أوروبا تصنّف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية في تحول تاريخي تجاه طهران

الجمعة 30/يناير/2026 - 12:16 م
طباعة أوروبا تصنّف الحرس فاطمة عبدالغني
 
في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار العلاقة بين أوروبا وطهران، وافق وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي على إدراج الحرس الثوري الإيراني في قائمة المنظمات الإرهابية، إلى جانب تنظيمات مصنفة مثل "داعش" و"القاعدة"، في تحول يعكس تشددًا أوروبيًا غير مسبوق تجاه سلوك النظام الإيراني داخليًا وخارجيًا.
ويأتي هذا القرار على خلفية تصاعد القمع العنيف للاحتجاجات الشعبية داخل إيران، وما رافقه من انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، إلى جانب الدور الإقليمي للحرس الثوري في زعزعة الاستقرار ودعم جماعات مسلحة خارج الحدود. 
وفي هذا السياق، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، في تدوينة لها على منصة "إكس" الخميس 29 يناير، إن "القمع لا يمكن أن يمر دون رد"، معتبرة أن أي نظام يقتل الآلاف من شعبه "يسير عمليًا نحو تدمير نفسه".
من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاباني أن الاتفاق السياسي على تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية قد أُنجز، ولم يتبقَّ سوى استكمال الإجراءات الفنية، ما يعكس إجماعًا أوروبيًا آخذًا في التبلور بعد سنوات من التردد والانقسام.
ولم تكن هذه الخطوة معزولة عن سياق دولي أوسع، إذ سبقت دول عدة الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، من بينها البحرين والسعودية في خريف 2018، ثم الولايات المتحدة في أبريل 2019، في سابقة هي الأولى من نوعها بتصنيف قوة عسكرية رسمية تابعة لدولة ذات سيادة كمنظمة إرهابية.
كما لحقت بها باراغواي في مايو 2024، وكندا في يونيو من العام نفسه، ثم أستراليا التي صنفت الحرس الثوري ضمن "الإرهاب الحكومي" في ديسمبر 2024، إضافة إلى الإكوادور والأرجنتين.
وتتجاوز تداعيات إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب الأوروبية البعد الرمزي، لتشمل آثارًا قانونية وأمنية واقتصادية واسعة، إذ يصبح أي شكل من أشكال الانتماء أو التعاون أو الدعم المالي أو الإعلامي للحرس الثوري داخل دول الاتحاد جريمة جنائية تستوجب الملاحقة القضائية، فضلًا عن تجميد شامل للأصول والحسابات والشبكات الاقتصادية المرتبطة به. 
كما يفرض القرار مخاطر قانونية جسيمة على البنوك وشركات التأمين والنقل والطاقة والتكنولوجيا، حتى في حال الارتباط غير المباشر بالكيانات التابعة للحرس الثوري.
وعلى المستوى الأمني، من المتوقع أن يسهم القرار في تعزيز التنسيق الاستخباراتي بين الدول الأوروبية لملاحقة شبكات الحرس الثوري وأذرعه الخارجية، مع احتمالات باتخاذ خطوات دبلوماسية أكثر حدة، مثل طرد دبلوماسيين أو إغلاق مراكز مرتبطة بإيران. 
كما يوجه رسالة سياسية واضحة مفادها أن القمع الداخلي والتدخلات الإقليمية لم تعد شؤونًا داخلية، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي والدولي.
وبالتوازي مع هذا التصنيف، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على 31 فردًا وكيانًا إيرانيًا على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان وتورطهم في برنامج الطائرات المسيّرة. 
ورغم أن بعض الدول الأعضاء كانت تتحفظ سابقًا خشية الإضرار بقنوات التواصل مع طهران أو تعريض مواطنيها في إيران للخطر، فإن التصعيد الدموي ضد المتظاهرين الإيرانيين عجّل بحسم الموقف.
وفي هذا الإطار، شدد وزير الخارجية الهولندي ديفيد فان فيل على أهمية إرسال رسالة واضحة بأن "سفك الدماء والوحشية ضد المتظاهرين أمر غير مقبول"، فيما أعلنت فرنسا وإيطاليا، اللتان أبدتا ترددًا سابقًا، دعمهما الصريح للقرار خلال هذا الأسبوع.
في المقابل، قوبل القرار الأوروبي برد فعل إيراني غاضب، إذ أدانت وزارة الخارجية الإيرانية بشدة تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، واعتبرته "غير قانوني وغير مبرر ومغرض"، قائمًا على اتهامات لا أساس لها. 
ووصفت طهران القرار بأنه عمل عدائي يستهدف الشعب الإيراني بأكمله، مؤكدة أن الحرس الثوري جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة الرسمية، ويؤدي دورًا دستوريًا في حماية السيادة والأمن القومي ومكافحة الإرهاب.
ورأت الخارجية الإيرانية أن تصنيف مؤسسة سيادية بالإرهاب يشكل سابقة خطيرة وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ومبدأ سيادة الدول، متهمة الاتحاد الأوروبي بازدواجية المعايير في ملفات الإرهاب وحقوق الإنسان، وبالانحياز لسياسات أمريكية "مغذية للفوضى". 
وحملت طهران صانعي القرار الأوروبيين المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات سياسية أو قانونية أو أمنية، مؤكدة أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن مصالحها.
كما حذرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية من "تبعات خطيرة" للقرار، مؤكدة أن القوات المسلحة، وعلى رأسها الحرس الثوري، ستواصل تعزيز قدراتها الدفاعية.
دوليًا، قوبل القرار الأوروبي بترحيب واسع. إذ اعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن هذه الخطوة كان يجب اتخاذها منذ وقت طويل، مؤكدة وقوف أوروبا إلى جانب الشعب الإيراني في نضاله من أجل الحرية. ووصفت القرار بأنه اعتراف صريح بطبيعة نظام "يقمع شعبه بوحشية".

