تغيير المناهج في سوريا وتداعياته.. بين احمد الشرع والهوية الوطنية
الخميس 02/يناير/2025 - 11:16 ص
طباعة

في خطوة مثيرة للجدل، قررت وزارة التربية والتعليم في الحكومة السورية المؤقتة تعديل المناهج الدراسية السورية بشكل شامل. هذه القرارات شملت تغييرات جوهرية في اللغة والمفاهيم الدينية والتاريخية، مما أثار ردود فعل متنوعة في الأوساط السياسية والمدنية السورية. أبرز هذه التعديلات كان تغيير مصطلح "الاحتلال العثماني" إلى "الحكم العثماني"، وحذف مادة التربية الوطنية بالكامل، بالإضافة إلى استبدال العديد من العبارات التي تحمل طابعًا دينيًا أو تاريخيًا بعبارات تتماشى مع أيديولوجيا معينة. بينما يعتبر البعض أن هذه القرارات تُمثل خطوة نحو تعزيز الهوية الإسلامية، يراها آخرون خطوة مقلقة نحو فرض أيديولوجيا ضيقة قد تؤدي إلى تهميش التنوع المجتمعي.
تحليل القرارات:
1. التعديلات اللغوية والاعتبارات الدينية
تعتبر هذه التعديلات خطوة باتجاه تحويل المناهج التعليمية إلى أداة للدعاية الأيديولوجية التي تسعى لفرض رؤية دينية ضيقة. استخدام عبارات مثل "دفاعًا عن الله" بدلاً من "دفاعًا عن وطنه" يطرح تساؤلات حول دور الدولة في تشكيل الهوية الوطنية وكيفية توازنها مع التنوع الديني والعرقي في سوريا. في دولة تضم مزيجًا من الأديان والطوائف، من غير المنطقي أن تكون المناهج التعليمية محكومة بشكل حصري برؤية دينية معينة، إذ يُحتمل أن يشعر غير المسلمين أو الذين لا يتبعون هذه الرؤية الدينية بالاستبعاد. هذا التوجه قد يعزز الاستقطاب داخل المجتمع السوري بدلاً من تعزيز التفاهم والانسجام بين مكوناته المختلفة.
ثانيًا، عندما يتم تغيير المفاهيم الدينية الكلاسيكية مثل "الصراط المستقيم" إلى "طريق الإسلام"، يصبح واضحًا أن هذه التعديلات ليست مجرد تنقيح لغوي، بل هي محاولة لتوجيه تفكير الأجيال القادمة نحو إطار ديني محدد، وهو أمر قد يقلل من التعددية الفكرية ويحد من حرية التفكير والتعبير. سوريا تاريخيًا كانت تمثل نموذجًا للتعايش بين مختلف الأديان والطوائف، ومن المؤسف أن تهميش هذا التنوع في المناهج قد يؤدي إلى تغييب مفاهيم المواطنة المشتركة التي كانت تجمع السوريين على مدار عقود. بدلاً من تعليم الأطفال احترام واحتضان التنوع، قد يتم زرع بذور التفرقة والتمييز.
أخيرًا، من الناحية التربوية، يجب أن تُعنى المناهج بالتربية على القيم الإنسانية والكونية التي تضمن حماية حقوق الإنسان والحريات العامة. في الوقت الذي لا يمكن فيه إنكار أهمية الدين في حياة العديد من السوريين، فإن من غير المناسب فرض رؤى دينية معينة على الأطفال والشباب في بيئة تعليمية يجب أن تكون حيادية وتعليمية بالدرجة الأولى. ينبغي للمدارس أن تكون مكانًا للانفتاح والتعلم، وليس ساحة لصراع الأيديولوجيات. التغييرات المقترحة قد تسهم في نشر رؤية أحادية لا تلائم المستقبل الذي يتطلع إليه السوريون، وهو مستقبل يعم فيه التسامح والتعددية السياسية والدينية.
2. حذف مادة التربية الوطنية وإلغاء بعض المفاهيم العلمية والتاريخية
إلغاء مادة التربية الوطنية يعكس غيابًا واضحًا للمقاربة الشاملة لبناء هوية وطنية جامعة في مرحلة حاسمة من تاريخ سوريا. في وقت تتصاعد فيه الحاجة إلى تعزيز الانتماء الوطني في أوساط الشباب السوري، فإن حذف هذه المادة يعني إغلاق باب التوعية بالقيم الوطنية التي كان يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تعزيز التضامن الوطني وتحفيز المشاركة الفاعلة في إعادة بناء البلاد. التربية الوطنية، التي كانت تسعى إلى تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ سوريا وعراقتها، كان لها دور في تعزيز مفاهيم المواطنة والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوري المتعددة. غياب هذه المادة يعني تقليص فرص الشباب في التفاعل مع القيم الأساسية التي تحتاج إليها سوريا لتجاوز مرحلة الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية.
