جمال صابر… حين يتحول الإيمان بشخص إلى عمى عن الحقيقة
الجمعة 13/مارس/2026 - 01:30 م
طباعة
روبير الفارس
لا يمكن فهم ظاهرة جمال صابر بمعزل عن المناخ السياسي المضطرب الذي عاشته مصر بعد ثورة يناير، حيث ظهرت شخصيات هامشية تحولت فجأة إلى رموز سياسية بفعل الحماس الشعبي والانقسام الأيديولوجي. وجمال صابر يقدم نموذجًا واضحًا لكيف يمكن أن يقود الإيمان المطلق بشخص أو فكرة إلى حالة من العمى عن الواقع، بل وإلى تبني خطاب تصادمي مع المجتمع والدولة.
جمال صابر محمد مصطفى، الذي توفي أمس عن 55 عاما .محامي في منطقة شبرا وأحد سكانها، لم يكن شخصية معروفة في المجال العام قبل صعود التيار السلفي السياسي بعد الثورة. غير أن اسمه برز بقوة عندما أسس حملة "لازم حازم" لدعم الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل خلال الانتخابات الرئاسية التي جرت بعد سقوط نظام حسني مبارك.
تحول صابر سريعًا إلى ناشط سياسي صاخب، وكرس نفسه للدفاع عن أبو إسماعيل باعتباره مشروعًا سياسيًا ودينيًا في آن واحد. ومع استبعاد أبو إسماعيل من سباق الرئاسة بسبب قضية حصول والدته على الجنسية الأمريكية، دخل صابر في معركة إعلامية شرسة لإنكار تلك الواقعة والتشكيك في صحة الوثائق الرسمية.
في تلك المرحلة ظهر صابر بشكل مكثف في البرامج التلفزيونية، وكان ظهوره يتسم بنبرة حادة وميل واضح للمواجهة. ومن أبرز الوقائع التي كشفت عن أسلوبه في الجدل ظهوره في برنامج على قناة صدى البلد مع الإعلامية عزة مصطفى، حيث أخرج على الهواء مستندات قال إنها تثبت أن المذيعة يهودية، في محاولة لإثبات أن الوثائق يمكن تزويرها بسهولة. الواقعة انتهت بطرده من البرنامج بعد أن اعتبرت المذيعة ما حدث إهانة شخصية.
هذا السلوك لم يكن مجرد تصرف فردي، بل كان انعكاسًا لحالة نفسية وسياسية تقوم على فكرة المؤامرة الدائمة. فكل ما يناقض قناعاته كان يُفسَّر باعتباره تزويرًا أو تآمرًا على التيار الإسلامي، وهي آلية دفاع نفسية يلجأ إليها البعض عندما يصبح الاعتراف بالحقيقة تهديدًا مباشرًا لصورة القائد أو الفكرة التي يؤمنون بها.
بعد استبعاد أبو إسماعيل، شارك صابر في اعتصام العباسية بالقرب من وزارة الدفاع، وهو الاعتصام الذي نظمه أنصار الشيخ احتجاجًا على قرار لجنة الانتخابات الرئاسية، مطالبين بتسليم السلطة للمدنيين وإلغاء المادة التي تحصن قرارات اللجنة من الطعن. انتهت تلك الأحداث بسقوط أكثر من أحد عشر قتيلًا وعشرات الجرحى، لتتحول المواجهة من خلاف سياسي إلى صدام دموي.
خلال تلك الفترة كان صابر حاضرًا بقوة في المشهد الإعلامي، يهاجم المجلس العسكري ووسائل الإعلام ويتهمها بتضليل الرأي العام. وبعد فوز محمد مرسي بالرئاسة استمر في نفس الخطاب التصادمي، خصوصًا خلال أحداث الاتحادية عندما وقعت اشتباكات بين معارضي الرئيس والجماعة الإرهابية.
وفي تلك الأحداث ظهر صابر مدافعًا عن أنصار السلطة، مدعيًا أن المعتصمين أمام قصر الاتحادية كانوا يحملون زجاجات خمر وأقراص ترامادول ووسائل منع حمل نسائية، قبل أن يطلق تهديدًا صريحًا لجبهة الإنقاذ بقوله إن الانقلاب على الشرعية لن يحدث إلا على جثثهم.
كما شارك لاحقًا في الاعتصام الذي نظمه أبو إسماعيل أمام مدينة الإنتاج الإعلامي، وكرر خلاله الاتهامات القديمة للإعلام بأنه يضلل الناس ويقلب الحقائق.
لكن مسار صابر أخذ منحنى مختلفًا عندما اندلعت أحداث عنف في شبرا ارتبطت بنجله عبد الرحمن. فقد اتهمه أهالي المنطقة بقتل شاب يدعى سعد درة إثر مشادة خلال مباراة كرة قدم، بعد أن طعنه بسلاح أبيض في القلب. الحادثة فجرت اشتباكات واسعة في المنطقة استخدمت فيها الأسلحة النارية وزجاجات المولوتوف، وأسفرت عن سقوط ثلاثة قتلى وإصابة ستة وعشرين شخصًا بينهم رجال شرطة ومواطنون.
كما أدت تلك الاشتباكات إلى تحطيم عشرات السيارات وعدد من المحال التجارية، لتتحول الواقعة من حادث فردي إلى أزمة أمنية واسعة.
جمال صابر من جانبه نفى الاتهامات الموجهة إلى نجله، واعتبر ما يحدث حربًا على الإسلاميين، مدعيًا أن الأزمة بدأت بسبب محاولة بعض الأهالي هدم مسجد كان يؤسسه هو ونجله.
لكن قوات الأمن تمكنت لاحقًا من القبض عليه للضغط من أجل تسليم نجله، قبل أن يتم القبض على الابن بالفعل في اليوم التالي.
لكن بعيدًا عن الجدل السياسي، تكشف قصة جمال صابر عن ظاهرة أعمق في المجتمعات التي تمر بتحولات سياسية حادة. فهي قصة رجل انتقل فجأة من الهامش إلى قلب الصراع السياسي، مدفوعًا بإيمان مطلق بقائد اعتبره مشروع خلاص.
وحين يصبح الإيمان بشخصية ما عقيدة غير قابلة للنقاش، تتحول الحقيقة نفسها إلى عدو. عندها لا يعود الواقع معيارًا للحكم، بل يصبح الولاء هو المعيار الوحيد.
في هذه الحالة النفسية يتراجع التفكير النقدي، ويحل محله يقين مطلق لا يرى إلا ما يؤكد القناعة المسبقة. وهنا تكمن خطورة ظاهرة مثل جمال صابر، ليس باعتبارها مجرد قصة فرد، بل بوصفها نموذجًا يوضح كيف يمكن أن يتحول الحماس السياسي إلى تعصب أعمى، وكيف يمكن أن يقود الإيمان بشخص إلى تجاهل الحقيقة مهما كانت واضحة.
