تفكيكُ تنظيمِ الإخوان … قرارُ فرنسا بدايةُ مرحلةٍ أوروبية جديدة (الحلقة الأخيرة)
الإثنين 02/فبراير/2026 - 02:48 ص
طباعة
حسام الحداد
تتبنى فرنسا استراتيجية جديدة لمواجهة الإخوان المسلمين، عبر الانتقال من مكافحة الإرهاب الأمني إلى تفكيك البنية التحتية للانفصالية المجتمعية. يشمل ذلك تجفيف التمويل، ورقابة التعليم والجمعيات، وحماية قيم الجمهورية من الاختراق التنظيمي الذي يستغل القوانين الديمقراطية.
الدولةُ الفرنسيةُ في مواجهةِ الاختراق: بين الاستيقاظِ المتأخِّر وقيودِ “الجمهور
بعدَ سنواتٍ طويلةٍ من التردُّد، والإنكارِ أحيانًا، والتقديراتِ الناقصةِ غالبًا، بدأتِ الدولةُ الفرنسيةُ تُدركُ أنَّ القضيةَ لم تعُد مجرَّدَ “تديُّنٍ محافظ”، ولا مجرَّدَ “حالاتِ تطرفٍ منفردة”، بل مشروعٌ منظَّمٌ يشتغلُ على المدى الطويل، ويستفيدُ من ثغراتِ القانون، ومن حساسيةِ الدولة تجاه اتهاماتِ “العنصرية” و“الإسلاموفوبيا”.
ويضعُ التقريرُ أمامنا حقيقةً بسيطةً لكنها قاسية:
فرنسا واجهتِ الإرهابَ أمنيًا… لكنها تأخَّرت كثيرًا في مواجهةِ “البنية” التي تُنتجُ الانفصالَ الاجتماعي.
وبالمناسبة، هذا هو ما نحتاجُه في مصرَ والدولِ العربية؛ فقد واجهنا التنظيمَ أمنيًا ونجحنا، لكننا لم نواجه أبدًا البنيةَ التحتيةَ لأفكاره، التي أنتجت خللًا في انتماءِ المواطنِ لبلده، وإيمانه بالقيمِ الوطنية، وإعلائه لها على أيِّ قيمٍ أخرى.
1) من “مكافحةِ الإرهاب” إلى “مكافحةِ الانفصالية”:
أكبرُ تحوُّلٍ في تفكيرِ الدولةِ الفرنسية، كما يلمحُ التقرير، هو الانتقالُ من منطق:
• ملاحقةِ الفردِ المتطرف.
إلى منطق:
• تفكيكِ الشبكاتِ التي تصنعُ البيئةَ الحاضنة.
فالأصوليةُ الإخوانية لا تنتصرُ بالقنابلِ فقط، بل تنتصرُ حين تتحوَّلُ الضاحيةُ أو الحيُّ إلى مساحةٍ لها قواعدُ مختلفة، تتضمَّن:
لغةً مختلفة، ومرجعياتٍ مختلفة، وولاءً مختلفًا، وتعريفًا مختلفًا للمواطنة.
وهنا جاءت فكرةُ “الانفصالية” كعنوانٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ بديل، عن الاكتفاء بمصطلحِ “التطرف”، الذي تحوَّل بعد ذلك إلى قانونٍ عُرفَ بقانون “احترامِ قيمِ الجمهورية”.
2) أين كان الخلل؟ ولماذا تأخَّر الوعي؟
يحدِّدُ التقريرُ عدةَ أسبابٍ ساعدتِ الشبكاتَ الإسلامويةَ الإخوانيةَ على التمدُّد دون مواجهةٍ حاسمة:
أ) قصورٌ في فهمِ الاستراتيجية:
السلطاتُ كثيرًا ما تعاملت مع الظاهرةِ كأحداثٍ منعزلة، بينما المشروعُ يعملُ كشبكة:
تعليم + جمعيات + خطاب + تمويل + نفوذٌ محلي + انتشارٌ دولي.
ب) حساسيةُ الدولة أمامَ الاتهامِ بالعنصرية:
بسببِ حربِ المصطلحات، صار أيُّ تحرُّكٍ ضد الأصوليةِ الإخوانية يُترجمُ فورًا كأنه “استهدافٌ للمسلمين”.
