بين "هرمز" والنووي: هل تنجح جبهة "موسكو-بكين" في كسر استراتيجية الضغوط القصوى؟

الإثنين 27/أبريل/2026 - 12:49 م
طباعة بين هرمز والنووي: حسام الحداد
 
دخلت المواجهة المحتدمة بين واشنطن وطهران منعطفاً استراتيجياً خطيراً مع حلول السابع والعشرين من أبريل 2026، حيث هيمن "العرض الإيراني الجديد" على أروقة صناعة القرار العالمي وتصدر عناوين الصحافة الدولية. ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي، الذي تقوده طهران عبر وسطاء إقليميين، في وقت بلغت فيه حالة "الحصار المزدوج" في مضيق هرمز ذروتها، مهددة بانهيار كامل لسلاسل إمداد الطاقة العالمية، وسط محاولات إيرانية حثيثة لفصل ملف حرية الملاحة عن التعقيدات الشائكة للبرنامج النووي، وهو المسار الذي تراه طهران مخرجاً لفك الخناق الاقتصادي الذي بدأ ينهك ميزانيتها.
في المقابل، تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب غير مستعدة لتقديم تنازلات مجانية، حيث قوبلت المرونة الإيرانية "المشروطة" بصلابة أمريكية تصر على ربط أي انفراجة ملاحية بتفكيك كامل وشامل للطموحات النووية. هذا التباين الحاد في الرؤى لم يقف عند حدود التصريحات الصحفية، بل تُرجم فعلياً في إلغاء واشنطن لمهام دبلوماسية رفيعة المستوى، مما يعزز فرضية الجمود السياسي الطويل. وبينما ترتفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية تثير ذعر الأسواق، يتحول مضيق هرمز من ممر مائي إلى ساحة اختبار دولية لحدود القوة والردع بين القوى الكبرى.

هرمز أولاً والنووي لاحقاً
كشفت وكالة أكسيوس، نقلاً عن مصادر إقليمية مطلعة، عن فحوى العرض الإيراني الذي وُصف بـ "خارطة طريق" من مرحلتين تهدف أولاً إلى نزع فتيل الانفجار في الممرات المائية؛ حيث نصت المرحلة الأولى على التزام طهران بإنهاء كافة أشكال "الخنق" الملاحي في مضيق هرمز وإزالة القيود والرسوم الاستثنائية التي فرضتها مؤخراً، مقابل خطوة أمريكية موازية تتمثل في رفع البحرية الأمريكية الحصار البحري "الخانق" المفروض على الموانئ الإيرانية وتأمين تدفق السلع الأساسية، وهو ما تراه طهران شرطاً مسبقاً لأي تهدئة مستدامة.
وفي تفاصيل إضافية أوردتها وكالة رويترز، فإن المقترح الإيراني لم يقتصر على حرية الملاحة فحسب، بل تضمن عرضاً بتمديد طويل الأمد لاتفاق وقف إطلاق النار الحالي، مع البدء في إجراءات لإنهاء الحالة الحربية بشكل تدريجي في المنطقة. غير أن الجانب الأكثر إثارة للجدل في العرض كان "تأجيل" المباحثات المتعلقة ببرنامج التخصيب والملف النووي إلى مراحل لاحقة، حيث تصر طهران – بحسب التقرير – على أن إنهاء التوتر العسكري والملاحي يمثل "حجر الزاوية" لبناء الثقة الضرورية قبل الدخول في تعقيدات الاتفاق النووي الشامل.
في المقابل، لم يتأخر الرد الأمريكي الذي جاء حازماً ومباشراً؛ حيث نقلت شبكة سي إن إن عن الرئيس دونالد ترامب رفضه القاطع لهذا التسلسل، واصفاً العرض الإيراني بأنه "غير كافٍ ولا يلبي الحد الأدنى من المطالب الأمريكية". وخلال تصريحات أدلى بها لشبكة فوكس نيوز وعبر منصته تروث سوشيال، شدد ترامب على أن واشنطن لن تقبل بـ "حلول جزئية" تترك الطموحات النووية الإيرانية قائمة، مؤكداً أن أي اتفاق يجب أن يضمن منع طهران من امتلاك سلاح نووي بشكل نهائي وفوري، واختتم موقفه بلهجة حادة قائلاً: "لن نرسل مبعوثينا في رحلات مكلفة وطويلة من أجل عروض لا تحقق أهدافنا.. إذا أرادت إيران تفاوضاً حقيقياً، فعليها الاتصال بي مباشرة".

