رأس الأفعى: صلاح عبد الحق.. القيادة في زمن التشتت
الجمعة 20/فبراير/2026 - 07:26 م
طباعة
حسام الحداد
تطل جماعة الإخوان المسلمين في مشهدها الحالي عبر وجهٍ يجمع بين الحرس القديم والنزعة التربوية المتشددة، متمثلاً في صلاح عبد الحق، الذي صعد إلى سدة "القائم بالأعمال" في جبهة لندن عام 2023. لم يكن صعوده مجرد إجراء إداري لملء فراغ قيادي، بل كان محاولة استراتيجية من التنظيم لاستعادة توازنه المفقود والاتكاء على "شرعية السجون" لمواجهة موجة الانقسامات العنيفة والرفض الشعبي والقانوني الذي يحاصر الجماعة دولياً وإقليمياً.
يُمثل عبد الحق في الوعي التنظيمي للإخوان "حارس الأيديولوجيا" الذي يعيد الجماعة إلى مربعها الأول؛ حيث المحاضن المغلقة والتربية القطبية المنعزلة عن الدولة الوطنية. ومن هنا، يكتسب البروفايل الخاص به أهمية كبرى، ليس فقط كونه المسؤول الأول عن جبهة لندن، بل لكونه يعبر عن مرحلة "الكمون والتخفي" التي ينتهجها التنظيم تحت غطاء العمل التربوي والطبي، بينما تظل الأهداف الكبرى للتمكين والصدام مع المجتمعات هي المحرك الأساسي من خلف الستار.
السيرة الذاتية والنشأة
ولد صلاح عبد الحق في مطلع أكتوبر عام 1945 في قلب العاصمة المصرية القاهرة، ونشأ في مناخ سياسي وديني متلاطم شكل هويته التنظيمية مبكراً. انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين في سن السابعة عشرة (عام 1962)، وهو ما جعله جزءاً أصيلاً مما يُعرف تاريخياً بـ "جيل 65" أو "الجيل القطبي"؛ وهم الشباب الذين عاصروا المنظر الإخواني سيد قطب وتأثروا بأطروحاته الراديكالية حول "الحاكمية" و"الجاهلية". وقد تعمق هذا التكوين الفكري لديه نتيجة اعتقاله في القضية الشهيرة عام 1965 رفقة سيد قطب وعدد من القيادات التاريخية، حيث قضى سنوات في السجن صقلت ولاءه الحديدي للتنظيم ومنهجه الصدامي مع الدولة، مما جعله لاحقاً يحظى بـ "شرعية المحنة" التي تُعد ركيزة أساسية للترقي في هرم القيادة الإخوانية.
على الصعيد المهني والأكاديمي، تخصص عبد الحق في الطب البشري وحصل على عضويتة في نقابة الأطباء المصرية، لكن مساره المهني كان يسير دائماً في خط موازٍ لخدمة أهداف الجماعة؛ حيث ساهم في تأسيس أذرع مهنية وخدمية كـ "الجمعية الطبية الإسلامية" لتعزيز التواجد المجتمعي للتنظيم. ومع مرور الوقت، انتقل ثقل دوره من العمل الميداني الطبي إلى العمل التربوي والأيديولوجي، وهو الملف الأخطر داخل الجماعة، حيث تولى رئاسة "المنتدى الإسلامي الدولي للتعليم" (ISFE). ومن خلال هذا المنصب والمهام التربوية الأخرى، أشرف عبد الحق لعقود على صياغة المناهج الفكرية وتأهيل الكوادر الشابة في المنفى، مركّزاً على ترسيخ مفاهيم السمع والطاعة والحفاظ على "النقاء التنظيمي"، وهو ما جعله الخيار الأبرز لتولي القيادة في مارس 2023 كمحاولة أخيرة للحفاظ على وحدة الجماعة المتهاوية.
الصعود إلى قيادة "القائم بالأعمال"
جاء اختيار صلاح عبد الحق في مارس 2023 ليتولى منصب القائم بأعمال المرشد العام (ممطلاً لجبهة لندن) في لحظة فارقة من تاريخ الجماعة، حيث كان التنظيم يعاني من حالة "تشظٍّ" غير مسبوقة بعد وفاة إبراهيم منير. استند صعود عبد الحق إلى ركيزتين أساسيتين؛ الأولى هي "الشرعية التاريخية" الصارمة، كونه أحد الناجين من صدام عام 1965 وعضو "جيل السجون" الذي يحظى بقدسية خاصة لدى القواعد التنظيمية، مما منحه هيبة أدبية تفوق منافسيه. أما الركيزة الثانية فهي "الحياد التكتيكي"، حيث ظل عبد الحق لسنوات بعيداً عن التراشق العلني والصراعات المالية والإدارية المحتدمة بين "جبهة لندن" و"جبهة إسطنبول" (بقيادة محمود حسين)، مما قدمه كشخصية "إنقاذية" قادرة على امتصاص غضب القواعد وتسكين الخلافات العميقة التي هددت بانهيار الهيكل التنظيمي بالكامل في المنفى.
