في ذكرى رحيله: الشيخ الغزالي بوصفه "المحرض الفكري" ضد فرج فودة.

الإثنين 09/مارس/2026 - 09:30 ص
طباعة في ذكرى رحيله: الشيخ حسام الحداد
 
يوافق اليوم، التاسع من مارس، ذكرى وفاة الشيخ محمد الغزالي (١٩٩٦)، القامة الفكرية والدعوية القوية التي تركت بصمة عميقة ووجلاً في تضاريس الفكر الإسلامي الحديث. وبصفتنا صوتاً من أصوات التنوير في مصر، لا يمكننا إحياء هذه الذكرى بطقوس التبجيل التقليدية فحسب، بل بالوقوف بجرأة نقدية أمام مواقفه المفصلية، وأخطرها على الإطلاق: اصطفافه الفكري والعقائدي في قضية اغتيال المفكر فرج فودة عام ١٩٩٢. يأتي هذا التحليل في وقت لا تزال فيه مصر تحاول جاهدة الفكاك من قبضة الإرهاب الفكري، مما يستوجب تفكيك السوابق التاريخية التي شرعنت القتل باسم الدين.
ولفهم فداحة موقف الغزالي، يجب استحضار السياق الدرامي للجريمة؛ فقد اغتيل فرج فودة عقب مناظرة صاخبة في معرض القاهرة للكتاب، واجه فيها الغزالي وعمارة والهضيبي الطرح العلماني لفودة وخلف الله. وعندما استُدعي الشيخ الغزالي للشهادة أمام المحكمة بطلب من دفاع القتلة، لم يكتفِ بإدانة القتيل بتهمة الردة، بل أفتى بجواز "أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها" معتبراً أن "لا عقوبة على هذا الافتئات!". إن هذه الشهادة لم تكن مجرد رأي فقهي عابر، بل كانت صكاً شرعياً بأثر رجعي حول الجريمة إلى "واجب ديني"، مما يضعنا أمام مسؤولية نقدية تاريخية لتشريح هذه السابقة الظلامية التي أسست لثقافة الإفلات من العقاب للقتلة باسم الله.

في ذكرى رحيله: الشيخ

ازدواجية الخطاب.. إدانة الجريمة وتشريع الضحية
أول ما يتبادر إلى الذهن عند تحليل شهادة الغزالي هو حالة "الانفصام السياسي والأخلاقي". فالشيخ، الذي يُحسب على تيار "الوسطية" الإسلامية، بدأ شهادته بإدانة القتل واعتبره عملاً غير مشروع وخروجاً على الدولة. لكنه سرعان ما انقلب على هذا المبدأ ليصب جام غضبه على الضحية (فرج فودة)، واصفاً إياه بالمرتد، وخارجاً عن الملة، ومحارباً لله ورسوله، ومبيحاً لدمه.
هذه الازدواجية هي جوهر الخطر؛ فبينما يمسك الشيخ العصا من المنتصف أمام المحكمة (الدولة) ليبدو ملتزماً بالقانون، فإنه يرسل رسالة مشفرة إلى أنصاره (التيار الراديكالي) مفادها: "الضحية تستحق الموت، وإنما نختلف على التوقيت أو الآلية". لقد حول الغزالي المحاكمة من محاكمة للقاتل إلى محاكمة للقتيل، وأعطى القتلة صكاً غفراناً معنوياً، مؤكداً لهم أنهم قتلوا "كافراً".