ج) اعتمادُ الدولة على وسطاء غير محايدين:
حين تبحثُ الدولةُ عن “ممثلين للمسلمين”، تقعُ في فخِّ تمكينِ الجهاتِ الأكثر تنظيمًا… وهي غالبًا الإخوانُ والأقربُ لهم.
د) القصورُ القانوني:
قانونُ الجمعيات، وحريةُ التنظيم، وحريةُ التعبير، كلها مفاتيحُ استثمرتها الشبكاتُ بذكاء داخل دولةٍ ديمقراطية.
3) أدواتُ المواجهة: ماذا تفعلُ الدولةُ حين تستيقظ؟
يشرحُ التقريرُ أن الدولةَ الفرنسيةَ بدأت تعتمدُ مسارًا متعدِّدَ الأدوات، لا يقتصرُ على الأمنِ التقليدي، بل على:
أولًا: الرقابةُ الإداريةُ والقانونية:
لجأتِ الدولةُ إلى:
• التدقيقِ في عملِ الجمعيات.
• مراقبةِ التمويل.
• تتبُّعِ النشاطاتِ غيرِ المعلَنة.
• تقييمِ الخطاب داخلَ الهياكلِ الدينيةِ والتعليمية.
ليس الهدفُ من كلِّ ذلك “إغلاقَ المجالِ أمامَ النشاطِ الإسلامي”، بل منعَ استخدامِ القانونِ ضد قيمِ الجمهورية.
ثانيًا: إغلاقُ الهياكل عند الضرورة:
وذلك عندما يثبتُ وجود:
• تحريض.
• خطابِ كراهية.
• انتهاكٍ لقواعدِ العلمانية.
• نشاطاتٍ موازية تمسُّ النظامَ العام.
فالدولةُ تميلُ إلى الإغلاقِ أو الحلِّ الإداري.
لكن التقريرَ يلمحُ إلى أن المشكلةَ ليست في الإغلاق وحده… لأن الشبكاتِ تستطيعُ العودةَ بأسماءٍ جديدة إن لم يُفكَّك “المنطقُ التنظيمي”.
ثالثًا: إعادةُ ضبطِ مجالِ التعليم:
يعتبرُ التقريرُ التعليمَ نقطةَ الضعفِ الأخطر، ولذلك بدأتِ الدولةُ في:
• تشديدِ الرقابة على المدارسِ الخاصةِ غيرِ المتعاقدة مع الدولة.
• رصدِ المناهجِ والكتب.
• محاصرةِ “الكتاتيب” التي تنقلُ مضامينَ ضد قيمِ الجمهورية.
• الانتباهِ إلى التعليمِ عن بُعد (عبر شبكةِ الإنترنت) غيرِ الخاضع لأيِّ إطارٍ منظَّم.
فالمعركةُ هنا ليست على “معلومة”، بل على الهويةِ والمرجعية.
رابعًا: إدارةُ ملفِّ الأئمة:
يوضِّحُ التقريرُ أن تدريبَ الأئمة ظلَّ ثغرةً حساسة، بسبب:
• الاعتمادِ على أئمةٍ قادمين من الخارج.
• نفوذِ الشبكات في مجالِ التكوين.
• تضاربٍ بين خطابٍ داخلي وخطابٍ خارجي.
وبدأتِ الدولةُ تفكِّر في نموذجِ “إمامٍ فرنسي” أكثر اتصالًا بالثقافةِ الفرنسية وبقواعدِ الدولة، لكن التنفيذَ اصطدم بتعقيداتِ التمويلِ والتأثيرِ الخارجي.
4) الدولةُ في مواجهةِ “الجهادِ القضائي”:
من أخطرِ ما توقَّفَ عنده التقريرُ استخدامُ القضاء كسلاحٍ لإسكاتِ الخصوم.
فالدولةُ تجدُ نفسها أمامَ مفارقة:
• القضاءُ مؤسسةٌ جمهوريةٌ مقدَّسة.
لكن:
• بعضُ الشبكاتِ توظِّفه لترهيبِ الصحفيين والباحثين والسياسيين.