من جانب آخر، يتزامن حذف مفاهيم علمية هامة مثل نظرية التطور والتكوين الجيني مع تراجع في التقدم العلمي الذي كان يسعى العديد من الأكاديميين السوريين إلى تحقيقه. إن التراجع عن تدريس هذه المفاهيم العلمية قد يعيق تطور المجتمع السوري في مواجهة تحديات العصر الحديث. في عالمنا المعاصر، لا يمكن تجاهل أهمية العلوم الحديثة في تشكيل رؤى جديدة نحو المستقبل، خاصة في مجالات التكنولوجيا والطب والبيئة. اختزال المناهج العلمية إلى مفاهيم دينية أو أيديولوجية قد يؤثر سلبًا على قدرة الطلاب على التفكير النقدي والبحث العلمي، ويحد من إسهامهم في مجالات الابتكار والتقدم.
أما بالنسبة لإلغاء بعض الشخصيات التاريخية، مثل زنوبيا ودولة بنت الأزور، فهو يعد مسعىً لتقليص التنوع التاريخي والثقافي الذي شكل الهوية السورية عبر العصور. إن محو هذه الشخصيات من التاريخ المدرسي السوري يتجاهل أهمية هذه الشخصيات في بناء الذاكرة التاريخية السورية، ويقلل من أهمية الفترات الزمنية التي شهدت تنوعًا حضاريًا وازدهارًا ثقافيًا. من المؤسف أن يتم تغييب هذه الشخصيات التاريخية التي كانت تمثل جزءًا من التعددية الثقافية والتاريخية لسوريا. الاستغناء عن هذه الشخصيات دون بدائل فكرية قد يؤدي إلى تشويه التاريخ السوري وتحويله إلى سردية أحادية تغيب عنها الأبعاد المتعددة والمركبة التي تميز الواقع السوري.
3. إلغاء الصور التاريخية والشخصيات الوطنية
إزالة صور شخصيات مثل حافظ الأسد وبشار الأسد من المناهج والكتب المدرسية، رغم ما قد يراه البعض خطوة نحو التحرر من إرث نظام الأسد، إلا أنها قد تكون محكومة بمنطق انتقائي يهدف إلى محو جزء كبير من الذاكرة التاريخية السورية. صحيح أن النظام الأسدي كان قد فرض صور هؤلاء الشخصيات كرموز وطنية، ولكن هذا لا يعني أن إلغاء تلك الرموز بشكل كامل سيؤدي بالضرورة إلى بناء هوية وطنية جديدة. بدلًا من هذا الإلغاء، كان من الأفضل أن يتم التعامل مع هذه الشخصيات كجزء من التاريخ السوري، وتفسير دورهم ضمن سياقهم التاريخي والسياسي. إزالة هذه الرموز دون تقديم بدائل قد يشجع على تشويه تاريخ طويل ومعقد، ويُفقد الأجيال الجديدة القدرة على فهم تطور سوريا من خلال عيون متعددة.
في الوقت ذاته، يشير هذا التوجه إلى محاولة لتوحيد الرواية الوطنية بشكل أحادي، وهو ما قد يتسبب في إقصاء العديد من الشخصيات الوطنية التي كانت لها مساهمات في بناء سوريا على مر العصور. إذا كان الهدف هو بناء هوية سورية جديدة، يجب أن يتضمن هذا العمل استعادة ذاكرة تاريخية تتسع لتشمل كافة الشخصيات التي ساهمت في تشكيل هذا البلد، سواء من العهد القديم مثل زنوبيا أو من العصور الحديثة. حصر التاريخ في رواية واحدة أو في شخصيات محددة قد يؤدي إلى فقدان التنوع الثقافي والتاريخي الذي جعل من سوريا بلدًا فريدًا في الشرق الأوسط.
