العدو بلا لافتة: كيف فكك عبد الرحيم علي شفرات الحروب الناعمة؟
الأحد 08/فبراير/2026 - 01:44 ص
طباعة
تُمثّل سلسلة مقالات الدكتور عبد الرحيم علي حول "الأمن القومي العربي" وثيقة استراتيجية بالغة الأهمية، تتجاوز في طرحها مجرد الرصد التاريخي للأحداث التي زلزلت المنطقة العربية منذ عام 2011. فالكاتب يضعنا أمام قراءة مغايرة لمفهوم "الربيع العربي"، مفككاً الروايات السطحية التي اختزلت المشهد في ثورات نقية أو مؤامرات مغلقة؛ ليقدم بدلاً من ذلك تحليلاً مركباً يرى في أحداث 25 يناير نقطة التقاء عاصفة بين غضب داخلي مشروع وبين استراتيجيات دولية كانت تنتظر لحظة الصفر لتمرير مشاريع "هندسة الفوضى". إنها محاولة جادة لإعادة قراءة "الصدع العربي" ليس كحدث عابر، بل كمخاض عسير كشف عن هشاشة بعض البنى السياسية في مقابل صلابة وتجذر الدولة الوطنية في نماذج أخرى، وعلى رأسها النموذج المصري.
وتنطلق أهمية هذه السلسلة من كونها ترسم خريطة طريق فكرية لفهم "آليات التفكيك" التي استُخدمت ضد الجغرافيا العربية، حيث ينتقل الدكتور عبد الرحيم من تحليل الماضي إلى استشراف المستقبل في رؤية ممتدة حتى عام 2026. الكاتب هنا لا يكتفي بمقعد المراقب، بل يمارس دور "المحلل الاستراتيجي" الذي يسعى لتحويل مرارة التجربة القاسية إلى "وعي جمعي" ومناعة وطنية مستدامة. فهو يرى أن الصراع لم ينتهِ، بل غيّر جلده وأدواته، مما يفرض على صانع القرار والمثقف العربي على حد سواء إدراك أن حماية الأمن القومي في العصر الحديث لم تعد تقتصر على حماية الحدود الترابية، بل تمتد لتشمل حماية العقل الجمعي والمؤسسات السيادية من الاختراقات الناعمة التي تستهدف "تذويب" الدولة من داخلها.
الفلسفة الأمنية: من التقسيم إلى التفكيك
يرى الدكتور عبد الرحيم علي أن الاستراتيجية الغربية تجاه المنطقة العربية قد شهدت تحولاً جذرياً في فلسفتها الأمنية؛ فبينما اعتمد القرن العشرين على "سياسة التقسيم" الجغرافي الكلاسيكي ورسم الحدود بالمسطرة والقلم، انتقل القرن الحادي والعشرون إلى "هندسة التفكيك" من الداخل. هذا المنظور الجديد لا يسعى بالضرورة إلى احتلال الأرض عسكرياً، بل يهدف إلى تحويل الدولة إلى "كيان هش" وفاشل عبر ضرب مرتكزات السيادة الوطنية، بحيث تصبح الدولة عاجزة عن إدارة شؤونها أو حماية حدودها، مما يسهل اختراقها والسيطرة على قراراتها ومقدراتها دون الحاجة لوجود جندي أجنبي واحد على أراضيها.
في تفصيله للحروب غير التقليدية، يبرز الكاتب كيف استبدلت القوى الدولية "الدبابة" بأدوات ناعمة لكنها شديدة الفتك، وفي مقدمتها نظرية "الفوضى الخلاقة". هذه الأدوات تعتمد بشكل أساسي على توظيف بعض مكونات المجتمع المدني وتسييسها لتلعب دور "البديل الموازي" لمؤسسات الدولة، مما يخلق حالة من الازدواجية في السلطة والولاء. ومن خلال التمويلات الموجهة والمنصات الإعلامية، يتم خلق بيئة من الغليان الشعبي الذي يفتقد للقيادة الموحدة، لتتحول المطالب المشروعة إلى أداة لتقويض بنية المجتمع وتفكيك النسيج الوطني تحت شعارات براقة، وهو ما يصفه الكاتب بـ "الحرب بلا إعلان".