تكريس مبدأ "جواز قتل المرتد" بلا قيود دولاتية
إن أخطر ما في شهادة الغزالي هو ترسيخه لفكرة أن "المرتد" -وفقاً لتعريفه الخاص- يستحق القتل، وأنه لا عقوبة (دنيوية) على القاتل إذا ما قام بتنفيذ "حد الردة" بنفسه، متجاوزاً بذلك مؤسسات الدولة وولي الأمر.
هذا الموقف يمثل ضربة قاضية لمفهوم "الدولة الحديثة" القائمة على سيادة القانون واحتكار العنف المشروع. فإذا أبحنا لكل فرد أو جماعة أن تؤول "الردة" وتنفذ العقوبة بناءً على فهمها الخاص للنصوص، فإننا نفتح أبواب الجحيم على مصراعيها، ونحول المجتمع إلى غابة يقتل فيها الأخ أخاه تحت ذريعة حماية الدين.
لقد تناسى الغزالي أن تطبيق الحدود هو من اختصاص الإمام (الدولة) في الفقه المقاصدي الحديث، وأن الفرد لا يملك حق الاقتصاص الذاتي. وبتلك الشهادة، لم يسقط حق الدولة فحسب، بل أسقط أيضاً فكرة "المواطنة" التي تعطي لكل فرد الحق في الرأي والتعبير دون خوف من التصفية الجسدية.

"تبرئة" القاتل وتكريس "ثقافة الإفلات من العقاب"
لقد أدى موقف الغزالي دوراً محورياً في تضليل العدالة وتخفيف الحكم عن القتلة. فعندما تأتي شهادة من قامة دينية بحجمه لتبرر الفعل وتشرعن "النية" الطيبة للقاتل (الذي أراد نصرة الدين)، فإنها تصنع رأياً عاماً متعاطفاً مع القاتل وناقماً على الضحية.
هذا الموقف يساهم بفاعلية في تكريس "ثقافة الإفلات من العقاب" في الجرائم ذات الطابع الفكري والديني. فالقتل يصبح عملاً "مقدساً" إذا ما غُلف بغطاء شرعي، ويصبح دم المفكر التنويري أرخص من دم القاتل "المندفع بالغيرة على الدين". إن الشيخ الغزالي، بشهادته، لم يدن العنف، بل أدان الضحية التي تسببت في العنف!

إعدام العقل التنويري ومحاربة النقد
لقد كان فرج فودة مفكراً شجاعاً، يحمل مشعل النقد للعقلية الظلامية، ويطرح أسئلة صعبة حول علاقة الدين بالدولة، وتاريخ الخلافة، وفكرة تطبيق الشريعة. لقد كان "تنويرياً" بامتياز، يسعى لتفكيك النصوص الجامدة وتقديم قراءة عصرانية للدين.
وموقف الشيخ الغزالي لم يكن سوى محاولة لإعدام هذا العقل التنويري، ومحاربة أي فكر نقدي يهدد هيمنة القراءة التقليدية للدين. فبدلاً من الرد على أفكار فودة بالحجة والبرهان، لجأ الشيخ إلى سلاح "التكفير" و"الإباحة"، وهو السلاح الذي يستخدمه الضعفاء فكرياً عندما يعجزون عن مقارعة الحجة بالحجة. إن شهادة الغزالي كانت، في جوهرها، محاولة لإسكات صوت العقل التنويري وإبقائه حبيس زنزانة النصوص الجامدة.

لا تنوير بلا حماية العقل من رصاصات "الفقه الجامد"
إننا، كحاملين لمشعل التنوير في مصر، لا يمكننا أن نمرر موقف الشيخ الغزالي دون نقد صارم وصادق. فدماء فرج فودة لا تزال تنزف، ورصاصات التكفير لا تزال تلاحق كل مفكر يجرؤ على إعمال عقله.
إن التنوير الحقيقي يتطلب أولاً حماية العقل من التآكل، وحماية المفكر من التصفية. ويجب أن نرفض بوضوح وبلا أي مواربة أي محاولة لشرعنة القتل تحت غطاء ديني، أو تبرير الإرهاب بالنيات الطيبة، أو تكريس "ثقافة الإفلات من العقاب" في الجرائم الفكرية.
إن موقف الشيخ محمد الغزالي من اغتيال فرج فودة سيظل وصمة عار في جبين العقلية الظلامية، وصرخة في وجه كل من يحاول إقحام الدين في صراعات السياسة والسيطرة على العقول. وإننا، بصفتنا أهم الشخصيات التنويرية، ملتزمون بمواصلة المسيرة، وبناء مصر القائمة على سيادة القانون، وحماية العقل، واحترام الكرامة الإنسانية، بعيداً عن رصاصات "الفقه الجامد" وأحلام "الخلافة المفقودة".

شارك