حصاد الصحافة العالمية 17 مايو 2026: طبول الحرب تقرع والهدن المعلقة تواجه خيار الانهيار
الأحد 17/مايو/2026 - 09:22 ص
طباعة
حسام الحداد
تمر منطقة الشرق الأوسط بمنعطف استراتيجي هو الأكثر تعقيداً وخطورة، حيث تشابكت الخيوط الدبلوماسية مع التحركات العسكرية الميدانية لتضع المنطقة بأسرها فوق صفيح ساخن. ولم تعد الأحداث الجارية مجرد خروقات موضعية أو تصريحات عابرة، بل باتت تعكس صراعاً ممتداً على النفوذ وإعادة رسم التوازنات الإقليمية؛ إذ تتقاطع أزمة الممرات المائية الحيوية وحرب المسيرات المستنزفة مع محاولات القوى الدولية لإعادة التموضع وفرض واقع دفاعي جديد. وتأتي التغطية الصحفية العالمية الصادرة اليوم لتسلط الضوء على هذا المشهد المتفجر الذي يتأرجح خطره بين حرب شاملة مؤجلة ودبلوماسية "ربع الساعة الأخير".
وفي غمرة هذه التوترات الميدانية العاصفة، لم تغب التحولات السياسية والحراكات الشعبية عن المشهد الإقليمي والدولي؛ حيث يلقي التغيير الحكومي في العراق بظلاله على التوازنات السياسية الداخلية وقدرة بغداد على النأي بنفسها عن الصراع الأمريكي-الإيراني. وعلى الجانب الآخر، تذكر المظاهرات العارمة التي اجتاحت العواصم الأوروبية بمناسبة الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة بأن القضية الفلسطينية ما زالت تمثل المحرك الأساسي للوجدان الشعبي العالمي، والشرارة التي يمتد لهيبها ليؤثر في السياسات الدولية والتفاعلات الدبلوماسية الكبرى في المنطقة.
طبول الحرب والدبلوماسية الهشة
يتصدر الملف الإيراني الأمريكي واجهة الأحداث في الشرق الأوسط، حيث تشهد المنطقة حالة من حبس الأنفاس جراء تصاعد حدة التصريحات المتبادلة التي تعيد قرع طبول الحرب، بالتزامن مع تحركات عسكرية في الممرات المائية الحيوية. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة لتضع الدبلوماسية الدولية والوساطات الإقليمية الهشة في اختبار حقيقي لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة ومفتوحة.
أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة واسعة من القلق والتحليلات في الأوساط السياسية والإعلامية إثر منشور غامض له على منصة "إكس" (تويتر سابقاً)، وصف فيه المرحلة الراهنة مع طهران بأنها "الهدوء الذي يسبق العاصفة". ونقلت وكالة رويترز للأنباء عن مصادر داخل الإدارة الأمريكية أن هذا التصريح لم يكن مجرد مناورة كلامية، بل يتزامن مع نقاشات جادة ومغلقة تجري داخل أروقة البنتاغون والبيت الأبيض لبحث احتمالية استئناف الضربات الجوية المركزة ضد أهداف حيوية في الداخل الإيراني، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً خطيراً على قرب انهيار التهدئة المؤقتة بين البلدين.
على الصعيد الميداني والاقتصادي، أعلنت السلطات في طهران عن توجهها لفرض ما أسمته "آلية مهنية ورقابية جديدة" لتنظيم حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، تشمل فرض رسوم مالية على السفن التجارية، مع التأكيد الصارم على منع مرور أي قطع أو معدات عسكرية تابعة لجهات تصنفها إيران كقوى "معادية". وفي المقابل، أبرزت شبكة سي إن إن (CNN) الإخبارية تصريحات حازمة لوزير الطاقة الأمريكي، أكد فيها أن واشنطن وحلفاءها يتوقعون استعادة الحركة الطبيعية وإعادة فتح المضيق بشكل كامل بحلول الصيف المقبل، محذراً بشكل مباشر من أن الولايات المتحدة لن تتردد في اللجوء إلى "خيارات عسكرية رادعة" لحماية تدفق الطاقة التجاري العالمي إذا استمرت طهران في تعطيل الملاحة أو فرض إملاءات أحادية الجانب.
وسط هذا الاحتدام، ما زالت القنوات الدبلوماسية الإقليمية تحاول نزع فتيل الأزمة؛ حيث أفادت وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) بوصول وزير الداخلية الباكستاني في زيارة رسمية عاجلة إلى العاصمة الإيرانية طهران. ووفقاً لتقارير دبلوماسية نشرتها وكالة الأناضول التركية، فإن الزيارة تأتي في إطار وساطة مكثفة تقودها إسلام آباد لإحياء محادثات السلام المتعثرة وتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، ومحاولة إنقاذ اتفاق التهدئة الهش الذي رعته باكستان في وقت سابق، وسط مخاوف من أن تفترس لغة الحرب الجهود السياسية المبذولة خلف الكواليس.
