس آنذاك.
ولم تعد الهجرة مجرد ظاهرة ديموغرافية عابرة، بل أصبحت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه استمرار الوجود المسيحي في موطنه التاريخي. فقد أشار تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية إلى استمرار هجرة المسيحيين الفلسطينيين بمعدلات مرتفعة، مع تقديرات بوجود نحو 50 ألف مسيحي فلسطيني في الضفة الغربية والقدس في السنوات الأخيرة، إلى جانب تراجع شديد في عدد مسيحيي غزة.
. مدينة المسيحية الحية
خطورة خروج المسيحيين من القدس لا تكمن فقط في انخفاض عدد السكان المسيحيين، وإنما في فقدان المدينة جزءًا أساسيًا من هويتها التاريخية والروحية والثقافية.
فالقدس ليست بالنسبة للمسيحيين مجرد موقع ديني يزوره الحجاج من مختلف أنحاء العالم؛ إنها مدينة عاش فيها المسيحيون منذ القرون الأولى للمسيحية، وارتبطت أحياؤها وكنائسها وأديرتها وعائلاتها بذاكرة مسيحية ممتدة عبر قرون.
ومن هنا فإن بقاء المسيحيين المحليين في القدس يعني بقاء «المسيحية الحية» في المدينة، وليس مجرد بقاء المباني والآثار.
فالكنيسة يمكن أن تظل مفتوحة أمام الحجاج، ويمكن أن تستمر الصلوات والقداديس داخلها، لكن غياب العائلات المسيحية والمدارس والجمعيات والحرفيين والمحال والمجتمع المحلي يحوّل الوجود المسيحي تدريجيًا من حياة يومية إلى مجرد تراث ديني وسياحي.
ولهذا عبّر كاهن في الأرض المقدسة، في حديث نقلته مصادر كنسية خلال عام 2026، عن الخوف من أن تتحول الأرض المقدسة إلى ما يشبه «ديزني لاند مسيحية»، أي مكان يحافظ على المواقع المرتبطة بتاريخ المسيحية، لكنه يفقد المسيحيين الأصليين الذين ينتمون إليها.
نزيف ديموغرافي يتجاوز القدس
المشكلة لا تقتصر على مدينة القدس وحدها. فالمجتمعات المسيحية في بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والقرى المسيحية الأخرى تواجه بدورها تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية تدفع بعض أبنائها إلى الهجرة.
وفي سبتمبر 2025، قال رئيس بلدية بيت لحم إن الهجرة المستمرة تستنزف بيت لحم ومدنًا فلسطينية أخرى، وتؤدي إلى استنزاف الوجود المسيحي في الأرض المقدسة.
وتكتسب بيت لحم أهمية رمزية استثنائية؛ فهي المدينة التي ارتبطت بميلاد المسيح، لكنها في الوقت نفسه مدينة يعيش فيها مسيحيون فلسطينيون يشكلون جزءًا من نسيجها الاجتماعي والتاريخي. وبالتالي فإن استمرار هجرة سكانها المسيحيين يعني أن المدينة قد تحتفظ بمكانتها على الخريطة الدينية العالمية، بينما يتراجع تدريجيًا المجتمع الذي حمل هذه الذاكرة وعاشها جيلاً بعد جيل.
العنف والاعتداءات.. عامل إضافي للهجرة
إلى جانب المشكلات الاقتصادية وقيود الحركة والصراع السياسي، يثير تصاعد الاعتداءات والمضايقات ضد المسيحيين مخاوف متزايدة.
فقد وثّق مركز روسينغ للعلاقات اليهودية والمسيحية 111 حادثة اعتداء أو عنف ضد المسيحيين في عام 2024، شملت اعتداءات على رجال دين وأفرادًا، إضافة إلى 35 حالة تخريب طالت كنائس وأديرة ورموزًا دينية مسيحية. وأشار التقرير إلى أن غالبية الحالات التي أمكن تحديد مرتكبيها ارتبطت بأوساط من اليهود المتدينين المتطرفين والقوميين الدينيين.
