باحثة أمريكية تشرح تفاصيل "الانقلاب البنيوي" داخل النظام الإيراني
الإثنين 09/مارس/2026 - 08:54 م
طباعة
علي رجب
في تحليل معمق للمشهد الإيراني الجديد، قدمت إيرينا تسوكرمان، العضو البارز في الحزب الجمهوري الأمريكي، قراءة استراتيجية لصعود مجتبى خامنئي إلى سدة المرشدية، معتبرة أن هذه المرحلة تمثل "تحولا جيليا" جذريا في بنية السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، حيث تنتقل القيادة من "العباءة الدينية التقليدية" إلى "البذلة الأمنية المركزية".
وفي قراءة استراتيجية لهذا التحول، قدمت الباحثة الأمريكية إيرينا تسوكرمان، العضو البارز في الحزب الجمهوري الأمريكي، لـ" البوابة نيوز" تحليلا معمقا لطبيعة المرحلة الجديدة، معتبرة أن وصول مجتبى الإبن يمثل “تحولا جيليا” في طبيعة السلطة داخل إيران، حيث تنتقل القيادة تدريجيا من النموذج الديني التقليدي إلى نموذج أمني أكثر مركزية وتأثيرا.
من العمامة إلى المؤسسة الأمنية
ترى تسوكرمان أن النظام الإيراني، الذي تأسس بعد الثورة الإيرانية 1979 بقيادة روح الله الخميني، كان في عقوده الأولى يعتمد بصورة كبيرة على شرعية دينية تستند إلى المؤسسات الفقهية والحوزات العلمية. لكن هذا التوازن بدأ يتغير تدريجيا خلال السنوات الأخيرة من حكم علي خامنئي.
وبحسب تسوكرمان، فإن صعود مجتبى خامنئي يمثل انتقالا واضحا من “العباءة الدينية التقليدية” إلى ما وصفته بـ“البذلة الأمنية المركزية”، حيث تستمد القيادة الجديدة شرعيتها بشكل متزايد من المؤسسات الأمنية والعسكرية أكثر من المرجعية الدينية.
وتوضح أن نفوذ مجتبى لا ينبع من مكانة فقهية أو علم ديني بارز، بل من سنوات طويلة من العمل داخل مكتب المرشد الأعلى، حيث نسج شبكة علاقات وثيقة مع أجهزة الاستخبارات والمؤسسات الأمنية.
دور متصاعد للحرس الثوري
ويشكل الحرس الثوري الإيراني أحد الأعمدة الأساسية في هذا التحول داخل بنية السلطة، فبحسب تسوكرمان، كان الحرس يلعب دورا مهما في السياسة الإقليمية خلال السنوات الأخيرة من حكم علي خامنئي، إلا أن صعود مجتبى يعزز مكانته المؤسسية إلى مستوى غير مسبوق.
وترى الباحثة الأمريكية أن العلاقة الشخصية والسياسية الوثيقة بين مجتبى والحرس الثوري تجعل المؤسسة العسكرية أكثر حضورا في صياغة الاستراتيجية الخارجية الإيرانية.
وأضافت "فبدلا من أن تكون السياسة الخارجية نتاج توازن بين المؤسسات الدينية والدبلوماسية، أصبحت أكثر ارتباطا بالحسابات الأمنية والاستخباراتية، حيث يتم تنسيق الرسائل الدبلوماسية والتحركات الإقليمية مع الرؤية الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية".
سياسة خارجية أكثر براغماتية
كما تشير تسوكرمان إلى أن السياسة الخارجية الإيرانية في عهد مجتبى الإبن قد تشهد تحولا في الأسلوب أكثر من المضمون. فبينما يستمر الخطاب الأيديولوجي الذي يميز الجمهورية الإسلامية، فإن النهج العملي وراء هذا الخطاب يصبح أكثر انضباطا وواقعية.
وبحسب تحليلها، فإن القيادة الإيرانية الجديدة تميل إلى التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية بمنطق إدارة المخاطر والحفاظ على أمن النظام، بدلا من التركيز على تصدير الثورة أو المواجهة الأيديولوجية المباشرة.
ويظهر هذا التوجه بشكل خاص في إدارة شبكات النفوذ الإقليمية التي بنتها طهران خلال العقود الماضية، حيث تسعى القيادة الجديدة إلى تنظيم هذه الشبكات بصورة أكثر مركزية.
إعادة تنظيم شبكات النفوذ
تؤكد تسوكرمان أن إيران ستواصل الحفاظ على علاقاتها مع الحركات المسلحة والفصائل السياسية في أنحاء الشرق الأوسط، باعتبارها جزءا من منظومة الردع الاستراتيجية التي تعتمد عليها طهران.