خروقات مستمرة للهدنة
تواجه التفاهمات الدبلوماسية الأخيرة بين لبنان وإسرائيل اختباراً ميدانياً عاصفاً، حيث باتت "الهدنة الهشة" الممددة برعاية دولية مهددة بالانهيار الكامل تحت وطأة العمليات العسكرية المتصاعدة. وتكشف التطورات الأخيرة على طول الخط الأزرق والمناطق الحدودية عن فجوة عميقة بين المساعي السياسية الرامية لاحتواء الصراع، وبين الواقع الميداني الذي ينذر بانفجار الأوضاع مجدداً في أي لحظة.
على الرغم من الإعلان رسمياً عن تمديد اتفاق الهدنة المؤقتة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية مباشرة من واشنطن، إلا أن الميدان شهد تصعيداً عسكرياً واسع النطاق. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) عن بيان رسمي للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تأكيده تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي مكثف استهدف نحو 100 هدف وبنية تحتية تابعة لـ "حزب الله" في مناطق متفرقة من جنوب لبنان منذ يوم الجمعة الماضي. وجاء في الرواية الإسرائيلية، بحسب ما نشرته صحيفة هاآرتس، أن هذا الهجوم الواسع يمثل رداً "مباشراً وحازماً" على ما وصفته باختراقات متكررة من جانب الحزب شملت إطلاق طائرات مسيرة انقضاضية وقذائف هاون باتجاه المواقع العسكرية الإسرائيلية والمستوطنات الشمالية.
أدت حدة الضربات المدفعية والغارات الجوية الإسرائيلية إلى تدهور الوضع الإنساني بشكل متسارع في القرى والبلدات الحدودية؛ حيث أكدت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية (وطنية) سقوط عدد من الضحايا والجرحى بين المدنيين جراء القصف الذي طال أحياء سكنية ومزارع في العمق الجنوبي. وتسببت هذه التطورات الدموية، وفقاً لما رصدته تقارير ميدانية لـ شبكة الجزيرة الإخبارية، في إثارة موجة عارمة من الذعر والخوف بين السكان المحليين، مما دفع آلاف العائلات في قرى القطاعين الأوسط والغربي إلى حزم أمتعتهم والنزوح الجماعي مجدداً نحو مدينتي صيدا وبيروت، وسط مخاوف شعبية متزايدة من أن تكون هذه الخروقات مقدمة لشن عملية عسكرية أوسع وانهيار وقف إطلاق النار بالكامل.
التحركات الدولية والدفاعية في المنطقة
تتزامن التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط مع تحركات واستراتيجيات عسكرية بارزة تنتهجها القوى الدولية الكبرى المتواجدة في المنطقة. وتكشف التطورات الدفاعية الأخيرة عن إعادة تموضع لافت للقوات البحرية والجوية؛ حيث تسعى دول غربية إلى إدخال تكنولوجيا عسكرية منخفضة التكلفة لمواجهة التهديدات غير التقليدية، في حين تُعيد الولايات المتحدة تنظيم أسطولها البحري الضخم بعد مهمات قتالية قياسية وممتدة.
كشفت وزارة الدفاع البريطانية رسمياً اليوم عن النشر العملياتي الفوري لمنظومة صاروخية متطورة ومنخفضة التكلفة في منطقة الشرق الأوسط، تم تطويرها واختبارها على عجل خلال أقل من شهرين لمواجهة الطائرات المسيرة (الدرونز). ووفقاً لما نقلته شبكة يورواكتيف (Euractiv) الإعلامية، فإن المنظومة الجديدة، المعروفة باسم "منظومة الأسلحة القتالية الدقيقة المتقدمة" (
APKWS
)، تعتمد على تقنية توجيه بالليزر تحوّل الصواريخ التقليدية غير الموجهة إلى أسلحة دقيقة قادرة على إسقاط مسيرات "شاهد" وغيرها بكسر تكلفة الصواريخ الدفاعية التقليدية. وأشارت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) إلى أن هذه الصواريخ (التي تبلغ تكلفة الواحد منها حوالي 20 ألف دولار) جرى دمجها بالفعل ضمن طلعات مقاتلات "تايفون" التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني لحماية المقار العسكرية، الشركاء، وحلفاء المملكة المتحدة في منطقة الخليج من الهجمات الجوية المتزايدة.
