مذبحة كينسكوف.. من يحمي المسيحيين الهايتيين من دولة العصابات؟
الإثنين 07/سبتمبر/2026 - 12:16 م
طباعة
روبير الفارس
عاد الموت إلى كنيسة في كينسكوف، لكن هذه المرة لم يعد المكان مجرد مسرح لجريمة جديدة، بل تحول إلى شاهد على واحدة من أكثر صور انهيار الدولة الهايتية قسوة.
حيث اقتحم نحو 150 مسلحًا منطقة كينسكوف الجبلية القريبة من العاصمة بورت أو برنس، وقتلوا 47 شخصًا على الأقل، وأصابوا 22 آخرين، واختطفوا أكثر من 50 شخصًا. وبينما حاول عشرات السكان الاحتماء داخل كنيسة، لاحقهم المسلحون إلى المكان الذي يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا. ووفق المعطيات الأممية، قُتل 22 شخصًا في باحة الكنيسة، بينما قُتل 12 آخرون خلف المبنى. كما أُحرقت منازل وأُجبر أكثر من 2600 شخص على الفرار من المنطقة.
وبعد أيام، عاد المشهد إلى الكنيسة نفسها، ولكن بدلًا من أصوات الرصاص علت صلوات الجنازة. وحتى مطلع سبتمبر كان قد دُفن 17 فقط من الضحايا، فيما ظلت كينسكوف تحت حالة تأهب قصوى، بينما يعيش السكان صدمة عميقة وخوفًا من عودة المسلحين.
ولم تتوقف المأساة عند القتلى.
فقد أُفرج لاحقًا عن 13 مخطوفًا، بينهم ستة أطفال وسبع نساء، بوساطة قادة محليين ومنظمة اليونيسف، لكن مصير بقية المخطوفين ظل مصدر قلق. وأظهر ذلك مرة أخرى أن إنقاذ المدنيين في بعض المناطق الهايتية بات يعتمد أحيانًا على وساطات محلية أكثر مما يعتمد على قدرة الدولة على تنفيذ عمليات أمنية حاسمة.
كينسكوف.. لماذا هذه المنطقة مهمة؟
تقع كينسكوف في المرتفعات المطلة على بورت أو برنس، ولذلك فإن السيطرة عليها ليست مجرد مسألة محلية.
فالمنطقة تشكل جزءًا من الحزام الجغرافي المحيط بالعاصمة، وتتيح لمن يسيطر عليها تهديد طرق الحركة والوصول إلى مناطق حضرية واقتصادية مهمة.
والهجوم الأخير لم يكن حادثًا معزولًا. فقد تعرضت كينسكوف منذ عام 2025 لأكثر من عشرة هجمات دامية، ما يشير إلى محاولة مستمرة من العصابات لتوسيع نفوذها خارج العاصمة. وقالت الأمم المتحدة إن هجوم أغسطس يمثل تحديًا مباشرًا لسلطة الدولة وقدرة العصابات على ترهيب السكان وتوسيع مناطق نفوذها.
وهنا تكمن خطورة ما حدث في الكنيسة.
فالعصابات لم تعد تهاجم مراكز الدولة فقط؛ بل أصبحت تستهدف المدنيين داخل مناطق سكنية، وتلاحقهم إلى أماكن العبادة، وتحرق المنازل وتخطف السكان.
أي أنها لا تتصرف كجماعات إجرامية تبحث عن المال فحسب، وإنما كقوى مسلحة تسعى إلى فرض السيطرة على الأرض والسكان.
هايتي.. دولة في مواجهة العصابات
الأزمة أكبر من كينسكوف.
فخلال النصف الأول من عام 2026، قُتل أكثر من 3050 شخصًا في أعمال العنف المرتبطة بالعصابات، بينما اضطر نحو 1.47 مليون شخص إلى النزوح من منازلهم. كما أصبحت العصابات تسيطر على نحو 70% من بورت أو برنس وفق تقديرات حديثة، في حين أدت أعمال العنف إلى انهيار واسع للخدمات وسبل الحياة.