على الصعيد الاستراتيجي، عكس اختيار عبد الحق توجهاً لدى النواة الصلبة للجماعة بضرورة العودة إلى "المحضن التربوي" كأداة للسيطرة، فباعتباره "مربياً" تاريخياً ورئيساً سابقاً للمنتدى الإسلامي الدولي للتعليم، يمتلك عبد الحق القدرة على إعادة صياغة المناهج الفكرية للجماعة بما يتواءم مع ظروف الشتات. ويهدف هذا التوجه إلى محاصرة حالة "التململ" والانشقاقات الصامتة بين الأجيال الشابة التي فقدت الثقة في القيادات التقليدية، عبر إعادة غرس مفاهيم السمع والطاعة والانعزال الشعوري تحت مسمى "التربية". إن تركيز عبد الحق على المسار التربوي ليس مجرد نشاط دعوي، بل هو محاولة لإعادة بناء "التنظيم المغلق" وتحصين ما تبقى من كوادر ضد الاندماج في المجتمعات المضيفة أو المراجعات الفكرية، وهو ما يمثل خطورة مستمرة لكونه يعيد إنتاج الفكر المتطرف بأساليب تعليمية وتربوية ناعمة.
مخاطر التنظيم في عهد عبد الحق
بينما يحاول صلاح عبد الحق تسويق صورة "هادئة" للجماعة من خلال التركيز على المسارات التربوية والتعليمية، إلا أن هذا الهدوء لا يعدو كونه "تكتيكاً" لإعادة ترتيب الصفوف وتجاوز الأزمات الأمنية والسياسية الراهنة. فالإطار الفكري الذي يتحرك فيه عبد الحق يظل وفياً للجذور الأيديولوجية التي ترى في الدولة الوطنية مجرد مرحلة عابرة، مما يضع الجماعة تحت مجهر الانتقادات الدولية والمخاوف الأمنية العميقة. وتتجلى خطورة هذا النهج في النقاط الجوهرية التالية:
تعتبر عقيدة "الولاء والبراء" التنظيمية لدى الإخوان من أخطر مهددات الاستقرار السياسي؛ حيث تقوم فلسفة الجماعة على إعطاء الولاء المطلق لـ "المرشد" أو "القائم بالأعمال" وهياكل التنظيم فوق الولاء للدولة ومؤسساتها الوطنية. هذا النهج يخلق حالة من "الدولة الموازية" أو "الدولة داخل الدولة"، وهو ما أدى تاريخياً إلى صدامات دموية ومحاولات مستمرة لزعزعة استقرار المجتمعات في مصر وعدة دول عربية، بهدف استبدال النظم القائمة بـ "خلافة" عابرة للحدود تذوب فيها الهوية الوطنية وتخضع لأجندة مكتب الإرشاد.
رغم محاولات الجماعة المتكررة للتنصل من العمل المسلح المباشر في المنفى، إلا أن أدبياتهم الأصلية—خاصة تلك التي يمثلها عبد الحق كأحد أبناء "الجيل القطبي"—تظل المرجعية الروحية والفلسفية لمعظم الجماعات الإرهابية المتطرفة مثل "القاعدة" و"داعش". إن مفاهيم مثل "الحاكمية" (تكفير القوانين الوضعية) و"الجاهلية" (تكفير المجتمعات) التي رسخها سيد قطب، لا تزال تُدرّس في المحاضن التربوية التي يشرف عليها عبد الحق، مما يوفر بيئة خصبة لـ "الراديكالية الناعمة" التي تتحول سريعاً إلى إرهاب عنيف عند أول فرصة للتمكين.