وفي أغسطس 2026، سلطت تقارير صحفية الضوء على تنامي مخاوف المسيحيين في إسرائيل والقدس من المضايقات والاعتداءات، بما في ذلك البصق والإهانات والاعتداءات الجسدية. كما أثار الاعتداء العنيف على راهبة كاثوليكية في البلدة القديمة في القدس قلقًا واسعًا داخل الأوساط المسيحية.
كما شهدت قرية الطيبة المسيحية في الضفة الغربية، وهي واحدة من آخر القرى المسيحية المتبقية في المنطقة، توترات واعتداءات مرتبطة بعنف المستوطنين، فيما تحدثت تقارير عن عرقلة وصول فرق الإطفاء الفلسطينية إلى منطقة اندلع فيها حريق بالقرب من القرية في يونيو
ولا يعني ذلك تحميل جماعة دينية بأكملها مسؤولية هذه الاعتداءات، فالمشكلة تحديدًا تكمن في صعود تيارات متطرفة وممارسات عنيفة تستهدف المسيحيين أو تجعلهم يشعرون بأن وجودهم أصبح أقل أمانًا.
لماذا يمثل خروج المسيحيين خطرًا على القدس؟
تكمن الخطورة الأولى في الديموغرافيا.
فكل عائلة تغادر القدس أو بيت لحم لا تعني مجرد انخفاض رقم في الإحصاءات، وإنما تعني مدرسة أو منزلًا أو متجرًا أو مؤسسة أو ذاكرة عائلية تختفي من المشهد تدريجيًا.
والخطورة الثانية ثقافية.
المسيحيون الفلسطينيون ليسوا مجرد أتباع لدين موجود في القدس، بل هم جزء من التاريخ المحلي للمدينة. وتظهر هذه الهوية في أسماء العائلات، واللغة، والعمارة، والحرف، والموسيقى، والأعياد، والتقاليد، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية، والعلاقات التي تشكلت بين العائلات عبر أجيال.
أما الخطورة الثالثة فهي دينية وروحية.
فوجود المسيحيين المحليين يمنح الكنائس والأماكن المقدسة امتدادًا بشريًا حيًا. فكنيسة القيامة، على سبيل المثال، ليست مجرد أثر معماري يستقبل ملايين الحجاج؛ إنها مكان عبادة تتوارث خدمته جماعات مسيحية تاريخية، وتحيط به عائلات ومؤسسات وكنائس شرقية وغربية حافظت على حضور المسيحية في المدينة عبر قرون.
والخطورة الرابعة سياسية وإنسانية.
إن القدس التي تفقد أحد مكوناتها التاريخية تصبح مدينة أقل تنوعًا وأكثر عرضة للتحول إلى فضاء تهيمن عليه رواية واحدة. ولذلك فإن حماية الوجود المسيحي ليست قضية كنسية فقط، وإنما قضية تتعلق بالتعددية الدينية والثقافية وحق السكان الأصليين في البقاء في أرضهم.
المطران دعيبس: القضية أكبر من الاصطفافات السياسية
ومن هنا جاءت دعوة المطران جمال دعيبس الكنائس والمجتمع الدولي إلى التحرك، مؤكدًا أن «الوقت قد حان لممارسة بعض الضغط، بما في ذلك الضغط الدبلوماسي» لوقف الاعتداءات والعنف.
وهو يضع القضية في إطار أوسع من الصراع السياسي، قائلًا: «إنها مسألة كرامة إنسانية. إنها مسألة حياة الإنسان. إنها مسألة العيش بحرية».
هذه الرؤية مهمة؛ لأن الدفاع عن المسيحيين في الأرض المقدسة لا ينبغي أن يتحول إلى صراع طائفي جديد، بل إلى دفاع عن حق الإنسان في الأمن والكرامة والحرية، وعن حق المجتمعات التاريخية في البقاء في موطنها.
فالمسيحيون الفلسطينيون ليسوا جالية أجنبية جاءت إلى القدس حديثًا، بل جزء من سكانها التاريخيين. ولذلك فإن الحديث عن حمايتهم لا يعني منحهم امتيازًا دينيًا، وإنما ضمان حقهم الطبيعي في البقاء والمشاركة الكاملة في الحياة العامة.