يشدد التحليل على أن استهداف "العمود الفقري" للدولة، والمتمثل في الجيوش النظامية، هو ذروة هذا المخطط التفكيكي. فالدولة الوطنية في المنطقة العربية ترتكز تاريخياً وعضوياً على جيوشها كصمام أمان للوحدة والهوية. ويستشهد الكاتب بالنموذج العراقي عام 2003 كبداية لهذا المسار عبر قرار حل الجيش، مروراً بما حدث في ليبيا وسوريا من محاولات لإنهاك الجيوش الوطنية في صراعات داخلية واستنزافها عبر الميليشيات المسلحة. فوفقاً لهذه الرؤية، لا يمكن إسقاط الدولة نهائياً إلا بكسر تماسك جيشها، وهو ما يجعل بقاء الجيش المصري متماسكاً حائط الصد الأخير الذي أفشل سيناريو التفكيك الشامل في المنطقة.
توظيف الأدوات الناعمة والمنظمات الموازية
يتناول الكاتب بكثير من النقد الآلية التي جرى بها إفراغ مفاهيم نبيلة مثل "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" من مضمونها القيمي السامي، وتحويلها إلى "أسلحة جيوسياسية" فتاكة. ويرى أن هذه الشعارات لم تُستخدم كأهداف للإصلاح، بل كأدوات "انتقائية" للضغط على الأنظمة الوطنية وإرباك خططها التنموية والأمنية. فمن خلال توظيف هذه المعايير بشكل مزدوج، يتم عزل الدولة دولياً وتشويه صورتها، مما يخلق حالة من الشلل في مؤسساتها ويجعلها في موقف الدفاع المستمر عن شرعيتها، وهو ما يمهد الطريق لتدخلات خارجية تحت غطاء "إنساني" يخدم في حقيقته مصالح استراتيجية بعيدة كل البعد عن مصلحة الشعوب.
يفصل الكاتب في كيفية صناعة "دولة بديلة" عبر بوابة المنظمات غير الحكومية، حيث يشير إلى أن تدفق التمويلات الأجنبية الضخمة لم يكن يستهدف التنمية المجتمعية بقدر ما استهدف خلق نخب ومنصات سياسية "غير منتخبة" تتمتع بحصانة دولية. هذه المنظمات، في نظر الكاتب، صُممت لتعمل "فوق الدولة" وليس داخل إطارها القانوني، بحيث تصبح هي المرجعية في تقييم أداء المؤسسات الوطنية أمام الخارج. هذا المسار الموازي يؤدي إلى تآكل هيبة الدولة وتفتيت الولاء الوطني، حيث تتحول هذه الكيانات إلى مراكز قوى تفرض أجندات خارجية وتزاحم السلطة الشرعية في قرارها السيادي.
يسلط الكاتب الضوء على الدور المحوري للإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في هندسة الوعي الجمعي وصناعة رواية مشوهة للواقع. فالمخطط لا يعتمد على تزييف الحقائق فحسب، بل على "تضخيم وقائع بعينها" واقتطاعها من سياقها لخدمة مسارات سياسية محددة تستهدف هز ثقة المواطن في دولته. ويرى الدكتور عبد الرحيم أن الإعلام تحول في هذه المرحلة إلى "غرفة عمليات" تدير الأزمات وتوجه الجماهير نحو الصدام، من خلال خلق فجوة شعورية بين الشعب ومؤسساته، مما يجعل المجتمع فريسة سهلة للإشاعات والتحريض، ويحول المنصات الإعلامية إلى وقود للاستقطاب الداخلي الذي يخدم مشاريع التفكيك.
جدلية الثورة والاختطاف التنظيمي
يضع الدكتور عبد الرحيم علي حداً فاصلاً ودقيقاً بين ظاهرتين اختلطتا في المشهد المصري؛ الأولى هي "عفوية الغضب الشعبي" التي حركتها مطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة، والثانية هي "الاستثمار التنظيمي" لهذا الغضب. ويرى الكاتب أن الجماهير التي خرجت في البداية لم تكن تحمل أجندة إسقاط الدولة، بل كانت تسعى لإصلاحها، إلا أن هذا التحرك العفوي افتقد للقيادة والبرنامج السياسي، مما خلقه "فراغاً استراتيجياً" سمح للقوى المنظمة بالقفز فوق المشهد. فالثورة في جوهرها كانت صرخة احتجاج، لكن المسار الذي اتخذته لاحقاً كان نتاج هندسة سياسية لم يكن الجمهور العفوي شريكاً في صياغة نهاياتها.
ينتقل الكاتب لتحليل دور جماعة الإخوان المسلمين، مؤكداً أنها لم تكن الصانع الحقيقي للحراك، بل كانت "الطرف الأكثر جاهزية" لاستغلاله. وبفضل بنيتها التنظيمية الصلبة وقدرتها على التحرك في المساحات الرمادية، تمكنت الجماعة من تقديم نفسها كبديل وحيد ومنظم أمام القوى الدولية والداخلية. ويوضح عبد الرحيم علي أن الجماعة استخدمت "البراغماتية السياسية" في أقسى صورها؛ حيث استغلت قنوات اتصالها القديمة مع القوى الغربية لتقديم ضمانات مقابل تمكينها من السلطة، محولةً زخم الشارع إلى "رافعة تنظيميّة" تخدم مشروع "التمكين" الخاص بها لا مشروع الدولة الوطنية.
