كيف أنقذت عينٌ سرية برلين وفيينا من مذبحة محققة؟

الجمعة 11/سبتمبر/2026 - 07:52 م
طباعة كيف أنقذت عينٌ سرية برلين ـ خاص بوابة الحركات الإسلامية
 
أصدر الادعاء العام الاتحادي الألماني لائحة اتهام مكونة من مئتين وأربع عشرة صفحة، والصادرة عن عن واحدة من أعقد العمليات الاستخباراتية في التاريخ الألماني الحديث، لم يكن إحباط الهجوم وليد المصادفة، بل كان ثمرة اختراق أمني جاد نفذه جهاز حماية الدستور، والذي نجح في زرع مخبر أو عميل سري في النواة الصلبة للخلية.
يأتى ذلك بعد ان نجح جهاز حماية الدستور ـ الاستخبارات الداخلية الألمانية ـ في زرع عميل سري في النواة الصلبة للخلية؛ عينٌ سريّة ظلت ترصد كل حركة وتتنفس كل تفصيلة، حتى جاءت لحظة الصفر في صباح الأول من أكتوبر داخل ساحة خلفية بحي "موابيت" في برلين. هناك، وتحت المراقبة الدقيقة لضباط الأجهزة الأمنية، جرى تتبع عملية تسليم أرسنال مدمر يضم بندقية هجومية وثمانية مسدسات وأكثر من ستمائة طلقة ذخيرة حية. وبفضل هذا الاختراق العميق، تحولت العملية من هجوم محكم كان يستهدف إحداث مذبحة دموية بالتزامن مع ذكرى السابع من أكتوبر في العاصمتين الألمانية والنمساوية، إلى ضربة استباقية أطاحت بجميع عناصر الخلية السبعة وجرّدتهم من أسلحتهم قبل أن تلامس أصابعهم الزناد.
ظل العميل السري، الذي تحيط السلطات هويته وجنسيته بسياج صارم من السرية لحماية حياته، يتحرك كظل للمشتبه بهم. بل إن الدور الاستخباري تجاوز حدود المراقبة السلبية إلى المتابعة الدقيقة والتوجيه تحت الإشراف الكامل للأجهزة الأمنية؛ إذ أسهم العميل في تأمين وصول الذخيرة الحية للخلية تحت عملية مسيطر عليها بالكامل. سمحت هذه الاستراتيجية للادعاء العام بتوثيق التهم بالدليل القاطع، وتتبع المسار اللوجستي للأسلحة دون التضحية بأمن المواطنين أو تعريض حياتهم للخطر.
لم تكن الخطة تهدف مجرد جمع الأسلحة، بل كانت تتضمن هجمات موقوتة ومتزامنة تستهدف المؤسسات والمرافق في العاصمتين الألمانية والنمساوية. وتكشف وثائق التحقيق أن أحد عناصر الخلية السبعة المقبوض عليهم كان قد أعد بالفعل فيديو تبنّي للهجوم في فيينا منذ السابع من أغسطس، مما يعكس مستوى الجاهزية والنية المبيتة لإراقة الدماء.
ومع اكتمال عملية تسليم الأسلحة والذخيرة في الساحة الخلفية لشارع "تورم شتراسه"، أطبقت القوات الخاصة الألمانية الحصار على المكان، لينتهي المخطط في لحظته الحاسمة ويتم تحييد الخلية بالكامل. وأحيلت أوراق القضية رسمياً إلى دائرة حماية الدولة لدى محكمة الاستئناف العليا في برلين لمواجهة التهم الثقيلة المتعلقة بالانتماء لمنظمة إرهابية والتخطيط لأعمال عنف تستهدف أمن الدولة
لم تكن الشحنة سوى أرسنال إرهابي مصمم بعناية لإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية في قلب أوروبا بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لهجمات السابع من أكتوبر: بندقية هجومية آلية بالكامل من طراز "تسيرفينا زاستافا"، وثمانية مسدسات شبه آلية من نوع "جلوك 26"، إضافة إلى أكثر من ستمائة طلقة من الذخيرة الحية. غير أن الشابين اللذين ظنا أنهما يكتبان الفصل الأخير من مأساة أوروبية جديدة لم يكونا يعلمان أن عين الاستخبارات كانت تراقبهما عبر العدسة المقربة، وأن العد التنازلي لسقوطهما قد بدأ بالفعل.
لا تتوقف تداعيات الكشف عن هذه الخلية عند حدود قاعة المحكمة، بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على الملايين من المهاجرين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين في ألمانيا، سواء من حصلوا على الجنسية حديثاً أو من ينتظرون دورهم في طوابير معالجة الطلبات:
يري مراقبون أنه من المتوقع أن تدفع هذه الحادثة – لا سيما مع تورط مواطن من أصل سوري حصل بالفعل على الجنسية – السلطات الألمانية إلى فرض تدابير فحص أمني أكثر صارمة ومراجعات استخباراتية دقيقة للولاء السياسي والأمني قبل منح التابعية الألمانية.
كذلك إعادة قييم الحالات المنجزة، قد تسعى الأحزاب المحافظة واليمينية إلى استغلال الملف للمطالبة بتفعيل آليات إعادة فحص ملفات التجنيس الحديثة أو إسقاط الجنسية عن المتورطين في قضايا تمس أمن الدولة والدستور.
كما يضاعف تورط أسماء عربية في مخططات موجهة ضد الأمن القومي من مخاطر التمييز المجتمعي والنظرة النمطية تجاه الجاليات الشامية والفلسطينية، مما يصعّب من مساعي الاندماج الحقيقي لأغلبية المهاجرين الملتزمين بالقانون.
وفى هذا الإطار قد تُترجم هذه المداهمات إلى تباطؤ إضافي في دوائر الهجرة والتجنيس، حيث ستميل الهيئات الإدارية إلى الحذر المفرط وإطالة أمد التدقيق الأمني على طلبات المهاجرين القادمين من مناطق النزاعات

شارك