الكنائس أمام اختبار تاريخي
وإذا كان خطر الهجرة قد أصبح واضحًا، فإن السؤال المطروح أمام الكنائس والمؤسسات الدولية هو: ماذا يمكن فعله لمنع تحول الهجرة إلى واقع دائم؟
الحفاظ على المسيحيين في القدس والأرض المقدسة لا يتحقق بالبيانات وحدها، وإنما يحتاج إلى دعم المدارس والمستشفيات والمؤسسات الاجتماعية، ومساعدة العائلات الشابة على البقاء، وخلق فرص العمل، وحماية الممتلكات والمؤسسات المسيحية، وضمان حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة، ومواجهة أي اعتداء على المسيحيين أيا كان مصدره.
كما أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع الاعتداءات على المسيحيين باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع لحماية المدنيين وحقوق الإنسان، لا باعتبارها حوادث هامشية لا تستحق الاهتمام إلا عندما تقع داخل كنيسة أو تستهدف رجل دين.
فالمعادلة واضحة: كلما أصبح البقاء أكثر صعوبة، أصبحت الهجرة أكثر جاذبية؛ وكلما زادت الهجرة، ضعفت المؤسسات المسيحية المحلية؛ وكلما ضعفت المؤسسات، أصبح بقاء العائلات أكثر صعوبة.
وهكذا يدخل المجتمع المسيحي في دائرة ديموغرافية خطيرة يمكن أن تؤدي، على المدى الطويل، إلى فقدان الحضور المحلي.
«الحجارة الحية» قبل الحجارة المقدسة
تكمن قوة رسالة المطران جمال دعيبس في تعبيره عن المسيحيين بأنهم «الحجارة الحيّة» في الأرض المقدسة.
فالكنائس والأديرة والأضرحة يمكن ترميمها وحمايتها، لكن المجتمع الذي عاش حولها لا يمكن استعادته بسهولة بعد رحيله.
يمكن إعادة بناء حجر سقط، وترميم كنيسة تضررت، وإعادة فتح مدرسة أغلقت، لكن إعادة عائلة هاجرت وأقامت حياة جديدة في بلد آخر أكثر صعوبة.
ومن هنا فإن حماية القدس المسيحية لا تعني فقط حماية كنيسة القيامة أو كنيسة المهد أو الأديرة التاريخية، وإنما حماية الإنسان الذي يفتح باب منزله صباحًا في القدس، ويرسل أبناءه إلى المدرسة، ويذهب إلى الكنيسة، ويعمل في متجره، ويحتفل بعيد الميلاد والفصح، ويحمل ذاكرة عائلته التي تعود إلى أجيال بعيدة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأرض المقدسة ليس أن تختفي كنائسها، بل أن تبقى الكنائس بينما يختفي أهلها.
وهذا هو جوهر التحذير الذي يطرحه المطران دعيبس: إن استمرار نزيف المسيحيين من القدس والأرض المقدسة قد يحول المسيحية من حضور بشري أصيل إلى مجرد ذاكرة محفوظة في الحجارة.
ولهذا، فإن إنقاذ الوجود المسيحي ليس دفاعًا عن الماضي وحده، وإنما دفاع عن مستقبل القدس نفسها كمدينة متعددة الأديان والثقافات، وعن إمكانية أن تبقى الأرض المقدسة أرضًا يعيش فيها أبناؤها، لا مجرد أرض يأتي إليها الآخرون لزيارة تاريخها.
وكما قال المطران دعيبس: «إذا استطعنا تحقيق السلام في الأرض المقدسة، فسيكون الشرق الأوسط كله مسالمًا، وسينعكس ذلك بصورة إيجابية على العالم بأسره».
فالسلام الحقيقي في القدس لا يقاس فقط بعدد الحواجز التي تختفي أو الاتفاقات التي توقع، وإنما أيضًا بقدرة المسيحي والمسلم واليهودي على البقاء في مدينتهم، والعيش فيها بكرامة، وممارسة إيمانهم بحرية، والحفاظ على الذاكرة التي جعلت من القدس مدينة مقدسة للعالم كله.