أخيرًا، تكمن المشكلة الأكبر في غياب استراتيجية شاملة لتقديم بدائل حقيقية للشخصيات التاريخية التي يمكن أن تمثل هوية وطنية سورية جديدة. إن إلغاء صور الشخصيات القديمة دون استبدالها بشخصيات أخرى تمثل تاريخ سوريا المشترك قد يعزز الإحساس بالفقدان الجماعي للماضي. في ظل هذه الحالة، يجد المواطن السوري نفسه أمام فراغ فكري ووجداني يصعب ملؤه، مما قد يترك الشباب السوري في حالة من الضياع في محاولاتهم لتحديد هويتهم الوطنية. بناء هوية وطنية جديدة يتطلب تقديم نماذج شخصية قادرة على تجسيد القيم المشتركة والتنوع الثقافي الذي يميز سوريا، وهو ما يعجز النظام الحالي عن تقديمه حتى الآن.
4. المخاطر المستقبلية
إن التوجه نحو فرض أيديولوجيا دينية في المناهج الدراسية يهدد بشكل كبير الوحدة الوطنية في سوريا. إن سوريا تاريخيًا كانت تمثل نموذجًا للتنوع الديني والعرقي، وكان هذا التنوع يمثل جزءًا من قوتها، حيث تشارك جميع الطوائف والمكونات المجتمعية في بناء البلد. ومع هذه التعديلات التي تركز على طابع ديني محدد، يصبح من المحتمل أن يعمق الفجوات بين هذه الطوائف، مما يهدد التعايش السلمي الذي كان قائمًا إلى حد ما رغم الصعوبات السياسية. إذا استمر فرض أيديولوجيا دينية معينة على المناهج التعليمية، فإن ذلك سيسهم في إحداث انقسامات أعمق بين مختلف مكونات المجتمع السوري، ما يزيد من صعوبة بناء سوريا الجديدة المتجددة التي يتطلع إليها الجميع.
أحد المخاطر الكبرى التي قد تنجم عن هذه التعديلات هو تعزيز فكرة "الآخر" داخل المجتمع السوري. في بيئة تتسم بتنوع ديني وطائفي مثل سوريا، قد يؤدي التأكيد على خطاب ديني ضيق إلى إحداث حالة من الإقصاء الاجتماعي. إذا كان التعليم في المدارس يتوجه إلى ترسيخ فكر أيديولوجي ديني معيّن، فإن هذا قد يؤدي إلى تنمية مشاعر العداء أو الاستبعاد بين الفئات المختلفة في المجتمع السوري. فبدلاً من تعليم الأطفال قيم الاحترام والتسامح والعيش المشترك، فإن هذه المناهج قد تعزز مفاهيم التفوق الطائفي أو الديني، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي على المدى البعيد.
علاوة على ذلك، فإن فرض هذه الأيديولوجيا في التعليم قد يضعف قدرة الأجيال الجديدة على التفاعل مع العالم المعاصر. في عالم سريع التغير، حيث تزداد العولمة والانفتاح على ثقافات وأيديولوجيات متعددة، قد يجد الشباب السوري نفسه محاصرًا في رؤية ضيقة لا تتماشى مع تحديات العصر. في ظل بيئة تعليمية تسعى لفرض قيم محددة، قد يصبح من الصعب تطوير مهارات التفكير النقدي والابتكار، وهي المهارات التي تحتاج إليها سوريا لبناء مستقبلها. هذه الأيديولوجيا الضيقة قد تحد من قدرة الأجيال الجديدة على المشاركة الفعالة في العالم المعاصر، مما يزيد من العزلة والتخلف عن الركب الحضاري، ويعرض البلاد لمزيد من التحديات المستقبلية.
المجتمع المدني والمقاومة الشعبية
إن المجتمع المدني السوري يشهد في الوقت الحالي تطورًا ملحوظًا في قدرته على التأثير في مختلف القضايا التي تخص مستقبل البلاد. فقد أصبح السوريون أكثر وعيًا بأهمية الحفاظ على مكتسبات التعددية والحرية التي كانوا يطمحون إليها بعد سنوات طويلة من القمع. مع هذه التعديلات، بدأ يظهر جليًا أن هناك مقاومة شعبية منظمة ضد أي محاولات لفرض الأيديولوجيات التي قد تعمق الانقسامات داخل المجتمع. المدنيون السوريون، الذين خاضوا معارك طويلة ضد النظام الاستبدادي، يدركون جيدًا أن مواجهة هذه التحديات تحتاج إلى مواصلة العمل الجماعي والدفاع عن الحريات الأساسية. من المتوقع أن تتجسد هذه المقاومة في أشكال متعددة، بدءًا من الاحتجاجات السلمية وصولًا إلى تنظيم حملات إعلامية عبر منصات التواصل الاجتماعي لنشر الوعي حول خطورة هذه التعديلات.