كما أشاد رئيس وزراء هولندا ديك شوف بما سماه "ردًا أوروبيًا موحدًا وحاسمًا" على القمع الدموي في إيران، فيما أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول أن الاتحاد الأوروبي اعترف أخيرًا بالحرس الثوري "كما هو"، واعتبر القرار رسالة سياسية قوية، وإن جاءت متأخرة.
ورحب مسؤولون إسرائيليون وبرلمانيون أوروبيون بالقرار، معتبرين إياه انتصارًا لضحايا الحرس الثوري ولنضال الإيرانيين من أجل الحرية.
 وذهبت نائبة حزب الخضر الألماني هانا نويمن إلى التساؤل عن الثمن الباهظ الذي دفعه الإيرانيون من أرواحهم قبل أن يصل الاتحاد الأوروبي إلى هذا الموقف.
وفي سياق متصل، تصاعدت الضغوط على بريطانيا لتسير على خطى الاتحاد الأوروبي، إذ دعا نواب محافظون الحكومة البريطانية إلى إنهاء ترددها وتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، خصوصًا في ظل تحذيرات استخباراتية بريطانية سابقة من خطورة الدور الإيراني والتهديدات المرتبطة به داخل المملكة المتحدة.
ويرى مراقبون أن إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب الأوروبية يمثل نقطة تحول استراتيجية في سياسة الاتحاد تجاه إيران، ويؤشر إلى نهاية مرحلة "إدارة الأزمة" وبداية مرحلة "المواجهة القانونية والسياسية" مع النظام الإيراني. 
ويعتقد هؤلاء أن القرار، رغم ما قد يترتب عليه من توتر وتصعيد، يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن التغاضي عن القمع الداخلي والتدخلات الإقليمية لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار. 
كما يشير المراقبون إلى أن الخطوة قد تشكل ضغطًا إضافيًا على دول مترددة، مثل بريطانيا، للانضمام إلى هذا المسار، فضلًا عن أنها تمنح المحتجين داخل إيران دفعة معنوية ورسالة مفادها أن معاناتهم لم تعد منسية على الساحة الدولية.

شارك