تحركات دبلوماسية مكثفة وإلغاء زيارة كوشنر
شهدت الجهود الدبلوماسية التي تقودها إسلام آباد انتكاسة مفاجئة بعد إعلان البيت الأبيض رسمياً إلغاء زيارة المبعوثين الخاصين، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، التي كانت مقررة لمتابعة مخرجات المفاوضات الأخيرة. ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن مصادر داخل الإدارة الأمريكية أن الرئيس ترامب اتخذ هذا القرار بناءً على تقييم أولي للعرض الإيراني، حيث اعتبر أن السفر في هذه المرحلة "مكلف وغير مجدٍ" طالما لم تقدم طهران تنازلات جوهرية بشأن التفتيش النووي، مشيراً إلى أن القنوات المباشرة تظل هي الخيار المفضل لديه بدلاً من الاعتماد الكلي على الوسطاء.
في المقابل، لم تتوقف الآلة الدبلوماسية الإيرانية عن التحرك، حيث أكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) وصول وزير الخارجية عباس عراقجي إلى العاصمة الروسية موسكو اليوم، في محطة استراتيجية تلت جولاته المكوكية في مسقط وإسلام آباد. ووفقاً للوكالة، فإن المباحثات مع المسؤولين الروس تهدف إلى تنسيق المواقف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز وسبل الالتفاف على العقوبات البحرية الأمريكية، مما يعكس رغبة طهران في تأمين "ظهير دولي" قوي قبل اتخاذ أي خطوات تصعيدية أو تفاوضية إضافية.
من جانبها، قدمت صحيفة تايمز أوف إسرائيل تحليلاً معمقاً لهذه التحركات، ناقلة عن خبراء أمنيين أن لجوء طهران السريع نحو موسكو وبكين يهدف بالأساس إلى خلق "جبهة ضغط دولية" لموازنة استراتيجية "الضغوط القصوى" التي ينتهجها ترامب. وأشار المحللون للصحيفة إلى أن إيران تحاول استثمار التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى لدفع واشنطن نحو قبول "مقايضة هرمز"، عبر إظهار أن استمرار الحصار الأمريكي قد يدفع المنطقة نحو ارتماء إيراني كامل في أحضان المعسكر الشرقي، وهو ما قد يغير موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل جذري.

"الحصار المزدوج" يرفع أسعار النفط
لا يزال مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الحيوي الأهم لإمدادات الطاقة العالمية بمرور نحو 20% من إنتاج النفط الدولي عبر مياهه، يرزح تحت وطأة تصعيد ميداني غير مسبوق أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الناقلات. ووفقاً لبيانات رصد الأزمة التي حدثتها منصة ويكيبيديا وتقارير تحليلية من بلومبيرغ، فإن الملاحة الدولية دخلت نفقاً مظلماً بسبب ما اصطلح على تسميته بـ "الحصار المزدوج"؛ حيث تفرض طهران سيطرة عسكرية صارمة على ممرات العبور مع فرض رسوم عبور استثنائية وقيود أمنية مشددة، مما جعل شركات التأمين البحري ترفع أقساطها إلى مستويات تعجيزية.
على الضفة الأخرى من الصراع، تواصل البحرية الأمريكية فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل، وهو الإجراء الذي تصفه تقارير بلومبيرغ الاقتصادية بالخانق. وتشير التقديرات إلى أن هذا الإغلاق القسري للموانئ يكلف الخزينة الإيرانية خسائر مباشرة تتجاوز 500 مليون دولار يومياً نتيجة توقف الصادرات النفطية وغير النفطية، مما وضع الاقتصاد الإيراني تحت ضغط هائل دفع طهران للمقايضة بملف المضيق في محاولة لكسر هذا الطوق المالي الذي بدأ ينعكس على استقرار عملتها المحلية.
انعكست هذه التعقيدات الميدانية فوراً على أسواق المال العالمية، حيث أفادت شبكة سي إن إن بأن أسعار النفط سجلت قفزة جديدة، متجاوزة مستويات قياسية لم تشهدها منذ سنوات، حيث تخطى خام برنت حاجزاً سعرياً حرجاً وسط مخاوف المستثمرين من تحول "الجمود الحالي" إلى صدام عسكري شامل. وأشارت التقارير إلى أن حالة "اللا حرب واللا سلم" الحالية، المتمثلة في وقف إطلاق نار وصفته المصادر بالهش، تظل مرهونة بشرط أساسي وهو إعادة فتح المضيق؛ وبدون تحقيق اختراق دبلوماسي ملموس، فإن أسواق الطاقة ستظل عرضة لهزات عنيفة تهدد نمو الاقتصاد العالمي.

