سقوط المخا بيد الحوثيين...هل يقترب خطر التصعيد من باب المندب؟

الجمعة 11/سبتمبر/2026 - 11:58 ص
طباعة سقوط المخا بيد الحوثيين...هل فاطمة عبدالغني
 
أعاد التطور الميداني الأخير في الساحل الغربي اليمني رسم أولويات المعركة، مع إعلان وكالة شيبا للاستخبارات سيطرة قوات الحوثيين على مدينة المخا الساحلية غربي محافظة تعز، بعد سلسلة من الانسحابات للقوات الحكومية وحلفائها من مواقع عسكرية رئيسية، بينها معسكرات حيس والخوخة وخالد بن الوليد.

وبحسب الوكالة، دفعت هذه التطورات القوات الحكومية إلى إعادة الانتشار جنوبًا باتجاه ذباب، في تحول يضع خطوط الدفاع المحيطة بمدخل باب المندب أمام اختبار جديد، دون أن يعني سقوط المخا بحد ذاته انتقال السيطرة إلى المضيق.

سقوط المخا وتحول محور المعركة جنوبًا

جاءت خسارة المخا، التي تعد مقرًا رئيسيًا للمقاومة الوطنية، عقب تراجع متتابع للقوات الحكومية من عدد من المواقع الواقعة على الساحل الغربي، وترى وكالة شيبا أن هذا التطور يتزامن مع تحذيرات سابقة أطلقتها بشأن هجوم حوثي متعدد المحاور، استهدف إضعاف الدفاعات الساحلية وقطع الصلة بين جبهات الساحل وجبهات تعز، بما يفتح المجال أمام التقدم باتجاه باب المندب.

وكانت الوكالة قد أفادت في تقرير نشرته في 9 سبتمبر بأن القوات الحكومية انسحبت من حيس والخوخة بهدف تعزيز دفاعات المخا، عقب هجوم حوثي واسع استخدمت خلاله الصواريخ والطائرات المسيّرة وموجات متتالية من المقاتلين.

وتزامن ذلك، وفق المعلومات التي أوردتها الوكالة، مع اختراق في الوزيعية ودخول الحوثيين إلى معسكر خالد بن الوليد، وهو ما اعتبرته نقطة تحول رئيسية في مسار المواجهات.

معسكر خالد بن الوليد نقطة تحول ميدانية

بحسب معلومات ميدانية نقلتها وكالة شيبا، أدى فقدان معسكر خالد بن الوليد إلى تغيير واضح في اتجاه العمليات، إذ تقدمت القوات الحوثية بعد ذلك نحو جبل النار، حيث يقع مركز العمليات المشتركة للتحالف، قبل مواصلة التحرك باتجاه المخا انطلاقًا من الوزيعية وعلى امتداد الساحل.

وفي مواجهة هذا التراجع، أصدر الفريق طارق صالح، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقائد المقاومة الوطنية، توجيهات بإعادة تجميع القوات المنتشرة في الساحل الغربي.

وقالت وسائل إعلام عسكرية تابعة للمقاومة الوطنية، نقلًا عن صالح، إن القوات بدأت إنشاء مركز قيادة بديل في موقع آمن بهدف إعادة تنظيم صفوفها، بالتنسيق مع قيادة التحالف العربي ومجلس القيادة الرئاسي.

كما أشار صالح إلى تكبد قوات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة ودرع الأمة ووحدات المحور العسكري في تعز خسائر بشرية خلال التصدي للهجوم، متهمًا إيران بالتخطيط للهجوم ودعمه عبر حلفائها.

تحذيرات استخباراتية سبقت الانهيار

تربط وكالة شيبا التطورات الأخيرة بسلسلة من المؤشرات التي رصدتها في تقارير سابقة خلال سبتمبر الجاري، ففي 3 سبتمبر تحدثت الوكالة عن هجوم في مقبانة عقب أسابيع من التحشيد العسكري، شملت تحركات لمقاتلين وصواريخ وطائرات مسيّرة وأسلحة ثقيلة باتجاه جبهات تعز.

وحذرت الوكالة حينها من أن الضغط المتزامن على الجبهتين الشرقية والغربية يمكن أن يستنزف القوات الحكومية ويحد من قدرتها على إرسال تعزيزات إلى الساحل الغربي.

وفي تقرير آخر صدر في 4 سبتمبر بشأن محاولات عزل تعز عن الساحل الغربي، أشارت الوكالة إلى أن تثبيت الحوثيين لمواقعهم في مقبانة قد يهدد طرق الإمداد، ويمنحهم إمكانية الالتفاف على بعض المواقع الدفاعية، بالتزامن مع زيادة الضغط على المخا والمناطق الداخلية التي تشكل جزءًا من منظومة حماية مداخل باب المندب.