على صعيد التحركات البحرية، أعلن البنتاغون رسمياً عن عودة حاملة الطائرات الأحدث والأكبر في العالم "يو إس إس جيرالد فورد" (
USS Gerald R. Ford
) إلى قاعدتها في نورفولك بفيرجينيا، مسجلةً رقماً قياسياً بأطول فترة انتشار لأسطول أمريكي منذ حرب فيتنام. وأفادت وكالة أسوشيتد برس (AP) بأن الحاملة وطاقمها أنهوا انتشاراً استمر 326 يوماً متواصلة في البحر، شمل المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران في البحر الأحمر والمتوسط والمساهمة في عمليات سابقة في الكاريبي. وأوضحت تقارير نشرتها صحيفة هندوستان تايمز نقلاً عن مسؤولين عسكريين، أنه رغم نيل الطاقم وسام "الثناء الرئاسي" لكفاءتهم القتالية، فإن العودة تأتي وسط ضغوط صيانة واجهتها السفينة (مثل حريق غرف الغسيل ومشاكل الصرف الصحي)، مؤكدة أن مغادرتها لن تترك فراغاً عسكرياً في المنطقة بوجود حاملتي الطائرات "أبراهام لينكون" و"جورج بوش" لمتابعة العمليات.
الشأن العراقي والإقليمي
لم تقتصر أصداء الأحداث في الشرق الأوسط على الجبهات العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل تحولات سياسية داخلية بارزة وحراكاً شعبياً عابراً للقارات. فبينما يمر العراق بمنعطف سياسي جديد مع تسلم حكومة جديدة لمهامها في توقيت حرج، شهدت العواصم الأوروبية موجة من الاحتجاجات والمسيرات التضامنية الضخمة التي تعيد تسليط الضوء على القضية الفلسطينية وتداعياتها المستمرة على الساحة الدولية.
شهدت العاصمة العراقية بغداد مراسم رسمية لتداول السلطة، حيث تسلّم رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، مهامه التنفيذية رسمياً اليوم خلفاً لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني. وذكرت وكالة الأنباء العراقية (واع) أن هذه الخطوة جاءت بعد ليلة ماراثونية نجح خلالها الزيدي في نيل ثقة مجلس النواب العراقي لتشكيلته الوزارية وبرنامجه الحكومي. وأشارت تقارير نشرتها صحيفة الشرق الأوسط إلى أن الحكومة الجديدة تواجه ملفات إقليمية واقتصادية بالغة التعقيد، في مقدمتها الحفاظ على سياسة "النأي بالنفس" وتجنيب العراق تداعيات الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران، إلى جانب التعامل مع أزمة تذبذب أسعار النفط العالمية الناتجة عن توترات الملاحة.
وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، رصدت وسائل الإعلام مواجهات ومظاهرات حاشدة جابت عواصم أوروبية عدة بمناسبة الذكرى الـ 78 للنكبة الفلسطينية. وأفادت وكالة الأناضول التركية بأن العاصمة الفرنسية باريس شهدت تجمعات ضخمة لآلاف المتظاهرين والناشطين الحقوقيين، تخللها اختراق أمني رمزي لافت نجح خلاله ناشطون في رفع علم فلسطيني عملاق على واجهة "برج إيفل"، ما أدى إلى تدخل سريع من الشرطة الفرنسية واعتقال عدد منهم. وفي ذات السياق، نقلت شبكة يورونيوز (Euronews) أن العاصمة اليونانية أثينا شهدت هي الأخرى مسيرات غاضبة اتجهت نحو السفارة الإسرائيلية، تنديداً بالوضع الإنساني في الأراضي الفلسطينية، وسط إجراءات أمنية مشددة من السلطات المحلية التي حاولت تفريق المحتجين لمنع تفاقم الصدامات.
وأخبرا تُجمل القراءة المتأنية لعناوين الصحافة العالمية والمحلية اليوم واقعاً إقليمياً شديد الحساسية، تتدحرج فيه كرة الثلج نحو مواجهة أوسع إن لم تنجح كوابح الدبلوماسية في ضبطها. إن التداخل العسكري والتقني المعقد بين الأطراف الفاعلة يُثبت أن استدامة التهدئة في ملفات هرمز أو جنوب لبنان لم تعد ترتبط فقط بنوايا التهدئة السياسية، بل بمدى القدرة على كبح جماح الخروقات الميدانية وفرض شروط اشتباك منضبطة. وفي النهاية، يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، بانتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة من نتائج للوساطات الجارية، والتي ستحدد ما إذا كانت المنطقة متجهة نحو احتواء الأزمات أم نحو "العاصفة" التي لوّحت بها لغة التصعيد.