وفي منطقة بلاين دو كول دو ساك ومدينة سيتي سولاي وحدهما، قُتل ما لا يقل عن 613 شخصًا وأصيب 375 آخرون بين مارس ويوليو2026، وكان أكثر من ثلث الضحايا من المدنيين غير المرتبطين بالعصابات، بينهم نساء وأطفال. كما وثقت الأمم المتحدة أكثر من 176 حالة اغتصاب بحق النساء والفتيات خلال الفترة نفسها.
وهذا يعني أن الأزمة لم تعد أزمة أمنية فقط.
إنها أزمة دولة.
فحين يخشى المواطن الشرطة أكثر مما يخشى العصابة، وحين تصبح الطرق خاضعة لنقاط تفتيش غير رسمية، وحين تستطيع مجموعة مسلحة اختطاف عشرات الأشخاص في ليلة واحدة، فإن الدولة تكون قد فقدت جزءًا أساسيًا من وظيفتها.
من يستطيع مواجهة العصابات؟
هناك ثلاث قوى رئيسية يفترض أن تكون قادرة على تغيير المعادلة:
أولًا: الشرطة الوطنية الهايتية
الشرطة الوطنية هي القوة المحلية الأساسية في مواجهة العصابات، وهي الجهة التي يفترض أن تستعيد سيطرة الدولة على المدن والمناطق السكنية.
لكنها تعاني نقصًا كبيرًا في العدد والتجهيز والتدريب والقدرات العملياتية، كما تواجه أزمة ثقة شديدة لدى السكان.
وبعد مذبحة كينسكوف، تصاعدت الاتهامات الشعبية للسلطات بالفشل في حماية المنطقة، بل وظهرت دعوات إلى تغيير قيادات شرطية، بينما أعلنت الحكومة أن قوات الأمن وضعت في حالة تأهب قصوى وأرسلت تعزيزات إلى كينسكوف.
المشكلة أن الشرطة لا تستطيع وحدها خوض حرب واسعة ضد جماعات مسلحة تمتلك أسلحة ثقيلة وشبكات تمويل واتصالات وتسيطر على مناطق واسعة.
ثانيًا: الجيش الهايتي
الجيش يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في حماية الحدود والمنشآت الاستراتيجية ومساندة الشرطة في العمليات الكبرى.
لكن المؤسسة العسكرية نفسها محدودة الموارد، ولا يمكن أن تتحول بمفردها إلى قوة قادرة على خوض حرب مدن طويلة ضد عشرات الجماعات المسلحة.
ولهذا فإن الحل الهايتي يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الأمن نفسها، لا مجرد إرسال قوات إضافية إلى منطقة تعرضت لهجوم.
ثالثًا: القوة الدولية لمكافحة العصابات
وهنا توجد الورقة الأكثر أهمية على المستوى الدولي.
فقد تحولت المهمة الدولية السابقة لدعم الأمن إلى «قوة قمع العصابات» المدعومة من الأمم المتحدة، وبدأ انتشارها في أبريل 2026. ومن المفترض أن تعمل القوة إلى جانب الشرطة الوطنية والجيش الهايتي، لا أن تحل محلهما.
وتستهدف الخطة بناء قوة دولية أكبر قادرة على مساعدة السلطات الهايتية في تفكيك شبكات العصابات واستعادة السيطرة على المناطق التي فقدتها الدولة.
لكن المشكلة أن القوة الدولية نفسها لم تصل بعد إلى الحجم والقدرة العملياتية التي تجعلها قادرة على إنهاء المشكلة سريعًا.
وهذا ما يجعل مذبحة كينسكوف اختبارًا حقيقيًا لها.
هل تستطيع القوة الدولية حماية قرية؟
السؤال ليس: هل تستطيع القوة الدولية دخول بورت أو برنس؟
السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع حماية كينسكوف، وأرتيبونيت، والمناطق الريفية، والطرق، والمدارس والكنائس والمستشفيات، وإعادة الدولة إلى الأماكن التي انسحبت منها؟
إذا كان المواطن يحتاج إلى قوة دولية حتى يستطيع الذهاب إلى الكنيسة أو العودة إلى منزله، فإن المشكلة لم تعد مجرد «مكافحة عصابات».
إنها إعادة بناء سلطة الدولة.