كما نشرت الوكالة في 8 سبتمبر تفاصيل خطة نسبت مصدرها إلى الحرس الثوري الإيراني، قالت إنها تستهدف استعادة حيس والوصول إلى الخوخة وربط العمليات الساحلية بجبهة مقبانة، وتحدث التقرير عن استخدام مناطق مثل حيطة والجبالية والفزاع والجاه كمحاور للمناورة وإضعاف القوات الحكومية وتقييد حركة التعزيزات.

لكن الوكالة نفسها أشارت إلى أن توافق التحركات الأخيرة مع الاتجاهات الواردة في ذلك التقرير لا يثبت بصورة مستقلة جميع تفاصيل الخطة أو تورط الأطراف التي جرى ذكرها.

باب المندب والجزر أمام تداعيات جديدة

لا تقتصر تداعيات التقدم الحوثي على مدينة المخا والمواقع المحيطة بها، إذ يفتح تغير خريطة السيطرة الساحلية تساؤلات حول أمن خطوط الإمداد والوصول إلى الجزر الواقعة في البحر الأحمر، خصوصًا مع إمكانية استخدام المواقع الساحلية الجديدة لزيادة الضغط على التحركات البحرية.

ومع ذلك، فإن السيطرة على منطقة ساحلية لا تعني تلقائيًا السيطرة على الجزر التابعة لها إداريًا، وهو ما يستدعي التمييز بين النفوذ على الساحل والسيطرة الفعلية على الجزر.

وفي هذا السياق، أشارت وكالة شيبا إلى تقارير عن تعرض جزر حنيش لهجمات، نقلتها وكالة رويترز عن مصادر عسكرية حكومية، لكنها أكدت أن هذه المعلومات لا تثبت سيطرة الحوثيين على الجزر أو انتقال السيطرة إليها نتيجة التطورات الأخيرة على البر الرئيسي.

وفي المقابل، تكشف التطورات في مناطق أخرى من اليمن أن التقدم الحوثي على الساحل لا يعني بالضرورة امتلاك الجماعة أفضلية مماثلة على جميع الجبهات. 
ففي 9 سبتمبر، أفادت وكالة شيبا بتقدم القوات الحكومية باتجاه معسكر ماس في مأرب وبراقش في الجوف، بالتزامن مع حديثها عن أوامر من عبد الملك الحوثي بنشر وحدات نخبوية لتعزيز جبهتي مأرب والجوف.

كما تعيد الانسحابات الأخيرة إلى الواجهة مشاهد من انتكاسات عسكرية سابقة، بينها فقدان القوات الحكومية مواقع في نهم خلال يناير 2020، وانسحاب القوات المشتركة من مواقع جنوب الحديدة في نوفمبر 2021، غير أن اختلاف الظروف العسكرية والسياسية في كل حالة يجعل من الصعب إسقاط تفسير واحد على جميع هذه التطورات.

وتداولت روايات ميدانية أيضًا مزاعم عن اختراق الاتصالات وتقليد أصوات قادة عسكريين لإصدار أوامر بالانسحاب، إلا أن هذه الروايات لم تدعم، وفق المعلومات المتاحة في التقرير، بأدلة فنية أو نتائج تحقيق منشورة، ولذلك لا يمكن اعتمادها تفسيرًا حاسمًا لما حدث.

ما بعد المخا.. هل يتجه القتال نحو ذباب؟

يفرض فقدان المخا على القوات الحكومية وحلفائها إعادة ترتيب أولوياتهم العسكرية، خصوصًا مع انتقال مركز الاهتمام جنوبًا باتجاه ذباب والمواقع القريبة من مدخل باب المندب.

ورغم أن السيطرة على المخا لا تعني السيطرة على المضيق، فإن امتداد الوجود الحوثي جنوبًا قد يمنح الجماعة مواقع إضافية يمكن استخدامها للضغط على خطوط الملاحة والتحركات البحرية، وهو ما قد يزيد احتمالات التصعيد الإقليمي والدولي في حال استمرت العمليات باتجاه المناطق الأقرب إلى باب المندب.

في المقابل، ستبقى قدرة القوات الحكومية على استعادة تماسكها وإعادة تثبيت خطوطها الدفاعية عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه المعركة خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب قدرة الحوثيين على الاحتفاظ بالمواقع التي سيطروا عليها وتحويل تقدمهم الميداني إلى مكاسب مستقرة.

وبحسب المراقبون تشير التطورات الأخيرة إلى أن معركة الساحل الغربي دخلت مرحلة أكثر حساسية، ليس فقط بسبب فقدان المخا، وإنما نتيجة اقتراب خطوط المواجهة من منطقة ترتبط مباشرة بأمن باب المندب وحركة الملاحة الدولية.
 ومع ذلك، فإن تقييم الوضع باعتباره تحولًا استراتيجيًا نهائيًا يبقى مبكرًا، إذ يتوقف ذلك على قدرة القوات الحكومية على وقف التراجع وإعادة تنظيم دفاعاتها، وعلى ما إذا كان الحوثيون سيتمكنون من مواصلة التقدم جنوبًا أم ستتوقف عملياتهم عند الخطوط الحالية.

شارك