يمارس عبد الحق وقيادات الجماعة ما يُعرف بـ "التقية السياسية" أو الخطاب المزدوج؛ ففي الخطاب الموجه للغرب والمنظمات الدولية، يتم التركيز على مفردات "المظلومية"، "حقوق الإنسان"، و"الخيار الديمقراطي" لاستجلاب التعاطف والحماية القانونية. وفي المقابل، يمتلئ الخطاب الموجه للقواعد التنظيمية والداخلية بمفاهيم "أستاذية العالم"، "حتمية الصدام"، ووصف الأنظمة بـ "الطاغوتية". هذه الازدواجية تهدف إلى خداع المجتمع الدولي بينما يتم شحن القواعد داخلياً بروح عدائية تجاه مجتمعاتهم ودولهم.
تكمن خطورة الجماعة تحت قيادة عبد الحق في امتلاكها شبكة مالية واستثمارية بالغة التعقيد، تتوزع بين قارات العالم تحت غطاء "منظمات غير حكومية" و"جمعيات خيرية" ومراكز إسلامية في أوروبا وأمريكا. هذه الشبكات لا تُستخدم فقط لضمان استمرارية التنظيم مادياً، بل تُوظف كأدوات "ضغط سياسي" (Lobbying) للتأثير على صناع القرار في الدول الغربية، ومحاولة توجيه سياسات تلك الدول بما يخدم مشروع الجماعة ويقوض مصالح الدول الوطنية التي تحارب فكرهم المتطرف.
التحديات الراهنة
يواجه صلاح عبد الحق في عام 2026 واقعاً جيوسياسياً شديد التعقيد، حيث تضيق الدائرة القانونية حول أنشطة الجماعة بشكل غير مسبوق. فإلى جانب استمرار تصنيفها كمنظمة إرهابية في مصر وعدة دول عربية وازنة، يواجه عبد الحق تنامياً في الضغوط الغربية (خاصة في أوروبا والولايات المتحدة) التي بدأت تتبنى تشريعات أكثر صرامة لتجفيف منابع تمويل التنظيم وتفكيك شبكاته العابرة للحدود. هذا الرفض القانوني ترافق مع "عزلة سياسية" خانقة وفقدان تام للزخم الشعبي؛ إذ بات الشارع العربي ينظر إلى الجماعة ككيان تسبب في فوضى سياسية واجتماعية خلال تجاربها الفاشلة في الحكم إبان أحداث "الربيع العربي". وبذلك، يجد عبد الحق نفسه قائداً لتنظيم مطارد قانونياً ومنبوذ شعبياً، مما يحد من قدرته على المناورة أو طرح الجماعة كلاعب سياسي مقبول في أي معادلة مستقبلية.
على المستوى الداخلي، يبرز "الانقسام الهيكلي" كأحد أكبر الإخفاقات التي لم يستطع عبد الحق تجاوزها، حيث فشل حتى الآن في جسر الهوة بين "جبهة لندن" التي يقودها و"جبهة إسطنبول" المنافسة. هذا التشظي جعل التنظيم يعمل برأسين وتوجهين متضاربين، مما أدى إلى تآكل الثقة لدى القواعد التنظيمية وتشتت الموارد المالية والإعلامية. وفي هذا السياق، يبدو دور صلاح عبد الحق دوراً "انتقالياً وبروتوكولياً" بامتياز؛ فهو يحاول يائساً الحفاظ على هيكل التنظيم من الانهيار الكلي عبر سياسة "الإنعاش التربوي"، إلا أن الواقع يشير إلى تآكل مستمر في نفوذه وتأثيره الحقيقي على الأرض. لقد تحول التنظيم تحت قيادته إلى كيان مغلق يعيش على صدى الماضي، عاجزاً عن التكيف مع المتغيرات الإقليمية أو تقديم رؤية تتجاوز صراعات البقاء في المنفى.
الخاتمة
في نهاية المطاف، يبرز صلاح عبد الحق كـ "قائد اضطراري" لمرحلة التلاشي التنظيمي، حيث يقود كياناً يعاني من التشرذم الداخلي وفقدان البوصلة السياسية. ورغم محاولاته الدؤوبة لترميم "رأس الأفعى" عبر استراتيجيات الإنعاش التربوي، إلا أن الحقائق على الأرض في عام 2026 تؤكد أن الجماعة قد فقدت حصانتها التاريخية، وباتت قيادتها حبيسة صراعات المنفى وملاحقات القانون الدولي. إن بقاء عبد الحق في منصبه لا يعكس قوة التنظيم، بقدر ما يعكس عجزه عن تقديم بديل عصري يقر بالدولة الوطنية، ليظل دوره مجرد فصل أخير في رواية تنظيم يصارع للبقاء بينما تتجاوزه أحداث التاريخ وتلفظه إرادة الشعوب.