آفاق الحل وقوة الردع
نشر معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تحليلاً استراتيجياً معمقاً حول الأزمة، خلص فيه إلى أن طهران نجحت بفعالية في تحويل مضيق هرمز من مجرد ممر مائي إلى "أداة ضغط جيوسياسي" فائقة التأثير. ووفقاً للمعهد، فإن القدرة الإيرانية على تعطيل الملاحة الدولية رغم الحشود العسكرية الضخمة كشفت عن "حدود القوة الصلبة" للولايات المتحدة في فرض حلول أحادية الجانب، حيث يرى المحللون أن التكنولوجيا العسكرية وحدها لم تنجح في تأمين تدفق النفط، مما أجبر واشنطن على الموازنة بين خياري التصعيد الشامل أو القبول بالتفاوض تحت ضغط "الأمر الواقع" الملاحي.
على الصعيد الدبلوماسي، سلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على العائق السيكولوجي والسياسي الأكبر الذي يواجه المفاوضات، والمتمثل في "انعدام الثقة المطلق" من جانب القيادة الإيرانية تجاه إدارة الرئيس ترامب. وأوضحت الصحيفة أن صانع القرار في طهران لا يزال يستحضر تجربة انسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018 كدليل على عدم جدوى الالتزامات الأمريكية طويلة الأمد؛ وهذا التاريخ المثقل بالشكوك يجعل من الصعب على المفاوض الإيراني القبول بتقديم تنازلات نووية مقابل وعود برفع الحصار، دون وجود ضمانات دولية "قانونية وصلبة" تحول دون تكرار سيناريو النقض السابق.
في خضم هذا الانسداد، كشفت تقارير برلمانية بريطانية عن تحركات تقودها لندن بالتعاون مع باريس لتشكيل "قوة مهام دفاعية دولية" مشتركة، تهدف إلى تأمين حرية الملاحة بعيداً عن الانخراط المباشر في الصراع السياسي الأمريكي-الإيراني. وتضمنت هذه التقارير تحذيرات استخباراتية من أن الفشل في إيجاد صيغة توفق بين هواجس "الأمن النووي" الغربية ومطالب "حرية التجارة" الإيرانية قد يؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار الحالي، مما ينذر بانفجار عسكري واسع النطاق قبل نهاية عام 2026، وهو ما قد يدفع المنطقة نحو مواجهة شاملة تتجاوز حدود المضيق لتشمل مرافق الطاقة في عموم الخليج.
تظل الأزمة في مضيق هرمز مفتوحة على كافة السيناريوهات، حيث تعكس التغطية الإعلامية والتحليلات الاستراتيجية حالة من "التوازن القلق" الذي لا يمكن استمراره طويلاً؛ فبينما تراهن طهران على عامل الوقت والضغط الاقتصادي العالمي لانتزاع اعتراف بمصالحها، تراهن واشنطن على فاعلية الحصار البحري لإجبار خصمها على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط "نووية" قاسية. ومع دخول أطراف دولية مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي على خط الأزمة بأجندات متباينة، يبدو أن الدبلوماسية عبر الوسطاء باتت الخيار الوحيد لتجنب مواجهة عسكرية شاملة، لكن الفجوة العميقة في "الثقة" وتسلسل الأولويات — بين أمن الملاحة أولاً أو التفكيك النووي أولاً — تبقى هي العقدة التي قد تنفجر قبل نهاية عام 2026 إذا لم يتم التوصل إلى صيغة "حل شامل" ترضي طموحات الأطراف المتصارعة.

شارك