من أنقاض داعش إلى نهضة جديدة.. دير مار بهنام يستعيد الحياة في العراق
الثلاثاء 08/سبتمبر/2026 - 11:55 ص
طباعة
روبيرالفارس
.
في قلب سهل نينوى، حيث تتداخل ذاكرة المسيحية العراقية مع تاريخ بلاد الرافدين، تتواصل أعمال الإعمار والبناء في دير الشهيدين مار بهنام وأخته مارت سارة، في خطوة جديدة لاستعادة أحد أقدم وأهم المعالم المسيحية في العراق، بعدما تعرض خلال سنوات سيطرة تنظيم داعش لعمليات تخريب وتدمير ممنهجة استهدفت مبانيه ومنحوتاته ومقام الشهيدين.
ومؤخرا تفقّد مار بندكتوس يونان حنو، رئيس أساقفة أبرشية الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك، يرافقه الأب روني موميكا، أعمال الإعمار والبناء الجارية في الدير، وكان في استقباله الأب مازن متوكا، رئيس الدير، والأب نيروان البناء من الرهبنة الفرنسيسكانية.
واطّلع رئيس الأساقفة على مراحل العمل ونسب الإنجاز، في إطار اهتمام الأبرشية بإعادة تأهيل الدير والحفاظ على مكانته الروحية والتاريخية والتراثية.
دير يعود إلى فجر المسيحية
يعود أصل دير مار بهنام وأخته مارت سارة إلى القرن الرابع الميلادي، ويرتبط بقصة الشهيدين اللذين تحوّلا، بحسب التقليد المسيحي، إلى أحد أبرز رموز الإيمان المسيحي في منطقة نينوى.
ويقع الدير في منطقة خضر إلياس، على مسافة نحو 30 إلى 35 كيلومترًا جنوب شرق الموصل، بالقرب من بغديدا، وظل عبر القرون شاهدًا على استمرارية الوجود المسيحي في بلاد الرافدين.
وتعاقبت على رعاية الدير تقاليد كنسية مختلفة؛ فقد ارتبط في بداياته بكنيسة المشرق، ثم انتقلت رعايته إلى السريان الأرثوذكس، قبل أن يصبح تابعًا للسريان الكاثوليك منذ القرن الثامن عشر. وتؤكد أبرشية الموصل للسريان الكاثوليك أن الدير يمثل شاهدًا حيًا على نحو سبعة عشر قرنًا من تاريخ سهل نينوى. ([أبرشية الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك
لم يكن مجرد مبنى
تكمن أهمية مار بهنام في أنه ليس مجرد دير تاريخي، وإنما مجمع ديني وفني وأثري يحمل طبقات متراكمة من تاريخ المسيحية في العراق.
ومن أبرز عناصره الفنية منحوتة ضخمة لمار بهنام على صهوة جواده، إضافة إلى منحوتة لمارت سارة، فضلًا عن نقوش وكتابات وزخارف تعود إلى عصور مختلفة.
وكان الدير يضم أيضًا مقام الشهيدين، الذي يمثل أحد أهم مواضع الحج والتقوى للمسيحيين العراقيين، إلى جانب كنيسة ومصليات وممرات ومغارات مرتبطة بتاريخ المكان.
وقد وثقت الدراسات التراثية وجود أعمال فنية ونقوش ذات قيمة استثنائية، بعضها يعود إلى العصور الوسطى، بما في ذلك نقوش سريانية وعربية وأعمال نحتية مرتبطة بالفن المسيحي في بلاد الرافدين.
داعش و مشروع محو الذاكرة
مع سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من سهل نينوى عام 2014، وقع دير مار بهنام تحت سيطرة التنظيم، وتحول الموقع التاريخي إلى هدف مباشر لسياسة استهدفت الرموز الدينية والتراثية للمسيحيين.
وبين يوليو 2014 ونوفمبر 2016، تعرض الدير لأعمال تخريب واسعة. فقد أقدم مسلحو داعش على تحطيم الصلبان والتماثيل والمنحوتات، وإزالة الرموز الدينية، ونقش كتابات على الجدران، في محاولة لتجريد المكان من هويته المسيحية.
لكن الضربة الأكثر تدميرًا جاءت في مارس 2015، عندما فجّر التنظيم مقام الشهيدين مار بهنام ومارت سارة.
وأظهرت صور ومقاطع بثها التنظيم عملية تدمير الضريح، الذي تحول إلى كومة من الأنقاض. ولم يكن الهدف تدمير مبنى فحسب، بل محو ذاكرة مرتبطة بقرون من العبادة والحج والفن والكتابة السريانية.