العصابات ليست قوة واحدة
ومن الأخطاء النظر إلى العصابات الهايتية باعتبارها تنظيمًا واحدًا.
هناك شبكات وجماعات متعددة، بينها تحالفات تتغير باستمرار، وقد شهد تحالف «فيف أنسانم» نفسه إعادة تشكيل وضعفًا داخليًا خلال عام 2026، بالتزامن مع اشتداد الضغط العسكري على بعض الجماعات.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن الصراع بين العصابات ومحاولات القوى الأمنية استعادة المناطق أدى إلى موجات جديدة من العنف، بينما يستغل المسلحون ضعف الدولة والفقر وغياب الخدمات لتوسيع نفوذهم.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: حتى إذا نجحت القوات الأمنية في طرد العصابات من حي أو قرية، فمن سيحكم المكان بعد ذلك؟
من سيؤمن الشرطة؟
من سيشغل المدرسة؟
من سيعيد فتح المستشفى؟
من سيحمي الطرق؟
ومن سيمنع العصابات من العودة؟
إذا لم توجد إجابة عن هذه الأسئلة، فقد يتحول الانتصار العسكري إلى هدنة مؤقتة.
لماذا لا تكفي القوة العسكرية؟
لأن العصابات في هايتي لا تعيش فقط على السلاح.
إنها تستفيد من الفقر، والبطالة، وضعف مؤسسات الدولة، وتهريب الأسلحة، والاقتصاد غير الرسمي، وغياب الخدمات، وانهيار الثقة السياسية.
ولهذا فإن القضاء على العصابات يحتاج إلى ثلاثة مسارات تسير معًا:
الأمن: تفكيك الجماعات المسلحة واستعادة السيطرة على الأراضي.
العدالة: محاكمة قادة العصابات وشبكات التمويل والفساد والتهريب.
التنمية: توفير العمل والتعليم والخدمات حتى لا يصبح الانضمام إلى العصابات أحد الخيارات القليلة أمام الشباب.
وقد حذرت الأمم المتحدة من أن العمليات الأمنية وحدها لا تكفي، وأن مكافحة تجنيد الشباب في العصابات تحتاج أيضًا إلى استثمارات طويلة الأجل في الفرص الاجتماعية والاقتصادية. (
والكنيسة.. لماذا أصبحت هدفًا؟
الكنيسة في كينسكوف تكشف جانبًا شديد القسوة من الأزمة.
فالناس لم يذهبوا إليها لمواجهة المسلحين؛ ذهبوا إليها بحثًا عن الحماية.
ومع ذلك، لم تحترم العصابات حرمة المكان، بل لاحقت الفارين إليه.
وهذا يضرب واحدًا من آخر الأماكن التي يفترض أن يشعر فيها المدني بالأمان.
كما أن استهداف الكنيسة يبعث برسالة نفسية تتجاوز عدد القتلى: لا يوجد مكان آمن.
ليس المنزل آمنًا.
ولا الطريق.
ولا الشارع.
ولا حتى الكنيسة.
وهذه هي أخطر أدوات الإرهاب التي تستخدمها العصابات: تحويل الخوف إلى وسيلة للسيطرة على المجتمع.
هايتي أمام مفترق طرق
المأساة أن مذبحة كينسكوف جاءت في وقت تحاول فيه هايتي التحضير لانتخابات طال انتظارها، بعد سنوات من الاضطراب السياسي منذ اغتيال الرئيس جوفينيل مويز عام 2021.
لكن الانتخابات نفسها تحتاج إلى أمن.
والأمن يحتاج إلى دولة.
والدولة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على فرض القانون.
وبالتالي فإن العصابات لا تهدد حياة المدنيين فقط، وإنما تهدد إمكانية إعادة بناء النظام السياسي الهايتي بأكمله.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه كينسكوف ليس فقط «من قتل هؤلاء الأشخاص؟».
بل:
من سيمنع تكرار الجريمة؟
ومن سيستعيد الأرض من العصابات؟
ومن سيعيد الدولة إلى القرى؟
ومن سيحمي الكنائس والمدارس والمستشفيات؟
ومن سيضمن ألا يصبح دفن الضحايا طقسًا متكررًا في بلد فقد قدرته على حماية مواطنيه؟