الهدفُ هنا ليس كسبَ القضيةِ فقط، بل:
• إنهاكَ الخصم ماليًا.
• جرَّه إلى الدفاعِ المستمر.
• وصمَه اجتماعيًا وإعلاميًا.
ولهذا بدأ يظهرُ داخلَ الدولةِ الفرنسية وعيٌ بضرورة:
• حمايةِ حريةِ البحثِ والنقد.
• وعدمِ تركِ القضاء يتحوَّلُ إلى أداةِ “حربِ مصطلحات” ضد الجمهورية.
5) الإعلام… ساحةُ معركةٍ لا منصةُ نقاش:
يشيرُ التقريرُ إلى أن الدولةَ الفرنسيةَ تأخَّرت في فهمِ “المعركةِ الإعلامية” للشبكاتِ الإسلاموية.
فالإخوانُ وحلفاؤهم لا يكتفون بالتأثير عبر المساجد أو الجمعيات، بل عبر:
• حملاتٍ منظَّمة على الشبكاتِ الاجتماعية.
• تضخيمِ “قضية” لتحويلها إلى أزمةٍ وطنية.
• جرِّ الإعلام إلى أرضيةِ الاتهامِ الأخلاقي.
• صناعةِ ضغطٍ دائم على السياسيين.
والخطيرُ هنا أن الدولة، حين تردُّ مباشرة، تخسرُ أحيانًا، لأن خصمها يلعبُ لعبةَ “الضحية”، بينما الدولةُ مجبرةٌ على لغةٍ مؤسساتيةٍ باردة.
6) حدودُ المواجهة: لماذا لم تستطع فرنسا الحسمَ بسهولة؟
يكشفُ التقريرُ أن الدولةَ الفرنسيةَ كانت مقيَّدة بعواملَ تجعلُ المواجهةَ معقَّدة:
أ) قيودُ الديمقراطية:
القانونُ يمنحُ حريةَ التنظيم، والنشاطَ المدني، والتعبير… وهذه الحرياتُ هي نفسُ الأبوابِ التي يدخلُ منها الاختراق.
ب) الخوفُ من الانفجارِ الاجتماعي:
أيُّ مواجهةٍ خشنة قد تتحوَّلُ إلى اضطرابٍ داخلَ الأحياءِ الحساسة.
ج) ضغطُ الخطابِ الدولي:
مصطلحاتٌ مثل “حقوق الأقليات” و“التعددية” تُستخدمُ أحيانًا لعكسِ صورةِ الدولة كأنها قمعية.
د) التمييزُ بين الإسلام كدين، والإسلاموية كمشروع:
وهذا هو التحدي الأصعب؛ أن تحاربَ الدولةُ مشروعًا سياسيًا باسمِ الدين، دون أن تقعَ في شبهةِ استهدافِ الدين نفسه.
7) معادلةُ “الجراحةِ الدقيقة”:
الخلاصةُ التي يقترحها التقريرُ بوضوح هي أن فرنسا لا تحتاجُ إلى حربٍ صاخبة، بل إلى تفكيكٍ جراحي:
• تجفيفِ منابعِ التمويلِ المشبوه.
• ضبطِ التعليمِ الخاص والكتاتيب.
• حمايةِ الفضاءِ العام من الفصلِ الطائفي.
• ضربِ الشبكات لا الأفراد فقط.
• كشفِ الخطابِ المزدوج.
• إعادةِ تعريفِ التمثيلِ الديني بعيدًا عن الإخوان.
إنها معركةٌ على “النسق”، لا على “الأشخاص”.
والخلاصةُ التي قرَّرها التقريرُ السريُّ، الذي لم يرَ النور، ولكن بُني عليه تقريرُ مايو 2025، تؤكِّد أن فرنسا استيقظت… لكن كان ذلك متأخرًا، ولهذا فقد كان له ثمن:
الشبكاتُ ترسَّخت، وتوسَّعت، وبنت اقتصادًا، ووضعت قواعدَ نفوذٍ محلية.
ولهذا كان لا بدَّ من مواجهةٍ جذريةٍ لا تمسكُ العصا من المنتصف، فكان قانونُ وضعِ الإخوان في قائمةِ التنظيماتِ الإرهابية هو الحل.