وقد وصفت تقارير معنية بالتراث عملية التفجير بأنها واحدة من أكثر حلقات تدمير التراث المسيحي في شمال العراق مأساوية، فيما أكدت مصادر أخرى أن عناصر داعش استخدموا المتفجرات لتدمير الضريح في مارس 2015.
ماذا بقي بعد الانفجار؟
عندما تحررت المنطقة من داعش كانت الصورة الأولى التي ظهرت للدير شديدة القسوة. فقد تهدمت أجزاء من مقام الشهيدين، ودُمرت منحوتات تاريخية، وتحولت أجزاء من الموقع إلى أنقاض.
لكن عمليات رفع الأنقاض كشفت مفاجأة مهمة: لم يكن كل شيء قد فُقد.
فبحسب أعمال التوثيق والترميم، أمكن العثور بين الركام على عناصر حجرية قديمة يمكن إنقاذها وإعادة استخدامها، كما بقيت أجزاء كبيرة من جدران المقام قائمة رغم الانفجار.
وكانت هذه البقايا أساسًا لمشروع إعادة الإعمار الذي بدأ بعد تحرير المنطقة.
من الترميم إلى إعادة الإحياء
لم تتوقف جهود استعادة الدير عند إزالة آثار الدمار. فقد بدأت مشاريع لإعادة بناء الضريح وترميم أجزاء من الدير والكنيسة، بمشاركة جهات كنسية ومنظمات متخصصة في حماية التراث.
وتولت منظمة «Fraternité en Irak» جانبًا مهمًا من جهود إعادة بناء المقام، وشملت الأعمال إعادة بناء الأنفاق المؤدية إليه وترميم القبة والمقام، فيما نُفذت أعمال خلال الفترة بين يوليو/تموز 2017 ومايو 2018.
كما امتدت جهود الترميم إلى الأعمال الفنية التي دمرها داعش.
وفي أحدث مراحل المشروع، أعيد تأهيل المنحوتتين الكبيرتين لمار بهنام ومارت سارة، في مشروع بدأ في ديسمبر 2025 وانتهى في فبراير 2026. وشملت العملية ترميم الأجزاء التي نجت من التدمير، وإعادة الأجزاء المتضررة بالاستناد إلى الوثائق والصور التاريخية، وإحياء النقوش السريانية والعربية المحيطة بالمنحوتتين.
إعمار الحجر واستعادة الذاكرة
وتكتسب أعمال الإعمار الجارية حاليًا أهمية تتجاوز الجانب الهندسي. فالدير كان واحدًا من المواقع التي أراد تنظيم داعش أن يمحوها من خريطة الذاكرة المسيحية العراقية.
ولهذا فإن إعادة بناء ما تهدم وترميم ما أمكن إنقاذه يمثلان نوعًا من المقاومة الثقافية في مواجهة مشروع محو الهوية.
فالحجر الذي يُعاد وضعه في مكانه اليوم لا يمثل مجرد جزء من مبنى قديم، بل يحمل ذاكرة جماعة عاشت في هذه المنطقة قرونًا طويلة، وحافظت على لغتها وتراثها وصلبانها وكنائسها وأديرتها.
ومن هنا تأتي أهمية متابعة مار بندكتوس يونان حنو لأعمال الإعمار في سبتمبر 2026؛ فالمشروع لا يستعيد ديرًا تاريخيًا فحسب، وإنما يعيد فتح واحد من أهم أبواب الذاكرة المسيحية في سهل نينوى.
ذاكرة لم يستطع التفجير محوها
كان تنظيم داعش يعتقد أن المتفجرات قادرة على إسقاط القباب والقبور والمنحوتات، وربما محو ما تمثله من ذاكرة.
لكن السنوات التالية أثبتت العكس.
فبعد أكثر من عقد على احتلال الدير وتدمير مقام الشهيدين، تعود أعمال البناء والترميم إلى الموقع، وتعود معه المنحوتات والنقوش والقباب، ليصبح الدير مرة أخرى شاهدًا على تاريخ المسيحية في العراق، وعلى قدرة التراث الذي حاول المتطرفون تدميره على النهوض من بين الركام.
وفي سهل نينوى، حيث لا تزال آثار الحرب والنزوح ماثلة في الذاكرة، تبدو إعادة إعمار مار بهنام ومارت سارة رسالة واضحة: بعض الأبنية يمكن أن تُدمّر، لكن الذاكرة التي تحملها لا يمكن تفجيرها.