يحلل الكاتب تداعيات وصول الجماعة إلى سدة الحكم، واصفاً إياها باللحظة التي تحولت فيها "الفوضى المدارة" من الخارج إلى "فوضى مكشوفة" تهدد كيان الدولة من الداخل. فعندما انتقلت الجماعة من المعارضة إلى السلطة، اصطدمت عقيدتها التنظيمية بمفهوم "الدولة الوطنية"، وبدأت في تفتيك الروابط التي تجمع المؤسسات السيادية. ويرى الكاتب أن هذا الحكم لم يكن مجرد فشل سياسي، بل كان خطراً وجودياً كاد أن يودي بالدولة المصرية نحو التفتت الطائفي والمجتمعي، مما جعل من لحظة المواجهة مع هذا المشروع ضرورة حتمية لاستعادة "هوية الدولة" ومنع سقوطها في فخ الفوضى الشاملة التي خططت لها القوى الدولية.
سر البقاء: لماذا نجت الدولة المصرية؟
يرى الدكتور عبد الرحيم علي أن نجاة مصر لم تكن وليدة الصدفة، بل استندت إلى حقيقة أن "الدولة المصرية" تمتلك جذوراً إدارية ومؤسسية ضاربة في عمق التاريخ، تجعلها عصية على الانهيار الكلي الذي أصاب دولاً أخرى في المنطقة. فالدولة هنا ليست مجرد "نظام حكم" يزول بزوال شخوصه، بل هي بنية بيروقراطية وإدارية وقانونية تراكمت عبر القرون. هذا التجذر المؤسسي خلق حالة من "المقاومة الذاتية" للتحلل؛ حيث استمرت مرافق الدولة الحيوية في العمل رغم الهزات السياسية العنيفة، مما منع تحول الفوضى السياسية إلى انهيار مجتمعي شامل، وأثبت أن الهيكل الصلب للدولة المصرية أكبر من أن يتم تفكيكه بضغوط مرحلية.
كما يفرد الكاتب مساحة تحليلية واسعة لدور المؤسسة العسكرية، معتبراً أن "العقيدة الوطنية" للجيش المصري كانت حجر الزاوية في إفشال مخططات التفتيت. فبينما انزلقت جيوش إقليمية أخرى نحو الصراعات الطائفية أو الانقسامات الأهلية، حافظ الجيش المصري على تماسك كتلته الصلبة ورفض الانجرار لمواجهة الشعب. ويؤكد الكاتب أن تدخل الجيش في اللحظات الحاسمة (سواء في 2011 أو 2013) لم يكن سعياً وراء السلطة لذاتها، بل كان استجابة لـ "ضرورة وجودية" تفرضها مسؤولية حماية كيان الدولة من التلاشي. هذا الفهم الاستراتيجي لدور الجيش كـ "حارس للكيان" وليس طرفاً في الصراع السياسي، هو ما منع تحول مصر إلى ساحة حرب أهلية كما خططت بعض القوى الدولية.
يسلط الكاتب الضوء على "الميزان الشعبي" الذي رجح كافة الدولة في نهاية المطاف. ويرى أن المجتمع المصري يمتلك "وعياً فطرياً" وذاكرة تاريخية تراكمية تجعله ينبذ الفوضى بالفطرة عندما يراها تهدد أمنه الأساسي. فرغم المعاناة الاقتصادية والمطالب الاجتماعية، اكتشف المصريون بسرعة أن البديل المطروح (سواء عبر حكم التنظيمات الأيديولوجية أو الفوضى المفتوحة) سيؤدي إلى فقدان الوطن نفسه. هذا الوعي هو الذي خلق "الغطاء الشعبي" اللازم لمؤسسات الدولة لتستعيد زمام المبادرة، حيث انحاز المواطن المصري في لحظة الحقيقة لخيار الاستقرار وبناء الدولة على حساب مشاريع "الفوضى الخلاقة"، مما جعل المجتمع نفسه هو الحصن الأخير الذي تحطمت عليه موجات التفكيك.