إضافة إلى ذلك، يشهد المجتمع المدني السوري اليوم حالة من التضامن بين مختلف الأطياف السياسية والدينية التي كانت في الماضي قد تفرقت لأسباب سياسية أو اجتماعية. هذا التضامن يتجسد في محاولات التنسيق بين النشطاء والسياسيين والمثقفين الذين يسعون إلى بناء جبهة موحدة ضد محاولات الهيمنة الأيديولوجية على المناهج التعليمية. قد تتبنى هذه الجبهة مطالبة بإلغاء التعديلات المفروضة وبتوفير بيئة تعليمية شاملة تسمح بتعليم الأطفال القيم الإنسانية الجامعة التي ترعى التعددية. وهذا سيتطلب جهودًا واسعة لتنظيم ورش عمل ومؤتمرات للتعريف بالمخاطر التي قد تنجم عن هذه التعديلات وكيفية التصدي لها.
ومع تزايد الوعي بهذه القضايا، من المحتمل أن يمتد تأثير المجتمع المدني السوري ليشمل الداخل والخارج، حيث يعمل على بناء تحالفات مع منظمات دولية وإقليمية تدافع عن حقوق الإنسان وحرية التعليم. قد تساهم هذه الحركات في الضغط على الجهات التي تمارس سلطة الأمر الواقع للعدول عن هذه التعديلات أو على الأقل إدخال تعديلات عليها بما يتوافق مع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان. كما أن حركة المقاومة الشعبية يمكن أن تفتح الباب أمام حلول سياسية وسلمية تجمع السوريين في مواجهة هذه التحديات، وتقوي القدرة على بناء سوريا المستقبل التي تعتمد على قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية، بعيدًا عن محاولات فرض أيديولوجيات ضيقة.
الخاتمة
إن التعديلات التي أقدمت عليها وزارة التربية والتعليم في الحكومة السورية المؤقتة تمثل خطوة قد تكون مؤلمة على المدى الطويل، إذ تهدد بتدمير الهوية الوطنية السورية المتنوعة. في سياقها، تصبح هذه القرارات جزءًا من صراع أكبر بين القوى السياسية والدينية التي تسعى لفرض أيديولوجياتها الخاصة على المجتمع، بينما يسعى المجتمع المدني إلى الحفاظ على التنوع والعدالة في ظل مناخ سياسي متقلب. هذه التعديلات لا تعكس فقط رغبة في تغيير المناهج، بل تسلط الضوء على الصراع بين القوى التي تحاول فرض هوية أحادية، وبين أولئك الذين يرون في التنوع عنصرًا أساسيًا لبناء سوريا جديدة. إن غياب التوافق على المبادئ الأساسية للمواطنة السورية من شأنه أن يزيد من تعقيد الأوضاع ويجعل من الصعب بناء هوية وطنية شاملة.
إن المأزق السوري في الوقت الراهن يقتضي حلًا سياسيًا شاملًا بعيدًا عن أي نوع من الإيديولوجيات الضيقة التي قد تفجر الصراع الداخلي من جديد. لا بد من وجود مناخ سياسي يسمح بتعزيز المصالحة بين جميع مكونات المجتمع السوري، ويعترف بوجود التعدد الثقافي والديني كقيمة جوهرية لا يمكن التنازل عنها. هذا الحل يجب أن يعتمد على الحوار والتفاهم بين مختلف الأطراف السياسية والدينية، ويشمل عملية إصلاح شاملة تشمل التعليم، وتضمن حقوق الجميع بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو الطائفية.
في النهاية، المستقبل السوري يعتمد بشكل أساسي على القدرة على تجاوز هذه التحديات وصياغة مشروع وطني قادر على استيعاب كل السوريين، وتقديم حلول عادلة تضمن حقوق الأفراد وتقبلهم المختلف. إن مقاومة المجتمع المدني السوري لهذه التعديلات واهتمامه بالتنوع يشير إلى أن الأمل في بناء سوريا ديمقراطية وعادلة ما زال قائمًا. ومع استمرار هذه الجهود، فإن سورية قد تجد الطريق نحو الخلاص من التمزق والانقسام، لتصبح نموذجًا للتعايش والتعددية في منطقة الشرق الأوسط.