غير أن الاختلاف في عهد مجتبى يتمثل في محاولة فرض قدر أكبر من التنسيق والانضباط على هذه الشبكات، بحيث تصبح أكثر ارتباطا بالأهداف الاستراتيجية للدولة الإيرانية.
وبدلا من منح الجهات المحلية استقلالية عملياتية واسعة، تسعى القيادة الإيرانية إلى إنشاء هياكل قيادة أكثر إحكاما، تسمح باستخدام هذه الشبكات كأدوات ضغط أو رسائل تصعيد أو حتى وسائل لخفض التوتر وفقا للظروف الدبلوماسية.
علاقات أكثر براغماتية مع دول الخليج
في ما يتعلق بالعلاقات مع الدول العربية المجاورة، ترى تسوكرمان أن طهران قد تتجه نحو نهج أكثر نفعية خلال فترة حكم مجتبى خامنئي.
فبينما ستبقى التوترات الإقليمية جزءا من المشهد السياسي في المنطقة، تدرك القيادة الإيرانية أهمية تقليل مخاطر المواجهة المباشرة مع العواصم الخليجية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد.
ومن المرجح أن تسعى طهران إلى إقامة علاقات عمل مع بعض دول الخليج، تسمح بالتعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني المحدود دون التخلي عن نفوذها الإقليمي.
ويعكس هذا النهج ما تصفه تسوكرمان بـ“التعايش الحذر”، حيث تدرك جميع الأطراف أن التصعيد العسكري المباشر يحمل تكاليف مرتفعة للجميع.
شراكات استراتيجية مع القوى الكبرى
أما على صعيد العلاقات الدولية، فتشير تسوكرمان إلى أن إيران ستواصل تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين باعتبارهما شريكين مهمين في مواجهة الضغوط الغربية.
وتقدم هاتان القوتان لطهران دعما دبلوماسيا في المحافل الدولية، إضافة إلى قنوات اقتصادية وعسكرية تساعدها على التخفيف من آثار العقوبات.
لكن القيادة الإيرانية، بحسب تسوكرمان، تدرك أيضا أن موسكو وبكين تتحركان وفق مصالحهما الخاصة، ولذلك تسعى طهران إلى الحفاظ على قدر من الاستقلالية في علاقاتها معهما بدلا من الوقوع في دائرة التبعية.
الاقتصاد كعامل حاسم في السياسة الخارجية
تلعب الضغوط الاقتصادية دورا محوريا في تشكيل خيارات القيادة الإيرانية الجديدة.
فإيران تدخل عهد مجتبى خامنئي في ظل عقوبات دولية قاسية وتحديات اقتصادية كبيرة، ما يجعل البقاء الاقتصادي للنظام أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن الأمن العسكري.
ولهذا السبب، تستخدم طهران الدبلوماسية كأداة لإدارة الضغوط الخارجية، من خلال البحث عن اتفاقيات تسمح باستمرار القنوات التجارية وتصدير الطاقة وتدفق الأموال عبر مسارات غير مباشرة.
العلاقة المعقدة مع الولايات المتحدة
في ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، ترى تسوكرمان أن القيادة الإيرانية تتعامل مع المفاوضات باعتبارها ساحة تنافس مدار أكثر من كونها طريقا نحو مصالحة سياسية.
وفي ظل إدارة دونالد ترامب، يتوقع أن يركز المفاوضون الإيرانيون على تحقيق تنازلات ملموسة وخطوات متبادلة بدلا من الدخول في مسار تطبيع شامل.
ويعكس هذا النهج الثقافة السياسية السائدة داخل النظام الإيراني، التي تنظر إلى التفاوض باعتباره امتدادا للصراع بوسائل دبلوماسية، وليس نهاية له.
مرحلة جديدة للنظام الإيراني
في النهاية، تشير قراءة تسوكرمان إلى أن صعود مجتبى خامنئي لا يمثل مجرد انتقال في القيادة، بل يعكس تحولا بنيويا في طبيعة النظام الإيراني.
فالجمهورية الإسلامية تدخل مرحلة يصبح فيها الأمن والاستقرار الداخليان محور السياسة، بينما تتحول الأيديولوجيا إلى إطار رمزي أكثر منها محركا أساسيا للقرارات.
ويبقى السؤال الأهم الذي يواجه إيران في هذه المرحلة: هل يستطيع هذا النموذج الأمني الجديد الحفاظ على تماسك النظام في ظل الضغوط الاقتصادية والتحديات الإقليمية المتزايدة، أم أن التحول الجيلي سيكشف عن تناقضات أعمق داخل بنية السلطة الإيرانية؟