رؤية 2026: تحديات الفوضى الهادئة
يضع الدكتور عبد الرحيم علي رؤية تحذيرية لعام 2026، مؤكداً أن تراجع حدة المواجهات الصاخبة في الميادين لا يعني انتهاء معركة الأمن القومي، بل يعني دخولها مرحلة "العدو بلا لافتة". فالمخططات التي كانت تعتمد سابقاً على الحشود والاعتصامات والفوضى المفتوحة، تطورت إلى نمط من "الفوضى الهادئة" التي تتسلل عبر مفاصل الدولة دون ضجيج. ويرى الكاتب أن الخطر القادم يكمن في غياب التهديد العسكري المباشر وحلول أدوات ناعمة محترفة محله، تستهدف إنهاك الدولة تدريجياً وإبقاءها في حالة استنزاف دائم، مما يجعل رصد هذا التهديد ومواجهته يتطلب وعياً استخباراتياً وسياسياً من نوع جديد لا يكتفي بمراقبة الحدود الجغرافية فحسب.
يفصل الكاتب في كيفية انتقال "ساحة الاشتباك" من المجال الأمني البحت إلى المجالين الاقتصادي والحقوقي؛ حيث أصبحت التقارير الحقوقية المسيّسة، وحملات العلاقات العامة الممنهجة في العواصم الغربية، والضغط عبر المؤسسات المالية الدولية، هي الأسلحة البديلة للدبابة والطائرة. ويرى أن استهداف العملة الوطنية، والتصنيف الائتماني، وصورة الدولة في الأسواق العالمية، يمثل "حصاراً ذكياً" يهدف إلى خلق حالة من التذمر الداخلي ناتجة عن الضغوط المعيشية. فالمعركة في 2026 لم تعد معركة سلاح، بل هي معركة "صورة وائتمان واستثمار"، حيث يتم توظيف هذه الأدوات لانتزاع تنازلات سيادية وشل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات وطنية مستقلة.
كما يطرح الكاتب مفهوماً جوهرياً وهو "مناعة الدولة"، مشدداً على أن الاستقرار القائم على القبضة الأمنية وحدها، دون اقترانه بإصلاحات هيكلية حقيقية وتجفيف لمنابع الغضب الاجتماعي، ليس سوى "هدنة مؤقتة مع المستقبل". ويرى الدكتور عبد الرحيم أن تحصين الأمن القومي العربي في المدى الطويل يتطلب بناء "جبهة داخلية" قوية تشعر بالشراكة في الوطن؛ فالعدالة الاجتماعية وتطوير المؤسسات الإدارية هي التي تمنح الدولة المناعة ضد الفيروسات الفكرية والمخططات الخارجية. وبدون ذلك، ستظل الدولة عرضة للانتكاس عند أي هزة اقتصادية أو سياسية، مؤكداً أن الرهان الحقيقي في 2026 وما بعدها هو قدرة الدولة على التحول من "مرحلة الصمود" إلى "مرحلة الاستدامة والمناعة" الشاملة.
الخاتمة
في الختام، يمكن القول إن رؤية الدكتور عبد الرحيم علي تخلص إلى أن معركة "الوجود" للدولة الوطنية العربية قد انتقلت من طور المواجهة الخشنة في الميادين إلى طور "الفوضى الهادئة" والمستترة. إن التحذير الذي يطلقه الكاتب لعام 2026 وما بعده، يضعنا أمام حقيقة أن "الاستقرار" هو حالة ديناميكية تتطلب صيانة مستمرة، وليس مجرد حالة سكون ناتجة عن غياب الاحتجاج. فالمناعة الوطنية الحقيقية، كما جسدتها المقالات، تكمن في قدرة الدولة على تحويل مؤسساتها إلى حوائط صد ذكية، ليس فقط عبر القوة الأمنية، ولكن من خلال استعادة ثقة المواطن وبناء جبهة داخلية صلبة تدرك حجم المخاطر وتؤمن بمشروعها الوطني كبديل وحيد عن التفتت والضياع.
إن هذه المقالات هي بمثابة "صرخة وعي" في وجه التزييف الممنهج، ودعوة ملحة لتحصين الأمن القومي العربي عبر فهم عميق لآليات "الحروب الجديدة" التي تستخدم الاقتصاد والحقوق والإعلام كمطارق لهدم الدول. لقد نجت الدولة المصرية بفضل تلاحم عبقري بين جذورها التاريخية، وعقيدة جيشها الوطنية، ووعي شعبها الفطري، إلا أن هذا النجاح يظل أمانة تتطلب اليقظة الدائمة. فالهدف النهائي الذي يصبو إليه الكاتب هو أن نصل إلى عام 2026 وما يليه، ونحن نمتلك دولة لا تكتفي بالصمود أمام الأعاصير، بل قادرة على استعادة زمام المبادرة التاريخية، وتحويل "الأمن القومي" من مفهوم دفاعي إلى رؤية شاملة للنهوض والسيادة.
